ولما قرأ ﷺ سورة «والنجم» (وكان يرتل قراءته) فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٣٠) [سورة النجم ١٩: ٢٠] ارتصده الشيطان فى سكتة من سكتاته، فألقى عندها: [تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنّها من قول النبى ﷺ، وأشاعها، فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، وذلت منها ألسنتهم وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ رسول الله ﷺ اخر سورة النجم «١» سجد وسجد معه كل مشرك غير الوليد بن المغيرة، كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ملأ كفه ترابا سجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما في السجود بسجود النبى ﷺ، وعجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، كما قاله موسى بن عقبة، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله
_________________
(١) * انظر فتح البارى باب إسلام عمر: ح ٣٨٦٤ ص ٢٢٤ ج ٧٢. وفي سيرة ابن هشام خبر قريب مع اختلاف القصة وهو أن قتالا وقع بين عمر وقريش في الكعبة فتكاثروا عليه، فأجاره خاله العاص بن وائل (وانظرها في سيرة ابن هشام) (إسلام عمر بن الخطاب) .
(٢) الاية ٦٢ قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.
[ ١١٣ ]
وأصحابه، وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتّى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، ثم بعد مكثهم هناك دون ثلاثة أشهر رجع كثير منهم عند ما بلغهم عن المشركين بسجودهم مع رسول الله ﷺ عند قراءته سورة «والنجم»، وظنوا إسلامهم.
ولما بلغ رسول الله ﷺ تلك الكلمة التى فشت في الناس ساءه ذلك؛ فأنزل الله ﷿: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] (أى قراءته) كما قال الفراء. ويؤيده ما رواه ابن جرير:
«وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته، بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى ﷺ» . وعلّقه البخارى في صحيحه عن ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه «١» فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج:
٥٢] وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر، حَكِيمٌ فى تمكينه منه، يفعل ما يشاء» .
ويؤيد ذلك ما سبق في الفصل الأوّل من هذا الباب من أن كفار قريش لما كانوا يطوفون بالكعبة كانوا يقولون: «واللات والعزّى ومناة الثالثة الاخري، فإنهن غرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي»، فكانت هذه العبارة مركوزة في أذهانهم، هاجسة في خواطرهم، يخيّل لهم سماعها، وأن الشيطان نطق بها عند انقطاع نفس النبى ﷺ في التلاوة، فحاكى بها صوته.
واللّات والعزّى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها، وقيل غير ذلك. والغرانيق هى في الأصل: الذكور من طير الماء الأبيض الطويل العنق، وقيل أسود كالكركي، وقيل: إنه الكركي، ويتجوّز به عن الشاب الناعم، والمراد بها الأصنام، حيث كانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله وتشفع لم، فشبّهت بالطيور التى تعلو في السماء وترتفع.
والفرق بين الصنم والوثن أن الصنم الصورة بلا جثة، والوثن كل ما له جثة
_________________
(١) نص ما قاله البخارى كاملا: «وقال ابن عباس: فِي أُمْنِيَّتِهِ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان، ويحكم آياته» . اه.
[ ١١٤ ]
معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الادمي، تعمل وتنصب وتعبد، ومنهم من لم يفرّق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة.
وقد اختلف المفسرون في المراد بالنجم على أقوال: أحدها: أنه الجملة من القران إذا نزلت، وكلما نزل منه شيء في وقت فهو نجم. ثانيها: أنه عنى بالنجم الثّريّا «١»، والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، فلا يذكرونه في الإطلاق إلا لها، قائلهم:
طلع النّجم عشيا ابتغي الراعى كسيا
وقال أيضا:
طلع النجم غديّه ابتغي الراعى شكيّه
يعنى الثريا، وهى تطلع العشا في الثلث الأخير من فصل الخريف، قبل الشتاء بشهر، وذلك مباديء قوة البرد، لأن اخر كلّ فصل شبيه بالذى بعده، فلهذا طلب الراعى الكساء، وتطلع بالغداة في الصيف وقت أوان اللبن، فلهذا طلب الشّكية: تصغير شكوة، وهى جلد الرضيع يتخذ للبن، أصغر من الوطب، الذى هو جلد الجذع.
وفي الحديث: «ما طلع النجم قطّ وفي الأرض من العاهة شيء إلا ارتفع» رواه الإمام أحمد.
قال ابن دريد: الثريّا سبعة أنجم؛ ستة أنجم منها ظاهرة، وواحد خفيّ، يمتحن الناس به أبصارهم.
وعلى قول ابن دريد قول الشاعر:
خليليّ إنّى للثريّا لحاسد وإنّي على ريب الزمان لواجد
أيبقي جميعا شملها «٢» وهى سبعة وأفقد من أحببته، وهو واحد
وذكر القاضى عياض في «الشفاء» أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.
_________________
(١) الثريا: مجموعة من النجوم في صورة الثور، وكلمة النجم علم عليها.
(٢) السمل: القذيم.
[ ١١٥ ]
وذكر السهيلي: أنه ﷺ كان يرى فيها اثنى عشر نجما، والقول بأن المراد بالنجم الثريا قاله ابن عباس ومجاهد في رواية عنهما، واختاره ابن جرير والزمخشري، وقال السمين: إنه الصحيح. اهـ.
وهى أشبه شيء بعنقود العنب. ومن شعر سيدى عبد العزيز الديرينى ﵀:
وصغّرت ثرية لكثره والخصب في طلوعها واليسره
وقال ابن قتيبه في كتاب «الأنواء»: جاءت، أى الثريا، مصغرة لاجتماعها ولم يتكلم بها إلا كذلك، وأصلها من الثروة، وهى كثرة العدد، وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خلالها نجوم كثيرة خفية، ويسمونها نجما وأنواء.
ومع ما قيل في هذه الاية وهى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «١» [الحج: ٥٢] وأنه حين قرأ سورة «النجم»
_________________
(١) كل الذى جرى في هذا الموضوع خبط وهوس من وضع الوضّاعين أصحاب المذاهب الهدّامة، وقع فيه كثير من الناس- رزقنا الله العافية من البلاء. وقد ذكر البغوى ﵀ في تفسيره أجوبة منها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا عن رسول الرحمن ﷺ. وقال القاضى عياض ﵀: «اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: فى توهين أصله. والثاني: على تسليمه. أما المأخذ الأوّل: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرّجه أحد من الصحاح، ولا روى بسند سليم متصل ثقة، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وقال أبو بكر البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبى ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره» . (انظر القرطبى ص ٨٢ ج ١٢ طبع دار الكتب) . ثم قال القرطبى ﵀: الثالث: «الأحاديث المروية في نزول هذه الاية: ليس منها شيء يصح» .. إلى أن قال: قال النحاس: «وهذا الحديث منقطع، وفيه الأمر العظيم» . ا. هـ. -.
[ ١١٦ ]
وبلغ فيها وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها [تلك الغرانيق العلي، وإن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته إلى اخره، فقد ردّ بعضهم هذا كله وقال: إنه موضوع وضعه الزنادقة، ولا أصل له؛ لأن الشيطان لا يلقى على الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شيئا؛ حيث هم معصومون. وحلّ هذه المسألة يفهم مما كتبه البيضاوى والشهاب الخفاجى والشيخ زاده في هذا المحل، يعنى قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ؛ فإنه يفهم من كلام البيضاوى أنه هيأ في نفسه ما يهواه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أى في تشهّيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما قال ﵊: «إنه ليغانّ على قلبى فأستغفر الله سبعين مرة» «١» قال الشهاب: حديث صحيح، والغين قريب من الغيم لفظا، والمعنى أنه يعرض لقلبى أن يغشاه بعض أمور من أمور الدنيا والخواطر البشرية مما يلزم للتبليغ، لكنها لإشغالها عن ذكر الله يعدّها كذنوب، فيفزع إلى الاستغفار منها، و(سبعين) للتكثير لا للتخصيص.
(انتهى كلام الشهاب) .
_________________
(١) - والذى يميل إليه القلب ويسكن من الفزع هو: أنّ أيّ نبيّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما يتمنى أن يؤمن قومه جميعا، فيلقى الشيطان في هذه الأمنية ويدعثر قوما من قومه، ويلقى في أدمغتهم وقلوبهم الخبال، ويشنون على النبى الحرب حتّى لا يؤمن قومه. ولو أن الشيطان تمكن من أن يلقى على لسان نبى من الأنبياء لضاعت رسالته من أولها إلى اخرها، ويكفى شاهدا ودليلا وضاحا قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] . والأنبياء أخص الخاصة من عباد الله تعالى.
(٢) أغان الغين السماء: ألبها. والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائى وأحمد عن الأغرّ المزنى ﵁ بلفظ: «إنه ليغان على قلبي، وإنى لأستغفر في اليوم مائة مرة» . ويروى أن الإمام أبا الحسن الشاذلى ﵁ رأى حضرة النبى ﷺ في المنام فسأله عن الحديث. فقال له: «غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك» . وقال الإمام العينى ﵀: وإنما كان يستغفر هذا المقدار مع أنه معصوم ومغفور له لأن الاستغفار عبادة، أو هو تعليم لأمته، أو استغفار من ترك الأولى.. إلى أن قال: اشتغاله بالنظر فى مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك شاغل عن عظيم مقامه، من حضوره مع الله ﷿، وفراغه مما سواه، فيراه ذنبا بالنسبة إليه، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال، فهو نزول عن عالى درجته، فيستغفر لذلك. وقيل: كان دائما في الترقى في الأحوال، فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
[ ١١٧ ]
قال البيضاوى في قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ: «فيبطله ويذهب به، بعصمته عن الركون إليه، والإرشاد إلى ما يريحه» . (انتهى كلام البيضاوي) .
فقوله (بعصمته عن الركون إليه) إلى اخره هو محل الإشارة إلى الجواب كما يفهم بالتأمل ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ قال البيضاوي: ثم يثبّت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس حَكِيمٌ بما يفعله بهم، قال البيضاوي: «حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقرّبهم إليه، واستمر به ذلك حتّى كان في ناديهم، ونزلت عليه سورة «والنجم» فأخذ يقرأها فلما بلغ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم:
٢٠] وسوس إليه الشيطان حتّى سبق لسانه سهوا إلى أن قال: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي»، ففرح به المشركون حتّى تابعوه بالسجود لمّا سجد في اخرها أى اخر سورة النجم، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبّأه جبريل ﵇، فاغتمّ لذلك، فعزّاه أى سلاه الله بهذه الاية.
وهو (أى ما ذكر من قوله سبق لسانه سهوا وقوله تلك الغرانيق.. إلخ) مردود عند سائر المحققين «١» . وإن صحّ فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، وقيل: تَمَنَّى أى قرأ؛ كقول حسان ﵁:
تمنّي كتاب الله أوّل ليلة تمنّي داود الزبور علي رسل
[الرّسل: الترتيل في القراءة بتؤدة وسكينة من غير سرعة، وضمير «تمني» فى البيت لعثمان ﵁، وأمنيته: قراءته] .
وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبى ﷺ.
وقد ردّ أيضا بأنه يخلّ بالوقوف على القران، ولا يندفع بقوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: ٥٢] لأنه أيضا يحتمله، وبأن الاية على
_________________
(١) وهذا هو الصحيح، وما قيل فهو كذب وزور وبهتان على رسول الله ﷺ لأنه مرسل لهدم هذه الغرانيق والأصنام، وهو من ضلال المضللين وافتراء الكذابين كما سبق أن قلنا.
[ ١١٨ ]
هذا التفسير تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرّق الوسوسة إليهم سيأتى ردّه فى عبارة الشهاب لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٣] علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ والمبطل فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق، أو عن الرسول والمؤمنين. (انتهى كلام البيضاوي) .
قال الشهاب: قوله «سبق لسانه سهوا» هذا غير صحيح؛ لأنه ﷺ محفوظ عن السهو بما يخالف الدين والشرع؛ لأن التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وإذا سها ﷺ في صلاة ونحوها كان تشريعا، حتى قال بعض العلماء: إن سجدة السهو في حقه ﷺ سجدة شكر، وقول البيضاوى في عبارته المتقدمة: «وهو مردود عند المحققين»، قال الشيخ زادة:
يعنى أن جماعة من المفسرين وإن قالوا إن هذه الايات نزلت تسلية له ﵊ في اغتمامه بما سبق لسانه سهوا من حديث الغرانيق، إلا أنّ رؤساء أهل السنة والجماعة ردّوا هذا القول، وقالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقران العظيم والسنة والمعقول:
أما القران فمنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ [الحاقة: ٤٤] أى النبى ﷺ بأن كلّف نفسه أن يقول مرة في الدهر كذبا عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أى التى لم نقلها، أو قلناها ولم نأذن له فيه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي: بالقوة والقدرة، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أى نياط القلب، وهو يتصل من الرأس، إذا انقطع مات صاحبه.
ومنه أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. [يونس: ١٥] ومنه قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] . فلو أنه ﵊ قرأ عقيب هذه الاية قوله: [تلك الغرانيق العلي] لما ظهر صدق الله تعالى في جميع ذلك، وذلك لا يقول به مسلم.
وأما السنة: فهو أنه روى عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:
هذا من وضع الزنادقة، وصنّف فيه كتابا.
[ ١١٩ ]
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وإن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخارى في صحيحه «أنه ﷺ قرأ سورة النجم وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن» وليس فيه حديث الغرانيق.
وأما المعقول: فما ذكره الإمام النسفى في تفسيره بقوله: «والصحيح المعتمد عليه أن النبى ﷺ لم يتكلم بها، فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يجرى ذلك على لسانه عمدا باختياره، وهذا لا يجوز؛ لأنه كفر، وهو ﷺ جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام، فكيف يمدحها ويعظّمها باختياره؟!.
وإما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه ﷺ جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه، وهذا أيضا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره ﷺ لقوله ﵎: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] وقوله تعالى حكاية عن الشيطان وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فكيف يقدر على ذلك في حقه ﷺ؟!.
وإما أن يقع ذلك على لسانه ﷺ سهوا وغفلة من غير قصد، وهو أيضا مردود؛ لأنه ﷺ كان أعقل الخلق وأعلمهم، فكيف تجوز عليه هذه الغافلة؟! خصوصا في حالة تبليغ الوحي، ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله والثقة به، لقيام احتمال الغلط والخطأ في كل واحد من الأحكام والشرائع، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد، وهو أنه ﵊ وقف وسكت عند قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ٢٠] والشيطان حاضر عنده، فتكلّم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءته ﷺ، ووقع عند بعضهم أنه ﷺ هو الذى تكلم بهذا، وتكون هذه إلقاء في قراءة النبى ﷺ، وكان الشيطان يتكلم في زمن الوحي، كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدى على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قضية المكر بالنبى ﷺ، وتكلم في شوّارهم «١»، واستصوب رأى بعضهم وخطّأ اخرين، وذكر أيضا أنه نادى يوم أحد أن محمدا
_________________
(١) مشيروهم بالرأي.
[ ١٢٠ ]
قد قتل، وقال يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] .
وهذا الاحتمال غير مستحيل عقلا وشرعا، فتنة من الله وابتلاء لعباده، لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحى وأداء الرسالة له، لأننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، ولجوّزنا في كل ما بلّغه إلينا عن الله تعالى أن ينضم إليه غيره بخلط الشيطان، فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة، غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين ﵏ ذكروها، لكنهم ما بلغوا في الكثرة حدّ التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية والمتواترة، فلذلك قال البيضاوى في تفسير الاية: «ألقى الشيطان في تشهّيه ما يوجب اشتغاله في الدنيا، ولم يقل ما يوافق تشهيه من الكلام» .
ثم قال البيضاوي: «وإن صحّ فالظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته ﵊ عند قوله تعالى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة؛ فيكون المعنى: ما من رسول ولا نبى قبلك إلا مكّنا الشيطان أن يلقى في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك عند ما تمنيت، فلا تهتم بذلك؛ فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم وهداية اخرين، والتمييز بين الثابت على الإيمان والمتزلزل عنه» انتهى كلام البيضاوي.
وعبارة العلّامة الشهاب الخفاجى في قوله «وهو مردود عند المحققين وإن صحّ » قد ذكرنا فيها ما قاله الشيخ زادة، وقال الشهاب الخفاجى فيها قوله:
«وهو مردود عند المحققين، وإن صح » إشارة إلى عدم صحته: رواية ودارية:
أما الأوّل (عدم صحته دارية)؛ فلما قاله القاضى عياض: إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح معتمد عليه. وبالغ بعضهم فقال:
إنه من وضع الزنادقة، وأكثر المحدّثين على عدم صحّته.
وأما الثانى (عدم صحته رواية) فلما مرّ، فعلى تقدير صحته يكون خرج مخرج الكلام الوارد على زعمهم أو على الإنكار لا غير، أو المراد بالغرانيق:
الملائكة، وإجماله للابتلاء به.
وأما كونه ابتلاء من الله ليختبر به الناس، كما ذكره البيضاوى رحمه الله تعالى، فلا يليق به؛ لأنه إن كان بسهو منه فقد علمت أنه محفوظ عن مثله، وإن كان بتكلم الشيطان وإسماعه لهم، فكذلك لما يلزمه من عدم الوثوق بالوحي» انتهى كلام الشهاب.
[ ١٢١ ]
قال الشيخ زاده عند قوله فيما تقدم «وقيل تَمَنَّى قرأ، كقول حسان » إلخ.
«إن التمنّى في اللغة بمعنيين: تمنّى القلب، والقراءة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨]، أى إلا قراءة، لأن الأمى لا يعلم القران من المصحف، وإنما يعلمه قراءة، وقال رواة اللغة: الأمنية القراءة، واحتجوا عليه ببيت حسان ﵁: * تمنّى كتاب الله أوّل ليلة*
وقيل: الأولى في تأويل الاية أن يقال: التمنى بمعنى القراءة، فقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] أى عند تلاوته القران في قلوب المشركين ما يجادلون به الرسول ﷺ، ويحاجّون به ويوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتّباعه كقولهم عند سماع قول الرسول ﷺ: «حرّم عليكم الميتة» إنه يحل ذبيحة نفسه ويحرّم ذبيحة الله تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فى قلوب المشركين بإنزال قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] وقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١١٨] فبيّن به أنّ ما أحلّ هذا بذكر اسم الله عليه، وحرّم الاخر بعدم ذكر اسم الله عليه، وكقولهم عند سماع إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨]: إنّ عيسى ﵊ والملائكة عبدوا من دون الله تعالى مع أنه تعالى لا يخزيهم يوم القيامة، فنسخ قولهم هذا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] فبين الله تعالى استثناء عيسى والملائكة من قوله: وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك لأن «ما» لغير العاقل، وأن المراد الأصنام فقط، انتهى (عبارة الشيخ زاده) .
وهذا زبدة ما قيل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ.. إلى اخره.
وقد سبق أنّ من جملة المنكرين قصة ما في «النجم» القاضى عياض، فإنه قال: [هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به المفسرون والمؤرخون] «١» . انتهى.
ولا ينظر لردّ ابن حجر على القاضى عياض بأنه لا فائدة فيما قاله، ولا
_________________
(١) انظر هامش ٢ ص ٨٦.
[ ١٢٢ ]
يعوّل على كلامه، لا سيما مع قول البيهقي: «إن رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم»، ومع قول النووى نقلا عن البيهقى ونصه: «وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله ﷺ ما جرى على لسانه من الثناء على الهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه ﷺ، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك، ولا يلزم عدم الوثوق بالوحي.
* وقال الفخر الرازي: «هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] والشيطان لا يجتريء أن ينطق بشيء من الوحي.
* وفي كتاب «الإبريز» للعارف بالله تعالى سيدى عبد العزيز الدباغ ما يفيد تصحيح «١» قول القاضى عياض من أن حديث الغرانيق لا أصل له، ورد قول ابن حجر المحتاج للتأويلات في تفسيره الاية، ثم فسّرها صاحب الإبريز بتفسير بديع وأقرب للعقول، وعبارته: «إن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم ويرغّب فيه، ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا ﷺ الذى قال له الرب سبحانه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: ٦]، وقال تعالى وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] . إلى غير ذلك من الايات المتضمّنة لهذا المعنى، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: ٢٥٣]، فأما من كفر فألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساوس القادحة؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنّي: أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في
_________________
(١) أى اعتباره هو الصحيح.
[ ١٢٣ ]
قلوب أمة الدعوة من الوساوس لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، ويحكم الايات الدالة على الواحدانية والرسالة، ويبقى ذلك ﷿ في قلوب المنافقين والكافرين، ليفتتنوا به.
فخرج من هذا أن الوساوس تلقى أوّلا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.
وهذا التفسير من أبدع ما يسمع؛ لأنه يوفى بثلاثة أمور: العموم الذى في أولها، والتعليل الذى في اخرها، ويعطى الرسالة حقها» . انتهى كلام صاحب الإبريز «١» .
ومنه يفهم أن إلقاء الوسوسة إنما هو في المتمنّى للأمة من أنبيائهم لهم، وهو إيمانهم وطاعتهم وتوفيقهم مما هو وصفهم، وليست الوسوسة متوجهة على الأنبياء المعصومين، الذين خاتمهم وأكملهم ﷺ؛ فإنّ من عرف ما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز لهم علم وجوب العصمة واستحالة ضدها.
* وبيان ذلك: أنه يجب في حقّهم الأمانة، والصدق، والتبليغ، والفطانة: فأما الأمانة:
فهى عصمة ظواهرهم وبواطنهم من التلبّس بمنهيّ عنه، ولو نهي كراهة أو خلاف الأولي؛ فهم محفوظون من منهيات الظاهر ومن منهيات الباطن، كالحسد والكبر والرياء وغير ذلك، والمراد المنهيّ عنه ولو صورة، فيشمل ما قبل النبوة، ولو في حال الصغر حتّى أن المباح أو المكروه إذا وقع منهم كان صورة للتشريع، فيصير واجبا أو مندوبا في حقهم؛ فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب، بل ومن الأولياء الذين هم أتباعهم من يصل منهم لمقام تصير حركاته وسكناته طاعات بالنيات، فقد ثبت أنّه ﷺ توضأ مرة أو مرتين وشرب قائما.
وأما المحرّم: فلم يقع منهم إجماعا، وما أوهم المعصية فمؤوّل من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين «٢» ولا يجوز النطق به في غير مورده إلا في مقام البيان. ودليل وجوب الأمانة لهم أنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه أو
_________________
(١) وهذا هو الذى ترتاح إليه قلوب المؤمنين.
(٢) لأن مقام المقرّب أعلى من مقام البار، فلا يقبل منه ما يقبل من البار. والله أعلم.
[ ١٢٤ ]
خلاف الأولى لكنّا مأمورين به؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعهم في أقوالهم وأفعالهم، وهو تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨] .
وأما الصدق: فهو مطابقة خبرهم للواقع في دعوى الرسالة والأحكام الشرعية والأخبار العادية؛ لأنهم لو لم يصدقوا لما كان معنى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى: «صدق عبدى في كل ما يبلغ عني»، وأيضا صدقهم في الأخبار العادية دليله داخل في دليل الأمانة.
وأما التبليغ فهو: تأدية ما أتوا به مما أمروا بتبليغه للخلق بخلاف ما أمروا بكتمانه، وما خيّروا فيه. ودليله: أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم، وكاتم العلم ملعون «١» .
ولو جاز عليهم الكتمان لكتم رئيسهم الأعظم ﷺ قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧] . وأصحّ محامله ما نقله من يعوّل عليه في التفسير عن علي بن الحسين من أن الله تعالى كان أعلم نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال ﷺ: «أمسك عليك زوجك واتق الله»، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنّه سيتزوجها، والله مبد ذلك بطلاق زيد لها وتزويجها ﷺ، ومعنى الخشية: استحياؤه ﷺ من النّاس أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه، أى من تبناه، فعاتبه الله تعالى على هذا الاستحياء، لعلوّ مقامه.
وما قيل من أنه ﷺ تعلّق قلبه بها وأخفاه، فلا يلتفت إليه، وإن جلّ ناقلوه؛ فإنّ أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر، فما بالك به ﷺ «٢»؟!.
_________________
(١) لقوله ﷺ: «كاتم العلم يلعنه كل شيء، حتى الحوت في البحر، والطير في السماء» رواه ابن الجوزى في العلل عن أبى سعيد.
(٢) ومما قيل أيضا، وهو مرضيّ: إنه كان يخفى في نفسه إبطال عادة التبنّى هذه، فكيف يبطلها؟ وكيف يواجه الناس بإبطال هذه العادة الفاسدة؟ أما ما قيل من غير هذه الأشياء، وما يدور في فلكها من عدم مراعاة مقام النبوة ومكان الرسالة، فهو من قول المستشرقين ومن حذا حذوهم قديما وحديثا، وهو باطل ومردود.
[ ١٢٥ ]
وأما الفطانة فهي: التيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاواهم الباطلة، ودليلها الايات كقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [الأنعام: ٨٣]، والإشارة ب «تلك» عائدة على ما احتج به على قومه من قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: ٧٦] إلى قوله وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] . وكاية قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هود: ٣٢] . وكاية وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:
١٢٥] أى بطريق تشتمل على نوع من الإرفاق بهم، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه الحجة ولا المجادلة، وما ثبت لبعضهم من الكمال ثبت لغيره؛ فتثبت الفطانة لجميعهم.
ويستحيل في حقهم ضدّ هذه الصفات الأربعة؛ فضدّ الأمانة الخيانة، وضد الصدق الكذب، وضد التبليغ كتمان شيء مما أمروا به، وضد الفطانة الغافلة.
* وأما الجائز في حقهم فهو سائر الأعراض البشرية التى لا تؤدى إلى نقص في مراتبهم العلية؛ كالأكل والشرب والنوم، وما يكون من توابع الصحة أو مما لا يستغنى عنه كالجماع للنساء حلالا، سواء كان بالنكاح أو بالملك، فيجوز لهم الوطء بالنكاح لما عدا الكتابية والمجوسية، ونحوهما، وما عدا نكاح الأمة ولو مسلمة؛ لأنها إنما تنكح لخوف العنت، ولعدم المهر، وكلّ منهما منتف؛ أما الأوّل فللعصمة، وأما الثانى فلأنه يجوز للنبى أن يتزوج بدون مهر. ويعلم من تقييد النكاح بالحلال أنهم لا يطأون صائمات صوما مشروعا، ولا معتكفات كذلك، ولا حائضات ولا نفساء ولا محرمات بحج ولا عمرة.
ولا يجوز الاحتلام كما صححه النووي؛ لأنه من الشيطان، وقد ورد: «ما احتلم قط» .
وأما جواز وطئهم لملك، فيكون للأمة الكتابية معلّلا بأنه ﷺ شريف عن أن يضع نطفته في رحم غير مسلمة، وبأنها تكره صحبته، وأما الأمة المسلمة بالملك فجائز باتفاق.
ويجوز عليهم المرض غير المنفّر، والإغماء غير الطويل، بخلاف الجنون قليله وكثيره، وأما سحر لبيد ابن الأعصم له ﷺ في مشط سنة سبع من الهجرة بإغراء اليهود لبيد على ذلك بإعطائهم دنانير جعلتها له في مقابلة ذلك، فلم يؤثّر هذا السحر إلا في بعض جوارحه ﷺ لا في عقله، فلم يكن قادحا في منصبه النبوي، وأما ما في بعض الروايات من أنه ﷺ صار يخيل إليه أن يفعل
[ ١٢٦ ]
الشيء ولا يفعله، فقال أبو بكر بن العربي: «لا أصل له» «١» .
وأما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، كقولهم: الجنة أعدّت للمتقين، وعذاب القبر حق، وغير البلاغية: كقام زيد وقعد عمرو، وهكذا، وجائز عليهم السهو في الأفعال البلاغية وغيرها كالسهو في الصلاة للتشريع، لكن لم يكن سهوهم ناشئا عن اشتغالهم بغير ربهم، ولذلك قال بعض الشعراء:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها والسهو عن كل قلب غافل لا هى
قد غاب عن كل شيء سرّه فسها عمّا سوى الله، فالتعظيم لله
ومن السهو الفعلى حديث ذى اليدين لمّا قال له: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟» حين سلّم من ركعتين، فقال: «كلّ ذلك لم يكن» . فقال ذو اليدين:
بل بعض ذلك كان» فقوله ﷺ «كل ذلك لم يكن» لم يخل عن مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاده ﷺ، وقول ذى اليدين: «بل بعض ذلك كان» فيه مطابقة الخبر للواقع بحسب ما راه، وكل ذلك للتشريع وتعريف سجود السهو.
وأما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية؛ فالقولية كالجنة أعدت للمتقين، والفعلية كصلاة الضحي، إذ أمر بها ليقتدى به فيها، فلا يجوز نسيان كل منهما قبل تبليغ الأولى بالقول، والثانية بالفعل، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر من الله «٢» .
وأما نسيان الشيطان فيستحيل عليهم؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل، وقول يوشع: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: ٦٣] فكان قبل نبوته وعلمه بحال نفسه، وإلا فهو رحماني.
وبالجملة فيجوز على ظواهر الأنبياء ما يجوز على البشر، مما لا يؤدى إلى نقص، وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك، متعلقة بربهم؛ هذا تحقيق المقام، فالتأويل
_________________
(١) الواقع أن هذا الحديث صحيح: رواه أئمة الحديث، وعلى رأسهم الإمام البخارى ﵁ وعنهم، وليس في هذا مطعن فيه ﷺ؛ فإن الذى حدث خيال وليس بحقيقة، وللحديث شاهد من قصة سيدنا موسى ﵊، في قوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: ٦٦] وشتان بين الخيال والواقع، والله تعالى أعلم.
(٢) يحكم كل ذلك قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إنى لا أنسي، ولكنى أنسّى لأسنّ» .
[ ١٢٧ ]
اللائق بمقامهم هو الجدير بالقبول والمطابق للحق عند المحققين في فن الكلام من المتكلمين، كالإمام شرف الدين التلمساني، وكالإمام السنوسى المغترف من بحر الله.
وقد سبق الكلام على أنّ مدح أصنام المشركين لا ذكر له في سورة «والنجم»، وأن هذا إلقاء من الشيطان في قلوبهم ليجادلوا به.