* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى النضير: ونقل عن النووى في «الروضة» أن غزوة بنى النضير كانت سنة ثلاث، وأن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد «١»، وكلامه يميل إلى أن تحريم الخمر كان سنة ثلاث، ورجّح الدمياطى أيضا في سيرته أن التحريم كان في السنة الثالثة.
والقول بأن التحريم كان في السنة الرابعة مشهور، وهناك قول اخر راجح، وهو: أنها كانت في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة، بدليل أنّ أنسا كان ساقيا لها، ولما ورد النهي عن ذلك أراقها، ولو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك، ويرجحه قولهم: إن تحريم الخمر كان قبل الفتح، وربما يجمع بين الأقوال بما رواه أحمد عن أبى هريرة أنها حرّمت ثلاث مرات، قال: «قدم المصطفى ﷺ المدينة وهم يشربونها، ويأكلون «٢» الميسر، فسألوه عنهما، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩]، قال الناس: ما حرّم علينا إنما قال «فيهما إثم كبير ومنافع للناس» . وكانوا يشربون الخمر حتّى صلّى يوما رجل من المهاجرين، وأمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى الاية التى في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣]، فكان الناس يشربونها في وقت دون وقت، ثم نزلت الاية التى في المائدة، بالتأكيد، وهى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠، ٩١]، إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا.
قال المفسرون: لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٨٧]، وقوله: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا [المائدة:
٨٨]، وقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا
_________________
(١) وذكر ابن هشام أنها كانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة.
(٢) انظر ابن كثير ص ٩٢ ج ٢.
[ ٢٦٣ ]
[النحل: ٦٧]، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم، بيّن الله في هذه الاية «١» أن الخمر والميسر غير داخلين في جملة الطيبات والحلال، بل هما من جملة المحرمات.
وروى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ الاية. فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال:
«اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا» . فنزلت الاية التى في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: قد انتهينا. أخرجه الترمذى من طريقين، وقال رواية عن أبى ميسرة: هذا أصح، وأخرجه أبو داود والنسائي.
وروى مصعب بن سعد عن أبيّ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا- وذلك قبل أن تحرّم الخمر- حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، فقال سعد بن أبى وقاص: المهاجرون خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي «٢» جمل فضرب رأس سعد فشجه شجة موضحة «٣»، فأتى سعد لرسول الله ﷺ فأخبره، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى ثملوا وعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته، فيقول: فعل بى هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله تحريم الخمر في هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
_________________
(١) المائدة: ٩٠، ٩١.
(٢) لحى جمل: أي عظمة.
(٣) أى أبدت العظم واضحا.
[ ٢٦٤ ]
وقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظة استفهام «١»، ومعناه الأمر، أى انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطبين، كأنه قيل: قد تلى عليكم فيها من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأنكم لم توعظوا، أولم تنزجروا؟
وفي هذه الاية دليل على تحريم شرب الخمر؛ لأن الله تعالى قرن شرب الخمر والميسر بعبادة الأصنام، وعدّد أنواع المفاسد الحاصلة بهما، ووعد بالفلاح عند اجتنابهما، وقال في اخر الاية: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ومعناه الأمر.
وقال بعضهم: الحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيرا، فعلم الله تعالى أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.