* وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ربيع أو جمادى في سرية (أربعمائة) إلى نجران وما حولها، يدعو بنى الحارث بن كعب إلى الإسلام ويقاتلهم إن لم يفعلوا، فأسلموا وأجابوا داعيته، وبعث الرسل في كل وجه، فأسلم الناس، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ، فكتب إليه بأن يقدم مع وفدهم، فأقبل خالد ومعه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشدّاد بن عبد الله الضبابي، وعمرو بن عبد الله الضبابي، فأكرمهم النبى ﷺ، وقال لهم: «بم كنتم تغلبون من يقاتلكم في الجاهلية؟» .
قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: صدقتم.
فأسلموا، وأمّر عليهم قيس بن الحصين، ورجعوا صدر ذى القعدة من سنة عشر، ثم أتبعهم عمرو بن حزم (من بنى النجار) ليفقههم في الدين ويعلّمهم السنّة، وكتب ﷺ إليه كتابا عهد إليه فيه عهده، وأمره بأمره، وأقام عاملا على نجران، وهذا الكتاب وقع في السير مرويا، واعتمده الفقهاء في الاستدلالات، ومنه أخذت كثير من الأحكام الفقهية، ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم «هذا كتاب من الله ورسوله- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «١» عهد من محمد النبى لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القران ويفهّمهم فيه، وأن ينهى
_________________
(١) المائدة: ١.
[ ٣٨٧ ]
الناس، فلا يمسّ القران إنسان إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم، ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم؛ فإنّ الله حرّم الظلم ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وأن يبشّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتّى يتفقّهوا في الدين، ويعلّم الناس معالم الحجّ وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، وهو العمرة، وينهى الناس أن يصلّى أحد في ثوب واحد، إلا أن يكون واسعا يثنى طرفه على عاتقيه، وينهى أن يحتبى أحد في ثوب واحد، ويفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن يقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيّج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر «١» وليكن دعاؤهم إلى الله واحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله، ودعا القبائل فليقطعوه بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله واحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء في وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلّس بالصبح «٢»، ويهجّر «٣» بالهاجرة حتّى تميل الشمس»
، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين «٥» يقبل الليل؛ لا يؤخّر حتّى تبدو نجوم السماء، والعشاء أوّل الليل.
وأمره بالسّعي إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين، أو سقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٦» نصف العشر، وفي كلّ
_________________
(١) الدعوة الخبيثة إلى القومية، والتى يحاول البعض إحياءها اليوم، وليعلموا أنه لا قومية في الإسلام- إنما المؤمنون إخوة أينما كانوا.
(٢) الغلس: بفتحتين: ظلمة اخر الليل، والغلس: أي الوقت الذى يختلط فيه اخر ظلمة الليل بأول ضوء النهار.
(٣) الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر.
(٤) أى عن كبد السماء.
(٥) فى الأصل «حتى»، ولا يستقيم الكلام بها.
(٦) الغرب: الدلو العظيمة.
[ ٣٨٨ ]
عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين: أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر:
بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر: تبيع أو تبيعة (جذع أو جذعة)، وفي كل أربعين من الغنم سائمة (واحدّها شاة) فإنها فريضة الله التى افترضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له.
وأنّ من أسلم من يهودى أو نصرانيّ إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه ما عليهم.
ومن كان على نصرانيته أو يهوديته، فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمته وبركاته» .
* وقدم عليه وفد عامر، عشرة نفر، فأسلموا وتعلموا شرائع الإسلام، وأقرأهم أبيّ القران وانصرفوا.
وقدم في شوال وفد سلامان، سبعة نفر، رئيسهم حبيب، فأسلموا وتعلموا الفرائض وانصرفوا.
وفيها قدم وفد «ازدجرش» وفد فيهم صرد بن عبد الله الأزدى في عشرة من قومه، ونزلوا علي فروة بن عمرو، وأمّر النبيّ ﷺ بعد أن أسلموا صردا على من أسلم منهم، وأن يجاهد المشركين حوله، فحاصر «جرش» ومن بها من خثعم وقبائل اليمن- وكانت مدينة حصينة، اجتمع إليها أهل اليمن حين سمعوا بزحف المسلمين- فحاصرهم شهرا ثم قفل عنهم، فظنوا أنه انهزم، فاتبعوه إلى جبل شكر، فصفّ وحمل عليهم ونال منهم، وكانوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ رائدين، وأخبرهما ذلك اليوم بواقعة شكر، وقال: «إنّ بدن الله لتنحر عنده الان»، فرجعا إلى قومهما وأخبراهم بذلك، وأسلموا، وحمى لهم حمّى حول قريتهم.
وفيها كان إسلام همدان ووفادتهم على يد عليّ ﵁، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فمكث
[ ٣٨٩ ]
ستة أشهر لا يجيبونه، فبعث ﵊ عليّ بن أبى طالب وأمره أن يقفل خالد، فلما بلغ عليّ أوائل اليمن جمعوا له، فلما لقوه صفّوا، فقدم عليّ الإنذار وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، فأسلمت همدان كلها في ذلك اليوم، وكتبت بذلك إلى النبى ﷺ، فسجد لله شكرا، ثم قال: السلام على همدان (ثلاث مرات) .
ثم تتابع أهل اليمن علي الإسلام وقدمت وفودهم، وكان عمرو بن معديكرب الزبيدى قال لقيس بن مكشوح المرادي: اذهب بنا إلى هذا الرجل، فلن يخفى علينا أمره. فأبى قيس ذلك، فقدم عمرو على النبى ﷺ فأسلم. وكان فروة بن مسيك المرادى علي زبيد؛ لأنه وفد قبل عمرو مفارقا لملوك كندة، فأسلم ونزل على سعد بن عبادة، وتعلم القران وفرائض الإسلام، واستعمله رسول الله ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتّى كانت الوفاة.
وفي هذه السنة قدم وفد عبد القيس، يقدمهم الجارود بن عمرو، وكانوا على دين النصرانية، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم، ولما كانت الوفاة «١» وارتدت عبد القيس، ونصّبوا المنذر بن النعمان بن المنذر: ثبت الجارود علي الإسلام، وكان له المقام المحمود، وهلك قبل أن يرجعوا.
وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمى قبل فتح مكة إلي المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه، وهلك بعد الوفاة «٢»، وقبل ردة أهل البحرين.
وفي هذه السنة قدم وفد بنى حنيفة (فى ستة عشر) فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، ورجّال بن عنفوة، وطلق بن علي بن قيس، وعليهم سلمان بن حنظلة، فأسلموا وأقاموا أياما يتعلمون القران من أبيّ بن كعب سيد القرّاء، ومن فضلاء الصحابة، ورجّال يتعلم، وطلق يؤذّن لهم، ومسيلمة في الرّحال «٣» . وذكروا للنبى
_________________
(١) أى وفاة النبى ﷺ.
(٢) أى وفاة النبى ﷺ.
(٣) ذكرها في السيرة بصيغة الضعف «قيل إن بنى حنيفة جعلوه في رحالهم» .
[ ٣٩٠ ]
ﷺ مكانه في رحالهم، فأجازه، وقال: «ليس بشرّكم مكانا «١» لحفظه رحالكم» .
فقال مسيلمة: «عرف أن الأمر لى من بعده» .
ثم ارتد، وادّعى مسيلمة بعد ذلك النبوة، وشهد له طلق «٢» بن علي بن قيس أن رسول الله ﷺ أشركه في الأمر، فافتتن الناس به، وذلك أنه ادّعى النبوة، وأنه أشرك مع رسول الله ﷺ، وكتب إليه: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإنّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون» .
وكتب إليه رسول الله ﷺ:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتّبع الهدي.
أما بعد: فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» .
وقد قيل إن ذلك كان بعد منصرف النبى ﷺ من حجة الوداع.
* وفيها قدم وفد كندة يقدمهم الأشعث بن قيس، فى بضعة عشر، وقيل: فى ستين، وقيل: فى ثمانين، وعليهم الديباج والحرير، وأسلموا، ونهاهم النبى ﷺ عنه «٣» فتركوه، وقال له أشعث: «نحن بنو اكل المرار» «٤» يعتز بذلك؛ لأن لهم عليه ولادة من الأمهات، ثم قال لهم: لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو «٥»
_________________
(١) فى السيرة الحلبية أنه أمر له ﷺ بمثل ما أمر به لواحد منهم- خمسة أواق من فضة، وقال: أما إنه ليس بشرّكم مكانا الخ» وليس هذا مدحا لمسيلمة، بل يفيد أن فيهم من هو شر منه وأفسد، لعنه الله، كيف وقد قال ﷺ: «فى بنى حنيفة كذّاب ومبين»؟.
(٢) وذلك شرّ من مسيلمة.
(٣) أى عن الحرير.
(٤) اكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتّع بن معاوية بن كندة. ويقال: بل اكل المرار: حجر بن عمرو بن معاوية.
(٥) نقفو: نتبع؛ لأن الانتساب لا يكون للأم، وقد قال قائلهم: يا ويح قوم يقال لهم: من أبوكم؟ فيقولون: أمنا من قريش.
[ ٣٩١ ]
أمّنا، ولا ننتفى من أبينا» «١» .
وقدم مع وفد كنانة وفد حضرموت، وهم بنو وليعة وملوكهم: جمد، ومخوس، ومشرح، وأبضعه، فأسلموا، ودعا لمخوس بإزالة الرتة «٢» من لسانه.
وقدم وائل بن حجر راغبا في الإسلام، فدعا له ومسح رأسه، ونودى «الصلاة جامعة» سرورا بقدومه، وأمر معاوية أن ينزل بالحرّة، فمشى معه، وكان راكبا فقال له معاوية: «أعطنى نعلك أتوقّى به الرمضاء، فقال: ما كنت لألبسها وقد لبستها، وفي رواية «لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك» فقال: أردفني؟
قال: لست من أرداف الملوك، ثم قال معاوية: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي، فقال وائل: امش في ظل ناقتي، كفاك به شرفا، ويقال: إنه وفد على معاوية في خلافته فأكرمه، ثم إن رسول الله ﷺ كتب له كتابا صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب محمد النبى لوائل بن حجر قيل حضرموت، إنك إن أسلمت، لك ما فى يديك من الأرض والحصون، ويؤخذ منك من كل عشر واحدة، ينظر في ذلك ذو عدل، وجعلت لك ألاتظلم فيها معلم الدين.
والنبى ﷺ والمؤمنون أشهاد عليه» .
* وفي هذه السنة قدم وفد محارب في عشرة، فأسلموا.
* وفيها قدم وفد الرّها «٣» من مذحج في خمسة عشر نفرا، وأهدوا فرسا، فأسلموا وتعلموا القران وانصرفوا، ثم قدم وفد منهم وحجّوا مع رسول الله ﷺ، فأوصى لهم بمائة وسق من خيبر جارية عليهم من الكتيبة، وباعوها من معاوية.
* وفي هذه السنة قدم وفد نجران (النصاري) فى سبعين راكبا يقدمهم أميرهم
_________________
(١) كان من جدات النبى ﷺ من هى من قبيلتهم ومنهن «دعد بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث: أكلاب بن مرة» . اهـ. من هامش سيرة ابن هشام.
(٢) الرتة: ثقل في اللسان في الكلام.
(٣) الرّها: بضم أوله، ويمد ويقصر: مدينة بالجزيرة فوق حران؛ بينهما ستة فراسخ.
[ ٣٩٢ ]
العاقب عبد المسيح (من كندة) وأسقفهم أبو حارثة بن بكر بن وائل، والسيد (الأيهم)، وجادلوا عن دينهم، فنزل صدر سورة ال عمران، واية المباهلة، فقال لهم النبى ﷺ يوم المباهلة عن أمر ربه تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «١» فقال عبد المسيح لقومه: «لا تباهلوا محمدا؛ فإني أرى معه وجوها «٢» لو أقسمت علي الله أن يزيل الجبال لأزالها، فتهلكوا إلى اخر الأبد» .
فأبوا المباهلة وأشفقوا منها، وسألوا الصلح، وكتب لهم به علي ألف حلة في صفر، وألف في رجب، وعلي دروع ورماح وخيل، وحمل ثلاثين من كل صنف، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، ثم جاء العاقب والسيد وأسلما، وقد أشار إلى ذلك الصفيّ الحلّى في بديعيته، فى مبحث العنوان، حيث قال مشيرا إلى هذه القصة:
والعاقب الحبر من نجران، إنّ له يوم التباهل عقبي زلّة القدم
والمباهلة: الملاعنة، قال جرير:
لو أنّ تغلب جمعت أحسابها يوم التّباهل لم تزن مثقالا
وهذا البيت من النزاهة (نوع من الهجاء)، وهى عبارة عن الإتيان بألفاظ غير سخيفة تكون من أحسن الهجاء الذى إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يعدّ من مثلها قبيحا.
وهذه الواقعة مما يدل دلالة قطعية على نبوّته ﷺ من وجهين: أحدهما أنه خوّفهم بنزول العذاب عليهم لوثوقه بذلك، وإلّا لأفحم إذا لم ينزل العذاب عليهم، وثانيهما أنّ تركهم مباهلته يدل على أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يفيد نبوته، وإلا لما أحجموا عن مباهلته، ويدل على تيقنهم هذا أنه قد نقل عنهم أنهم
_________________
(١) ال عمران: ٦١.
(٢) جمع رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، والحسن، والحسين وقدّمهم أمامه، وجمعهم في كساء، وقال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي» فلما راهم العاقب رجع فزعا وقال ما قال.
[ ٣٩٣ ]
قالوا لبعضهم: «إنه والله هو النبى المبشّر به في التوراة والإنجيل، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال» فكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة إنما كان لعلمهم بأنه نبى مرسل من عند الله تعالى، ويؤيد هذا قوله ﷺ «والذى نفسى بيده إن العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادى نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله، حتى الطير علي رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتّى هلكوا كلهم» «١» .
* وفي هذه السنة قدم وفد الصدف و«وككتف» من كندة- ينسبون الان إلى حضرموت- في بضعة عشر نفرا، فأسلموا، وعلّمهم أوقات الصلاة، وذلك في حجة الوداع.
وفيها قدم وفد عبس.
وفيها قدم وفد عدى بن حاتم (فى شعبان) .
* وفيها قدم وفد خولان «٢» عشرة نفر، فأسلموا وهدموا صنمهم.
وكان قد وفد على رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية قبل خيبر: رفاعة بن زيد
_________________
(١) وروى البخارى عن حذيفة ﵁ قال: «جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعنا قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل؛ فو الله لئن كان نبيا فلاعنّاه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة» . وهذا الحديث رواه البيهقى في دلائل النبوة مطولا جدا. وفي رواية ابن مردويه: «قدم على النبى ﷺ العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه علي أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا، وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ: «والذى بعثنى بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادى نارا» وقضية المباهلة مشهورة جدا، إذ نزل فيها قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [ال عمران: ٦١] .
(٢) خولان: اسم مخلاف من مخاليف اليمن (وهو بفتح الخاء) ينسب إلى خولان بن عمرو بن قضاعة.
[ ٣٩٤ ]
الضبيبى (من جذام) «١» وأهدى غلاما فأسلم، وكتب له رسول الله ﷺ كتابا يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، ولم يلبث أن قفل دحية بن خليفة الكلبى منصرفا من عند هرقل، حين بعثه النبى ﷺ ومعه تجارة، فأغار عليه الهنيد بن عوص «٢» وقوم بنو الضليع (من بطون جذام)، فأصابوا كل شيء معه، وبلغ ذلك المسلمين من بنى الضبيب، فاستنقذوا ما أخذه الهنيد وابنه وردّوه على دحية، وقدم دحية على النبي ﷺ فأخبره الخبر، فبعث النبى ﷺ زيد بن حارثة فى جيش من المسلمين، فأغار عليهم وقتلوا الهنيد وابنه في جماعة، وكان معهم ناس من بنى الضبيب، فاستباحوهم معهم، فركب رفاعة بن زيد ومعه زيد بن عمرو (من قومه) فقدموا على النبى ﷺ وأخبروه الخبر، فقال: كيف أصنع بالقتلي؟ فقالوا: يا رسول الله أطلق لنا من كان حيا، فبعث معهم عليّ بن أبى طالب، وحمله على جمل وأعطاه سيفه، وأمره بردّ أموالهم، فسار عليّ إلى زيد ابن حارثة فلحقه بفيفاء الفحلتين «٣» وأمره بردّ أموالهم، فردّها.
* وفي هذه السنة قدم وفد عامر بن صعصعة، فيهم عامر بن الطفيل بن مالك، وأربد بن ربيعة بن مالك، فقال عامر للنبى ﷺ: يا محمد اجعل لى الأمر بعدك، قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، قال عامر: اجعل لى الوبر ولك المدر «٤»، قال: لا، ولكن أجعل لك زعنة الخيل؛ فإنك امرؤ فارس، فقال: لأملأنها عليك خيلا ورجلا. ثم ولّوا، فقال: «اللهم اكفنيهم، اللهم اهد عامرا وأغن الإسلام عن عامر» «٥» فرجعوا إلى بلادهم، فأخذ الطاعون عامرا في عنقه، فمات في طريقه (فى أحياء بنى سلول) وأصابت أخاه «أربد» صاعقة بعد ذلك.
ثم قدم علقمة بن علاثة بن عوف، وعوف بن خالد بن ربيعة وابنه، وأسلموا.
_________________
(١) اسم قبيلة.
(٢) الهنيد بن عوص (بالصاد)، وابنه عوص بن الهنيد.
(٣) الفيفاء: المفازة، والفحلتان: اسم موضع.
(٤) الوبر: يقصد أهل البادية. المدر: يقصد بها سكان البيوت المبنية.
(٥) اللهم اهد عامرا، أى بنى عامر، واغن عن عامر: أي عن ذلك الرجل الذى قال ما قال.
[ ٣٩٥ ]
* وفيها قدم وفد طيء (فى خمسة عشر نفرا) يقدمهم سيدهم: زيد الخيل، وقبيصة بن الأسود (من بنى نبهان) فأسلموا، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، وأقطع له بئرا وأرضين معها وكتب له بذلك، ومات في مرجعه.
* وفي هذه السنة كانت حجة الوداع، وتسمى حجة الإسلام.
وسميت حجة الوداع لأن النبى ﷺ خطب الناس فيها وأوصاهم، وقال: «لعلكم لا ترونى بعد عامى هذا» وودّعهم.
واختلف: هل كان ﷺ فيها مفردا أو قارنا أو متمتعا، قال النووي: والصحيح أنه كان أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد، وأدخلها علي الحج، فصار قارنا؛ فمن روى الإفراد فهو الأصل، أو القران اعتمد اخر الأمرين، أو التمتاع: أراد التمتاع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وبه تنتظم الأحاديث.
وذلك أن النبى ﷺ خرج حاجّا لخمس وعشرين من ذى القعدة سنة عشر، وكان معه من أشراف الناس جماعة، ومائة من الإبل عريا، ودخل مكة يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة.
وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ من بيته متدهنا مترجلا «١»، حتى أتى ذا الحليفة، وأحرم في ثوبين من نسج «صحار» «٢»: إزار ورداء، وخرج بنسائه جميعا، فدخل مسجد ذى الحليفة، فصلّى ركعتين، ثم ركب ناقته القصواء فلما استوت على ظهر البيداء أهلّ بالحج، ودخل ﷺ مكة نهارا على راحلته، حتى انتهى إلى البيت، فلما رأى البيت رفع يديه فوقع زمام «٣» ناقته، فأخذه بشماله، فبدأ بالطواف بالبيت قبل الصلاة، ولم يستلم من الأركان إلا اليمانيّ والأسود، ورمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة،
_________________
(١) مترجلا: ماشيا على الرجل، من ترجّل الرجل: إذا مشى راجلا.
(٢) صحار (بالضم): هضبة عمان، مما يلى الجبل.
(٣) زمام الناقة: خطامها.
[ ٣٩٦ ]
وخطب ﷺ قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة حين زالت الشمس «١» وهو على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بعد الظهر بمني، وساق في حجته مائة بدنة نحر منها ستين بيده بالحربة، ثم أعطى عليّا سائرها فنحرها، ولم يصم ﷺ يوم عرفة، وصلّى الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين، ثم وقف بعرفة، ودفع حين غابت الشمس، فقصد في سيره «٢»، ثم صلّى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم بات بالمزدلفة، ووقف على ناقته القصواء حين أسفر «٣»، ثم دفع ورمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته، ونحر بالمنحر، وقال: «كلّ منى منحرة» «٤»، وحمل حصاه من «جمع» ثم كان يرمى الجمار ماشيا، ويرمى يوم الصدر راكبا، وكان يرفع يديه عند الجمار ويقف، ولا يفعل ذلك عند جمرة العقبة، وزار البيت يوم النحر، ونفر يوم الصدر، فنزل بالأبطح في قبة ضربت له، فلما كان في اخر الليل خرج فودّع البيت، ثم مضى من وجهه إلى المدينة.
وقال النبى ﷺ: إنّ أفضل أيامكم يوم النحر، ثم يوم القرّ، وهو اليوم الثاني.
انتهي.
[خطبة الوداع]: ولقيه عليّ بن أبى طالب بصدقات «نجران» وكان محرما فقال: حلّ كما حلّ أصحابك، فقال: إنى أهللت بما أهلّ به رسول الله ﷺ. فبقى على إحرامه. ونحر رسول الله ﷺ الهدي عنه، وعلّم ﷺ الناس مناسك الحج والسنن، وخطب الناس بعرفة خطبة بيّن فيها الأحكام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري، لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا.
_________________
(١) يعنى عن كبد السماء.
(٢) يعنى سار سيرا قصدا، أى تمهل في سيره عن السرعة.
(٣) يعنى وقت الإسفار، وهو الوقت الذى يكون بعد الفجر وقبل طلوع الشمس.
(٤) أى ينحر الحاج في أى مكان منها.
[ ٣٩٧ ]
أيها الناس إنّ دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. وقد بلّغت؛ فمن كان عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كان ربا فهو موضوع، ولكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله ألاربا؛ إنّ ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإنّ كلّ دم في الجاهلية موضوع كله، وإنّ أوّل دم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (وكان مسترضعا في بنى سعد فقتله بنو هذيل) . أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقّرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، إنما النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله، ألا وإنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الفرد الذى بين جمادى وشعبان» «١» .
[ومعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذى الحجة، وبطل النسيء الذى كان في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبى بكر ﵁ قبلها في ذى القعدة، والنسىء: التأخير لحرمة شهر إلى اخر كما كانت الجاهلية تفعل؛ كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا اخر، ورفضوا خصوص الشهر، واعتبروا مجرد العدد، فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، فيحرّمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخّروه إلى ربيع، وهكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذى القعدة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، ورواه البخارى في التفسير، ومسلم وابن جرير الطبرى وسعيد بن منصور، وله ألفاظ وطرق مختلفة بمعنى واحد.
[ ٣٩٨ ]
عامين، وكذا باقى شهور السنة، فوافقت حجة أبى بكر في السنة التاسعة في ذى القعدة، قبل حجة الوداع بسنة، ثم حجّ النبيّ ﷺ في العام المقبل حجة الوداع، فوافق حجّه شهر ذى الحجة، وهو شهر الحج المشروع، فوقف بعرفة في اليوم التاسع.
واختلفوا في أوّل من نسّأ النسيء، فقال ابن عباس: بنو مالك بن كنانة، وكان يليه أبو ثمامة وجنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يقوم علي جمل بالموسم فينادي: إن الهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلّوه، ثم ينادى في قابل «١»: إنّ الهتكم قد حرّمت عليكم المحرم فحرّموه.
وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بنى كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة.
وقيل: أول من فعل ذلك عمرو بن لحىّ، وهو أوّل من سيّب السوائب، وقال فيه النبى ﷺ: «رأيت عمرو بن لحىّ يجر قصبه (أى أمعاءه) فى النار»»
] .
«أما بعد؛ أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهنّ عليكم حقا؛ عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، وعليهن ألايأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فإنّ الله قد أذن لكم أن تعضلوهنّ وتهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهن وكسوتهنّ بالمعرف، واستوصوا بالنساء خيرا؛، فإنهن عندكم عوان «٣» لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي، فإني قد بلغّت قولى وتركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي، واعلموا أنّ كل مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لا مرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه إياه عن طيب نفس، فلا تظلموا أنفسكم ألا هل بلّغت؟.» .
_________________
(١) قابل: أي العام التالي.
(٢) رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من أصحاب الصحاح.
(٣) عوان: أي أسيرات عندكم.
[ ٣٩٩ ]
فذكر أنهم قالوا: «اللهم نعم»، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهد» «١» .
* وفي حجة الوداع نزلت عليه في يوم الجمعة بعد العصر في يوم عرفة وهو ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (يعنى الفرائض والسنن والحدود والأحكام) وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣] فلم ينزل بعد هذه الاية شيء: لا حلال ولا حرام، ولا شئ من الفرائض والسنن والحدود والأحكام.
وقيل: إكمال الدين بهذه الاية: أنه لا يزول، ولا ينسخ، وأن شريعتهم باقية إلى يوم القيامة، ومعنى إتمام النعمة: يعنى إكمال الدين والشريعة؛ لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. وعن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، قال: يا أمير المؤمنين، اية في كتاب الله تقرؤنها لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فأى اية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فقال عمر: «إنى لأعلم اليوم الذى نزلت فيه، والمكان الذى نزلت على رسول الله ﷺ فيه؛ نزلت بعرفات يوم الجمعة» «٢» أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا. وعن ابن عباس: أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا وعنده يهودي، فقال: لو نزلت هذه الاية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصاري، وعيد المجوس، ولم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده.
وروى أنه لما نزلت هذه الاية بكى عمر، فقال النبى ﷺ: ما يبكيك يا عمر؟
فقال: أبكانى أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: «صدقت» «٣»، فكانت هذه الاية نعت رسول الله ﷺ، وعاش بعدها أحدا وثمانين يوما «٤» .
_________________
(١) أى اشهد أنى بلّغت الرسالة.
(٢) رواه البخاري، ومسلم والترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، وابن مردويه.
(٣) رواهما ابن جرير الطبري.
(٤) رواهما ابن جرير الطبري.
[ ٤٠٠ ]
ولما رجع ﷺ من حجته إلى المدينة أقام بقباء ذا الحجة تمام سنة عشر من الهجرة، ثم دخلت سنة إحدى عشر، فأقام بها أيضا المحرّم وصفر، وفي يوم الأربعاء اخر صفر بدأ بالنبى ﷺ وجعه، فحمّ وصدع، وأشار فيه إشارة ظاهرة بخلافة أبى بكر، بثنائه عليه على المنبر، لمّا فهم دون بقية الصحابة قوله في خطبته: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، أنه ﷺ يعنى نفسه، فبكى وقال: فديناك يا رسول الله بابائنا وأمهاتنا فقابله ﷺ بقوله: «إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» ثم قال: لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدّت، إلا خوخة أبى بكر «١» . زاد مسلم: «إن ذلك كان قبل موته بخمس ليال» ثم أكّد أمر الخلافة بأمره صريحا أن يصلّى بالناس «٢» .
ولم يحج ﷺ بعد أن فرض الحج إلا حجة الوداع، وكانت وقفته فيها الجمعة، وحجّ معه ألوف، حتى حج معه من لم يره قبلها ولا بعدها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وأما بعد النبوة وقبل الهجرة، فحج ثلاث حجات، وقيل حجتين، وقيل كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، واعتمر بعد أن هاجر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، ويقال لها عمرة القضاء، وعمرة القصاص، وعمرة الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين في إثر وقعة حنين، وعمرة مع حجته ولم يعدّ مالك بن أنس في الموطأ الرابعة عمرة، وقال: إنما اعتمر ثلاثا فقط؛ لأنه إنما
_________________
(١) رواه مسلم والترمذي.
(٢) فى مسند الإمام أحمد عن الإمام على كرم الله وجهه قال: «يا رسول الله من نؤمّر بعدك؟ قال: إن تؤمّروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمّروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا- وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الطريق المستقيم» . وروى مسلم والإمام أحمد أنه قال أيضا: «ادعى أباك وأخاك حتّى أكتب كتابا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولي، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وهى تولية صريحة. والحديث صحيح.
[ ٤٠١ ]
حجّ حجة الوداع مفردا بالحج دون العمرة، وتابعه على مقالته هذه بعضهم، وهو أحد قولي الإمام الشافعى ﵁.
وفي هذه السنة أسلم جرير بن عبد الله البجلي.
ونزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح بمنى يوم النحر في حجة الوداع، والمعنى: إذا جاء نصر الله نبيّه ﷺ على أعدائه، والفتح فتح مكة، وقيل: نزلت قبل موته ﷺ بثلاثة أيام. وكان ﷺ بعد نزول هذه السورة يكثر من قول «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وعلم بها أنه قرب أجله، قال أبو هريرة ﵁: لما نزلت قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر جاء نصر الله والفتح» .
وعن جابر ﵁: أنه كان ذات يوم يبكى بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخل الناس في دين الله أفواجا، والمراد بالناس أهل اليمن.
* وفي هذه السنة مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ.
[ ٤٠٢ ]