وأنزل الله القران كله إلى السماء الدنيا جملة، ثم فرّقه في ثلاث وعشرين سنة مدة الوحى، بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، فكان جبريل ينزل بالسورة أو الاية لأمر يحدث، ويخبر النبى ﷺ بموضعها من القران، وعلى هذا الترتيب كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التى توفى فيها مرتين. وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو الذى وقع عليه ترتيب المصحف العثماني، وأمّا ما وقع في غيره من مصاحف بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب من الترتيب والقراات، وزيادة بعض السور مما هو مخالف للمصحف العثماني، فقد وقع ذلك أوّلا بتوقيف، ثم نسخ ذلك بما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة وكتب في المصحف العثماني، ولم يبلّغ النسخ من ذكر من الصحابة، ولا ما استقرّ عليه الأمر، فأبقوا مصاحفهم على ما كان عندهم.
فإن قيل: نزوله جملة إلى السماء هل كان قبل نبوته ﷺ أو بعدها؟ أجيب بأنه جوّز أبو شامة الأمرين، واستظهر هو الأوّل، والجلال السيوطى الثانى، قال:
والاثار صريح سياقها فيه، وربما فهم من كلام بعض المتأخرين اختيار المعية، فإن قيل: فما السر في نزوله منجّما؟ وهلّا نزل كسائر الكتب جملة؟ أجيب: هذا سؤال تولّى الله جوابه، فقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله كَذلِكَ أي أنزلناه مفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: ٣٢] أى لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كل أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من
[ ٤٤٢ ]
الرسالة من ذلك الجناب الرفيع العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل ﵇، وقيل: معنى «لنثبت به فؤادك» لنحفظه، ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه.
وقد اختلف: هل في القراءة شيء أفضل من شيء؟ فقيل: لا، وعليه الأشعرى والقاضى وأبو بكر الباقلانى؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلامه تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقيل: نعم، لظواهر الأخبار، كخبر: «ألا أعلّمك بأعظم سورة في القران؟» «١»، وخبر «إنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القران» «٢» والتفضيل يرجع إلى عظم الأجر والثواب، وإلى اللفظ لا إلى الصفة؛ لأن ما تضمنته نحو اية الكرسى وسورة الإخلاص ليس موجودا في نحو تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ والتحقيق: أنه لا خلاف في المعنى، بل الأوّل محمول علي ذات القران وحقيقته، والثانى على غيرها كما علمت، قاله شيخ الإسلام.
وسميت السورة سورة لقطعها من السورة الاخرى، إذ السور: القطع، فلما قرن بعض السور ببعض سمّي المجموع قرانا، كما يسمّى بعضه قرانا لذلك أيضا، قاله شيخ الإسلام في شرحه على البخارى.
وقد روى أنّ الله تعالى أنزل القران دفعة إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، فحفظته الحفظة، وكتبته الكتبة، ثم نزل منها بلسان جبريل إلى النبى ﷺ شيئا فشيئا بحسب المصالح.
فإن قيل: ما قدر المنزّل؟ أجيب بأنه كان على حسب المصالح قلة وكثرة، فربما نزل العشر من الايات، كما صح في قصة الإفك، وأوّل سورة المؤمنين، ونزول الخمس منها، ونزول بعض اية كما صحّ في نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣» واحدها، وهى بعض اية.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائى وابن ماجه، ومالك في موطئه، وهو حديث فيه طول: بخصوص سورة الفاتحة، وانظر ابن كثير في التفسير.
(٢) رواه الإمام أحمد، والنسائى في اليوم والليلة، وغيرهما من الرواة كثير.
(٣) النساء: من الاية ٩٥.
[ ٤٤٣ ]
وكان جبريل يخبر النبى ﷺ بموضعها من القران. فالقران في اللوح المحفوظ على النحو الذى في مصاحفنا الان.
فإن قيل، فما معنى الإنزال؟ أجيب أن لهم فيه اختلافا، فمنهم من قال: إنه عبارة عن إظهار القراءة، ومنهم من قال: إن الله ألهم كلامه جبريل وهو في السماء، وعلّمه قراءته، ثم أدّاه جبريل في الأرض.
فإن قيل: فما كيفية التأدية؟ أجيب بأنهم ذكروا فيها طريقتين:
إحداهما: أن النبى ﷺ انخلع من صورة البشرية إلي صورة الملكية، وأخذه من جبريل.
وثانيتهما: أن الملك انخلع إلي البشرية حتّى يأخذه الرسول منه، والأوّل أصعب الحالين.
والمراد بالانخلاع الظهور بتلك الصورة، لا مفارقة الطبع بالمرة كما هو ظاهر، فإن قيل: فما كيفية تلقّى جبريل له؟ أجيب بما قاله الطيبي: لعله تلقّفه من الله تلقّفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلي الرسول ويلقيه عليه، وفسر بعض المحققين التلقف الروحانى بالإلهام.
فإن قيل: فما النازل علي النبى ﷺ؟ أجيب بأن فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القران من اللوح المحفوظ، ونزل به.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة، وأنه ﷺ علّم تلك المعانى وعبّر عنها بلغة العرب، وتمسك قائله بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ «١» .
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرؤنه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك.
_________________
(١) (الشعراء: ١٩٢، ١٩٣) .
[ ٤٤٤ ]
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، أنه لم ينزل وحى إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبى لقومه، بدليل قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم: ٤] . والمراد بقومه أهل بلده، أى حيّه الذى هو قريش: فهم قومه، وهم غير أهل دعوته «١»؛ إذ دعوته عامة لجميع الناس، بدليل قوله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] .
وقال بعضهم:
كتاب الله أفضل كلّ قيل رواه المصطفى عن جبرئيل
عن اللوح المحيط بكل شيء عن القلم الرفيع عن الجليل
وقد اختلف العلماء في ترتيب السور: هل هو توقيفى من النبى ﷺ؟ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الايات توقيفي، والقطع بذلك.
فذهب جماعة من العلماء إلى أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، منهم الإمام مالك، والقاضى أبو بكر، في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس، وبما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور «٢» .
وذهب جماعة اخرون إلى أنه توقيفى، منهم القاضى أبو بكر في أحد قوليه، وخلائق، قال بعضهم: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، علي هذا الترتيب.
وقد أثبت الصوفية عالم المثال، وجعلوه عالما متوسطا بين عالم الأجساد والأرواح، وقالوا هو ألطف من عالم الأجسام، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا
_________________
(١) يعني: وغير عشيرته كذلك هو مرسل إليهم، لأنه ﷺ مرسل للخلق كافة، وأما غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلم يرسل أحدهم إلا إلى قومه وعشيرته وأهل بلده خاصة.
(٢) قال ابن كثير في فضائل القران: «وقد حكى القرطبيّ عن أبى بكر بن الأنبارى في كتاب (الرد) أنه قال: «فمن أخّر سورة مقدّمة أو قدّم أخرى مؤخّرة كمن أفسد نظم الايات وغيّر الحروف والايات، وكان مستنده اتباع مصحف عثمان ﵁؛ فإنه مرتب علي هذه النحو المشهور» . أهـ. والحقّ أن هذا هو الذي لا يحلّ غيره؛ لأن الصحابة أجمعوا علي شيء أخذوه عن رسول الله ﷺ، فأصبح ملزما بالاتباع.
[ ٤٤٥ ]
علي ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم من المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا
(١٧) [مريم: ١٧] . فتكون الروح الواحدة كروح جبريل في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأعلي، وهذا الشبح المثالى الذى تمثل لمريم. وينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة، أنه سأله بعض الأكابر عن جسم جبريل ﵇، فقال: أين كان يذهب بجسمه الأوّل الذى سد الأفق بأجنحته كما تراءى للنبى ﷺ في صورته الأصلية عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:
كان يندمج بعضه في بعض، إلي أن يصغر حجمه، فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، على قاعدة جواز التخلخل والتكاثف في الأجسام. وما ذكره الصوفية أحسن، وهو أن يكون جسمه الأوّل بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله تعالى له شبحا اخر، وروحه تتصرف فيهما جميعا إلى وقت واحد، قال الصوفية: وعلى هذا الأصل تتخرج مسائل كثيرة، وتنحلّ بها إشكالات غير يسيرة.
ومن أمهات معجزاته ﵊: انشقاق القمر، وقد أجمع المفسرون وأهل السنة علي وقوعه لأجله ﷺ؛ فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدّقوه طلبوا منه اية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى هذه الاية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على ايجادها، دلالة علي صدقه ﵊ في دعواه الواحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الالهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضرّ، وأنّ العبادة لا تكون إلا لله واحده لا شريك له.
قال ابن عبد البر: «قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير، إلى أن انتهى إلينا وتأيّد بالاية الكريمة» أ. هـ.
وفي الترمذى من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١]، قال: قد كان ذلك علي عهد رسول الله ﷺ؛ انشق فلقتين، فلقة دون الجبل وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: اشهدوا.
[ ٤٤٦ ]
ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشق مرتين بالإجماع.
قال الحافظ ابن حجر: «وأظن قوله «بالإجماع» متعلق بانشق لا بمرتين؛ فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ» أ. هـ.
وما أحقّه ﷺ بقول أبى الطيب:
متى ما يشر نحو السماء بطرفه تخرّ له الشّعري، وينكسف البدر
* وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتّى قام على رؤسهم، فقبض قبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من تلك الحصباء شئ إلا قتل يوم بدر.
ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.
ونسج العنكبوت، وتعشيش الحمامتين الوحشيتين عليه في الغار، ونبات الشجر هناك تجاهه سترا له وحفظا من الكفار.
ونصره بريح الصبا «الشرقية»، وبالرعب للعدو يسير بين يديه مسيرة شهر، وتأييده بالملائكة، وعصمته في السر والجهر. وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه في الهجرة فساخت قوائم فرسه في الأرض الجلمد. ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت، وشاة أم معبد، ودعوته لعمر بن الخطاب أن يعزّ الله به الإسلام، ودعوته لعليّ ﵁ أن يذهب عنه الحرّ والبرد، وتفله في عينيه وهو أرمد فعوفى من ساعته ولم يرمد بعد ذلك.
وردّه عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.
ودعاؤه لعبد الله بن عباس ﵄ بالتأويل والتفقه في الدين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه.
ودعاؤه لجمل جابر فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا.
ودعاؤه لأنس «١» بن مالك ﵁ بطول العمر وكثرة المال والولد
_________________
(١) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الصحابي خادم رسول الله ﷺ: دعا له رسول الله ﷺ: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له في ما اتيته» توفي سنة ٩٣ هـ من (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية) .
[ ٤٤٧ ]
فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين.
ودعاؤه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر وسقا.
ومن معجزاته نزول الغيث المغيث باستسقائه ﵊، مرة للمشركين بمكة، ومرة للمسلمين بالمدينة يستمر فيها أسبوعا.
وإذا النوائب أظلمات أحداثها لبست بوجهك أحسن الإشراق
ودعاؤه علي عتبة بن أبى لهب بقوله: «اللهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد بالزرقاء من الشام.
وشهادة الشجر له بالرسالة في خبر الأعرابى الذى دعاه إلي الإسلام فقال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ فقال: نعم، هذه الشجرة، ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلي منبتها.
وأمر إنسانا أن ينطلق إلي نخلات فيقول لهن: «أمركنّ رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن»، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن فعدن «١» .
وقوله: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «٢» .
وحنين الجذع لمّا فارقه للمنبر حتّى سمع منه صوت كصوت الإبل، فضمّه إليه فسكن، فقال ﵊: «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» .
وكان الحسن البصرى ﵁ إذا حدّث بهذا الحديث بكى وقال: «يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» أ. هـ.
_________________
(١) وذلك لستره ﷺ أثناء قضاء حاجته، ومثل هذه الأشياء معروفة لا ينكرها إلا منكوس القلب.
(٢) رواه مسلم، والإمام أحمد، والترمذي.
[ ٤٤٨ ]
وتسبيح الحصى في كفه: قال أنس بن مالك ﵁: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأخذ سبع حصيات (كما في رواية أبى ذر)، حتى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في يد أبى بكر فسبّحن، ثم في يد عمر فسبّحن، ثم في يد عثمان فسبّحن، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحان. وكذلك الطعام بحضرته. وإعلام الشاة له بسمّها، وشكوى البعير إليه كثرة العمل وقلة العلف، وسؤال الظبية له أن يخلّصها من الحبل لترضع ولديها وتعود، فخلّصها. وليس من المعجزات «١» أن الثعبان كلّمه.
وأخبر ﷺ عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.
وإخباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كذلك.
وقال لعثمان ﵁: «تصيبه بلوى شديدة» فكانت، وقتل.
وقوله للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة» (أى تعبا وشدة) فكانت زمن معاوية، وقوله في الحسن ﵁: «إن ابنى هذا سيد، وإنّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فكان في زمن معاوية. وإخباره بقتل العنسى الكذّاب، وهو بصنعاء ليلة قتله وبمن قتله.
وقال لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» فقتل يوم اليمامة.
وارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين فبلغه أنه مات، فقال: إنّ الأرض لا تقبله، فكان كذلك.
وقال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له: لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلي فيه بعد «٢» .
ودخل مكة عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهى تتساقط.
وقصة مازن بن الغضونة الطائى وسواد بن قارب؛ فإنهما تكلما في نبوته
_________________
(١) أى لم يثبت في الصحيح.
(٢) إنما دعى عليه النبى ﷺ، لأنه كان كذابا، وكان يستطيع، فمنعه الكبر.
[ ٤٤٩ ]
ﷺ، فخافاها، وأسلما. ومن نظم سواد بن قارب:
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب «١»
وشهادة الضب بنبوته.
وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق فشبعوا والطعام أكثر مما كان، وأطعمهم من تمر يسير، وجمع فضل الأزواد على نطع ودعا لها بالبركة ثم قسمها في العسكر، فقامت بهم.
وأتاه أبو هريرة بتمرات قد سفّهن في يده، وقال: ادع لى فيهن بالبركة، فدعا له، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نأكل منه ونطعم حتّى انقطع في زمن عثمان ﵁.
ودعاؤّه أهل الصفة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة ﵁: فجعلت أتطاول ليدعونى حتّى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله ﷺ فصار لقمة ووضعها علي أصابعه، وقال: كل بسم الله، فو الذى نفسى بيده ما زلت اكل منها حتّى شبعت أ. هـ.
وأهل الصفّة فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، ينامون في المسجد ويظلّون فيه، وصفّة المسجد (أى الموضع المظلّل منه) مثواهم، فنسبوا إليها، ويقال لهم:
ضيوف الإسلام، فكان ﷺ يعشّى معه بعضهم، ويفرّق بعضهم علي الصحابة يعشّونهم، ومن مشاهيرهم أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وأبو ذر ﵃.
ومن معجزاته أنه أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير «٢»، فزوّدهم كلهم منه، وبقى تحسبه كما كان.
_________________
(١) ولإسلام سواد بن قارب قصة جميلة فارجع إليها في المطولات من كتب السير.
(٢) يعنى كان مقدرا يسيرا.
[ ٤٥٠ ]
ونبع الماء من بين أصابعه الكريمة كأمثال العيون في الانسجام، حتى شرب القوم وتوضأوا وهم ألف وأربعمائة.
قال ابن العربى في «قبسه»: وذلك خصيصية له، لم تكن لأحد قبله.
وأتى بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم تسع، فوضع أربعة منها، وقال: «هلمّوا»، فتوضأوا أجمعين وهم من السبعين إلي الثمانين.
وورد في غزوة تبوك علي ماء لا يروى واحدا والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته فغرسه فيه، ففار الماء وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا.
وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم، فجاء في نفر من أصحابه حتي وقف على بئرهم، فتفل فيه، فتفجّر بالماء العذب.
وأتته امرأة بصبي لها أقرع، فمسح علي رأسه فاستوى شعره وذهب داؤه.
وانكسر سيف عكاشة يوم بدر فأعطاه جزلا من حطب، فصار في يده سيفا ولم يزل بعد ذلك عنده.
وعزّت كدية «١» بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيبا أهيل «٢» .
ومسح علي رجل أبى رافع وقد انكسرت فكأنه لم يشكها قط.
وقوله ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لي منها» «٣» .
قال الصلاح الصفدي: وقد صدّق الله قوله بأنّ ملك أمّته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال.
وقال لرجل يدّعى الإسلام وهو معه في القتال: «إنه من أهل النار» فصدّق الله قوله بأن ذلك الرجل نحر نفسه، وهذا لا يعرف ألبتة بشيء من النجوم ولا بالنظر في الكتب.
_________________
(١) صخرة.
(٢) مجتمع الرمل يتساقط باندفاع.
(٣) في حديث طويل رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود، والترمذى وابن ماجه.
[ ٤٥١ ]
وأبطل الله تعالى ببعثته الكهانة، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.
وأخبر بأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، فكان مع على﵁- وقتله جماعة معاوية.
وأنذر بموت النجاشي، وخرج هو وأصحابه إلي البقيع فصلّوا عليه، فورد الخبر بموته- بعد ذلك- في ذلك اليوم.
وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين، فقال: «أحدكم في النار ضرسه مثل أحد» فماتوا كلهم علي الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدجال الحنفي، فقتل مرتدّا مع مسيلمة الكذاب.
وقال لاخرين منهم: «اخركم موتا في النار» فسقط اخرهم موتا في نار، فمات، وهو سمرة بن جندب.
وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيّته منه.
وأخبر فاطمة ابنته ﵂ أنها أوّل أهله لحوقا به: فكان، وبأن أطول نسائه يدا أسرعهن لحوقا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية؛ لطول يدها بالصدقة.
وأخبر بمقتل الحسين ومصرعه وأهله، فكان كذلك.
وخطب أمامة بنت الحارث بن أبي عوف، وكان أبوها أعرابيا جافيا فقال: إنّ بها برصا، ولم يكن بها، فقال: «فلتكن كذلك»، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمها يزيد، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء.
وحكي «١» الحكم بن أبى العاص مشيته ﷺ، وكان النبي ﷺ يتكفّأ في مشيته، فالتفت يوما فراه «٢» وهو يتخلّج في مشيته، فقال: «كن كذلك»، فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذ إلى أن مات في خلافة عثمان. وقد ثبت أن النبى ﷺ نفاه
_________________
(١) أى حاكى وقلّد سخرية منه ﷺ.
(٢) بل كان ﵊ يري من خلفه كما يرى من أمامه كما هو ثابت في الحديث الصحيح.
[ ٤٥٢ ]
من المدينة إلي الطائف، فلذلك كان طريد رسول الله ﷺ وقد اختلف في السبب الموجب لنفى رسول الله ﷺ إياه، فقيل: كان يتسمّع سرّ رسول الله ﷺ ويطّلع عليه من باب بيته، وأنه الذى أراد النبى ﷺ أن يفقا عينه بمدري «١» في يده، لما اطّلع عليه من الباب. وقيل سببه: أنه كان يحكيه في مشيته وبعض حركاته.
وقد ذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في هجائه لمروان بن الحكم فقال:
إنّ اللعين أبوك فارم عظامه إن ترم ترم مخلّجا مجنونا
يمشي خميص البطن من عمل التّقي ويظلّ من عمل الخبيث بطينا
ومعنى قول عبد الرحمن: «إنّ اللعين» إلى اخره: ما روي عن عائشة ﵂ من طرق ذكرهاابن أبي خيثمة أنها قالت لمروان بن الحكم، حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبى بكر لما امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد، ما قال، والقصة مشهورة: «أما أنت يا مروان، فأشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه» «٢» .
وقد روى في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، ولا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبى ﷺ مع حلمه وإغضائه علي ما يكره ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم، ولم يزل منفيا حياة النبى ﷺ، فلما ولي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله ﷺ، وكذلك عمر، فلما ولى عثمان ﵁ الخلافة ردّه، وقال: «كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله ﷺ فوعدنى بردّه» «٣» . وتوفى في خلافة عثمان ﵁.
إلي غير ذلك مما لا يحصي، ويكفى أن منها «٤» كرامات الأولياء التى لا تستقصى «٥» .
وما يذكره بعض القصّاص من أن القمر دخل في جيب النبى ﷺ، وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن العماد بن كثير، وكذلك لم يخلق الورد من عرقه ولا من غيره كما يتخيله بعض العوام أنه من
_________________
(١) حديدة أو خشبة مدببة الطرف.
(٢) وبقية كلامها له: «فأنت فظاظة من لعنة الله» .
(٣) وهذه أيضا رد علي الذين يزعمون أن عثمان كان يوالى أقرباءه. ألا لعنة الله علي الكذبة.
(٤) أى من معجزاته ﷺ: كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله ﷺ؛ إذ لولاه ما كان وليّا.
(٥) أى من معجزاته ﷺ: كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله ﷺ؛ إذ لولاه ما كان وليّا.
[ ٤٥٣ ]
عرقه أو البراق أو جبريل، بل خلقه الله كسائر الأزهار، ولم يكن وطؤه ﷺ يؤثّر في الصخر دون الرمل، كما توارد عليه كثيرون «١»، بل كان كغيره من الناس، أي في عدم تأثير وطء قدميه الكريمتين في الحجر وتأثيرهما في الرمل.
وقال بعضهم معدّدا لاياته ﷺ:
ومن تلكم الايات وحي أتي به قريب الماتي مستجمّ العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع بليغا ولم يخطر علي قلب خاطب
حوي كلّ علم، فاحتوي كلّ حكمة وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن رواية «٢» مرتئي ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب
يواتيه طورا في استجابة سائل وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
وإثبات برهان وفرض شرائع وقصّ أحاديث ونص مارب
وتصريف أمثال وتثبيت حجّة وتعريف ذى جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغي وعند حدوث المعضلات الغرائب
يصدّق منه البعض بعضا كأنما يلاحظ معناه لغير المراقب
فيأتي علي ما شئت من طرقاته قويم المعاني مستدرّ الضرائب
وعجز الوري عن أن يجيبوا بمثل ما وصفناه معلوم بطول التجارب
وذكر الإمام فخر الدين أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقلّ، قال السبكي: إلا هذه الأمة؛ فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم. وقد ألّف العلماء الحفّاظ والثقات الأيقاظ في سيرته ومعجزاته كتبا كثيرة ومجلدات كبيرة، وما أتوا بعشر معشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله (وكان أكثر مما قيل ما تركوا) كما قال بعضهم:
لو أنّ بحرا مداد الكاتبين وما في الأرض من شجر أقلام مستطر
لم يحصروا بعض فضل المصطفى أبدا وكيف يحصر شئ غير منحصر
_________________
(١) كونه ﷺ إذا مشى في الصخر أثر، وإذا مشي علي الرمل لا يؤثر: اشتهر ذلك عن بعض العلماء، ولم يرد في الصحاح. والله أعلم.
(٢) فى الأصل المطبوع (رؤية) وبها ينكسر الوزن، وقد رأينا أن كلمة (رواية) تجبر كسر الوزن وتؤدى المعنى.
[ ٤٥٤ ]