وفيها اخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون، وقيل مائة، فاتخذ ﷺ عليّا أخا له «١» واخى بين أبى بكر وخارجة بن زيد الأنصاري، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ الأنصاري، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الأنصاري، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت الأنصاري، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك الأنصاري، وبين سعيد بن زيد وأبيّ بن كعب الأنصاري.
وأوّل مولود للمهاجرين بعد الهجرة عبد الله بن الزبير، وأوّل مولود للأنصار النعمان بن بشير رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
وكان المقصود من المؤاخاة أن يكون بعضهم معظما لبعض، مهتما بشأنه، مخصوصا بمعاونته ومناصرته ومواساته، حتى يكونوا يدا واحدة علي الأعداء بالنسبة للهيئة الاجتماعية، وأن يكون حبّ كلّ أحد لأخيه جاريا مجرى حبه لنفسه، حتى قال بعضهم: إن هذه المؤاخاة كان فيها حكم التوارث، وإنهم كانوا كذلك إلي أن نزل بعد غزوة بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [اخر سورة الأنفال] . وقبل الهجرة اخى ﷺ بين المهاجرين بلا توارث. فالمؤاخاة وقعت مرتين.
* وفي هذه السنة الأولى من الهجرة كانت غزوة الأبواء، وهي أوّل غزواته ﵊، ثم غزوة بواط، ثم غزوة العشيرة، موضع بناحية ينبع، وكانت بعد بواط بأيام قلائل، وقيل: إن هذه الغزوات كانت في السنة الثانية.
_________________
(١) قال له رسول الله ﷺ: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» رواه الترمذى والحاكم عن عبد الله بن عمر.
[ ٢١١ ]
وغزوة الأبواء تسمي غزوة ودّان، بفتح الواو وتشديد الدال المهملة اخره نون «١»، وذلك أنه ﷺ خرج غازيا حتي بلغ «ودّان» وهي قرية كبيرة بينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال، و«الأبواء» قرية بين مكة والمدينة، وكان خروجه ﷺ بالمهاجرين يتعرض عير قريش، ويريد بني ضمرة، وكان عدد من معه سبعين رجلا من أصحابه، وفي هذه الغزوة صالح بنى ضمرة، فعقد الصلح مع سيدهم حينئذ، وهو مجدى بن عمرو الجهني، علي ألايغزوهم ولا يغزونه، ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عليه عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم:
«هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة بأنهم امنون علي أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة علي من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله ما بلّ بحر صوفة (أى ما بقى فيه ما يبل الصوفة)، وأن النبى ﷺ إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله (أي أمانهما)» انتهي.
وكان لواؤه أبيض مكتوبا عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وكان اللواء مع عمه حمزة، واستعمل علي المدينة سعد بن عبادة، وانصرف إلي المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.
هذا ما قاله بعض أهل السير.
والصحيح: أنها كانت في الثانى عشر من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة.
* وأما غزوة بواط «٢» (بضم المواحدة وفتحها وتخفيف الواو اخرها طاء مهملة) فالصحيح أيضا أنها كانت في شهر ربيع الأوّل، وقيل في ربيع الاخر من السنة الثانية. وبواط جبل بالينبع. وسبب هذه الغزوة أن النبى ﷺ بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة بعير، ومائة رجل من قريش، معهم أمية بن خلف، ذاهبة إلى مكة، فخرج ﷺ لاعتراضها في مائتين من أصحابه، وحمل
_________________
(١) قرية جامعة في نواحى الفرع، وبينها وبين هرشى ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريب من الجحفة. وهرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة: تري من البحر.
(٢) بواط: جبل من جبال جهينة بناحية رضوي، به غزوة للنبى ﷺ.
[ ٢١٢ ]
اللواء- وهو العلم الذى يحمل في الحرب، يعرف به موضع أمير الجيش، وكان أبيض- سعد بن أبي وقاص واستعمل علي المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وقيل سعد بن معاذ، فانتهى إلى بواط فلم يلق كيدا أى حربا، فرجع إلى المدينة بدون حرب.
* وأما غزوة العشيرة- بالعين المهملة والشين المعجمة وبالمهملة أيضا، على صيغة التصغير، موطن ببطن الينبع (وهو منزل الحاجّ المصري) - لبنى مدلج، فكانت علي الصحيح في جمادى الأولى سنة اثنين، لقصد إدراك عير قريش المتوجّهة إلي الشام، وذلك أن قريشا جمعت أموالها في تلك العير، ولم يبق بمكة قرشى ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك العير، إلا حويطب بن عبد العزي. ويقال: إن في تلك العير خمسين ألف دينار، وألف بعير، وكان قائدها أبا سفيان، وكان معه سبعة وعشرون رجلا، وقيل: تسعة وثلاثون رجلا منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وهي العير التي خرج إليها رسول الله ﷺ حين رجعت من الشام، وكانت سببا لوقعة بدر الكبري، خرج ﷺ في مائتين من المهاجرين خاصة، حتي بلغ العشيرة- بالتصغير- (وأما التى بغير تصغير العشيرة فهي غزوة تبوك) واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل اللواء عمّه حمزة بن عبد المطلب؛ وكان اللواء أبيض، خرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها «١»، فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بأيام، ورجع ولم يلق حربا، ووادع ﷺ فيها بنى مدلج، وكنّي فيها عليّا بأبى تراب حين وجده نائما هو وعمار بن ياسر وقد علق به التراب الذي سفّته عليه الريح، فأيقظه ﵊ برجله، وقال له: «قم أبا تراب» فلما قام قال له: «ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين: عاقر الناقة، والذى يضربك علي هذا» ووضع يده علي قرن رأسه «فيخضب هذه» ووضع يده على لحيته.
وفي السنة الأولى من الهجرة وادع ﷺ يهود، وعاهداهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم.
_________________
(١) أي يركبونها واحدا بعد الاخر، وفي الأصل «يتعقبونها» .
[ ٢١٣ ]