وكان ﷺ ينقل اللّبن** معهم في ردائه حتّى اغبرّ صدره الشريف، وصار يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر
_________________
(١) وهو الحق الذى لا ريب فيه.
(٢) قال ﵊: «عريشا كعريش موسى، وخشيبات، والأمر أعجل من ذلك» (رواه المخلّص في فوائده، وابن النجار عن أبى الدرداء) . * الصواب: عضادتيه. ** أى الطوب اللبن.
[ ١٩٤ ]
أى هذا المحمول من الطين أبرّ وأطهر يا ربّنا، لا ما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب. وعمل فيه المسلمون. والمحرّم عليه ﷺ من الشعر إنما هو إنشاؤه:
(أى الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه) وهذا هو المعنىّ بقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [يس: ٦٩] فإن فرض وقوع الكلام موزونا منه ﷺ لا يكون ذلك شعرا متعارفا؛ لعدم قصد وزنه، فليس من الممنوع منه، والغالب عليه ﷺ أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله، لا يأتى به موزونا.
وعن عائشة ﵂ لمّا قيل لها: هل كان رسول الله ﷺ يأتى بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه كان يتمثّل ويجعل أوّله اخره، واخره أوّله، أى غالبا، كأن يقول: * ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار* ويقول: * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا*
أى وذلك قول سحيم عبد بنى الحسحاس، شاعر مشهور مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام:
* كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا*
ولما غيّر ذلك رسول الله ﷺ قال له الصدّيق ﵁: إنما قال الشاعر كذا، فأعاد ﷺ كالأوّل، فقال الصدّيق: أشهد أنّك رسول الله (وما علّمناه الشعر) .
وقد قيل له ﷺ: من أشعر الناس؟ قال: الذى يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطّيّب طيبا
الأصل: [وجدت بها طيبا وإن لم تطّيّب] وعن الخليل: كان الشعر أحبّ إليه ﷺ من كثير من الكلام، وهذا لا يخالف قول عائشة ﵂: «كان أبغض الحديث إليه ﷺ الشعر»، لأن المراد بالشعر الذى يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق، والذى يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو، ونحو ذلك، ومن ثم قيل: «الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح» .
وقد كان له ﷺ شعراء مثل: عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن
[ ١٩٥ ]
ثابت، وفي الجامع الصغير: «الشعر بمنزلة الكلام؛ فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» .
وقد كان ﷺ يسمع الشعر ويستنشده، فقد ذكر بعضهم أنه ﷺ كان يستنشد الخنساء (أخت صخر لأمه)، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: «هيه يا خناس»، ويوميء بيده. وكذلك سمع الشعر من النابغة الجعدى حين دخل عليه، وأنشده:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل «١» إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد القوم أصدرا «٢»
فقال له النبى ﷺ: «لا فضّ الله فاك» .
وسماعه ﷺ قصيدة كعب بن زهير، وإجازته عليه بالبردة الشريفة أدلّ دليل على عدم كراهته للشعر المباح.
وقال بعضهم: أجمع أهل العلم بأنه لم تكن امرأة قبل الخنساء ولا بعدها أشعر منها، ومن شعرها في أخيها المذكور:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر النّدي
طويل النجاد عظيم الرّماد وساد عشيرته أمردا
وللجلال السيوطى كتاب سمّاه: «نزهة الجلساء في أشعار الخنساء» .
وقال ابن عباس ﵄: «إذا خفى عليكم شيء من غريب القران فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب»، وفي كلام عمر ﵁:
«أفضل صناعات الرجل نعم الأبيات من الشعر يقدّمها في صدر حاجته، فيستعطف بها قلب الكريم، ويستميل بها لؤم اللئيم» .
_________________
(١) غضب.
(٢) أورد: أحضر إبله إلى الماء ليسقيه. أصدر: انصرف عن الماء بعد أن سقى إبله.
[ ١٩٦ ]
وفي كتاب «تحقيق النصرة» للزين المراغي: قيل: وضع ﷺ رداءه وهو في يثرب، فوضع الناس أرديتهم وهم يقولون:
لئن قعدنا والنبيّ يعمل ذاك إذن للعمل المضلّل
واخرون يقولون:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا
* ومن يرى عن التراب حائدا*
ويروى عن عثمان بن مظعون ﵁ أنه كان رجلا متنظفا- أى مترفّها- فكان إذا حمل اللبنة يجافى بها عن ثوبه لئلا يصيبه التراب، فإن أصابه شيء من التراب، نفضه، فنظر إليه علي بن أبى طالب ﵁، وأنشد يقول: - أي مباسطة مع عثمان بن مظعون، لا طعنا فيه-:
* لا يستوى من يعمر المساجدا* يدأب فيها إلخ*
وكان عثمان هذا ممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: «لا أشرب شرابا يذهب عقلى ويضحك بى من هو أدنى منّي» .
وجعل ﷺ قبلة المسجد لبيت المقدس إلى أن حوّلت في السنة الثانية، وجعل طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعل له أربعة أبواب من جهتي المشرق والمغرب؛ فمن جهة المشرق باب جبريل، وباب النساء، ومن جهة المغرب باب السلام وباب الرحمة، وبنى بيتين إلى جنبه باللبن، وسقفهما بجذوع النخل والجريد.
ثم تحوّل ﵊ من دار أبى أيوب إلى مساكنه التى بناها.