وبعث النبيّ ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع ببعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة،
[ ١٩٧ ]
فقدما بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأسامة بن زيد «١»، وأم بركة المكناة «أم أيمن»، وخرج عبد الله بن أبى بكر رضى الله تعالى عنه معهم بعيال أبيه، وأمّا علي بن أبى طالب ﵁ فكان أقام بعد خروج النبى ﵊ بثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء، قال علي بن أبى طالب ﵁، كما أخرجه عنه ابن عساكر: «ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد سيفه وتنكّب قوسه، وانتضى في يده سهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاب سبعا، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى خلفهم، وقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، ويؤتّم ولده، وترمّل زوجته، فليلقنى وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد؛ لأنهم كانوا يردّون من أراد الهجرة ويسجنونه. وكان صحيح الإيمان يجتهد في اللحاق بالنبى ﷺ، كما وقع ليحيى بن ضمرة الجندعى لما بلغه خروج النبى ﷺ قال: لا عذر لى في مقامى بمكة، وكان مريضا، فأمر أهله فخرجوا به إلى التنعيم، فمات، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] وأوّل كلمة سمعت منه ﷺ لما قدم المدينة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» «٢» .
وكان ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، وفي لفظ «يسند ظهره إليه إذا تكلم يوم الجمعة أو حدث أمر يريد أن يكلّم الناس فيه» فقال له الناس: يا رسول الله، قد كثر الناس (يعنى المسلمين) وإنهم يحبون أن يروك فلو اتخذت منبرا لقدر قيامك تقوم عليه فيراك الناس، قال: نعم، قال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (ولم يقل إن شاء الله)، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله؟ قال: نعم (ولم يقل إن شاء الله)، قال: ما
_________________
(١) فى الأصل «وأسامة بنت زيد»، والذى في السيرة الحلبية: «وأم أيمن حاضنته ﷺ زوج زيد بن حارثة وابنها أسامة بن زيد» . (انظر ص ٨٥ ج ٢)
(٢) وورد بالإفراد: «أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وصلّ بالليل والناس نيام، وادخل الجنة بسلام» رواه أحمد، والحاكم، وابن حبان، وللحديث ألفاظ أخرى ورواة اخرون.
[ ١٩٨ ]
اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، فقال: تجعله؟ قال: نعم، إن شاء الله، قال: ما اسمك؟
قال: باقوم، وكان قبطيا، قال: اجعله. فجعله، فصنع له المنبر ثلاث درجات بينه وبين الحائط ممر «١» الشاة. فلما كان أيام معاوية جعل المنبر ست درجات، وحوّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ.
وحنين الجذع الذى كان يخطب عليه ﷺ حديث متواتر، رواه من أصحاب رسول الله ﷺ الجمع الكثير، وإلى حنين الجذع أشار الإمام السبكى في تائيته بقوله:
وحنّ إليك الجذع حين تركته حنين الثّكالي عند فقد الأحبّة
وأشرقت المدينة بقدومه ﷺ فيها، وسرى السرور بحلوله ﷺ.
قال أنس بن مالك ﵁: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شيء.
وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم برسول الله ﷺ، وصعدت ذوات الخدور على الأسطحة لقدومه «٢» ﷺ يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع «٣»
وجب الشّكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
_________________
(١) أى قدر مرور شاة حوالى نصف متر.
(٢) فى الأصل: «من قدومه» .
(٣) ثنية الوداع: موضع، وهى ثنية مشرفة على المدينة- والثنية في الأصل: كل عقبة مسلوكة في جبل- دخلها النبى ﷺ عند خروجه من قباء. ولما أراد بناء المسجد الشريف- مسجد قباء- قال: يا أهل قباء. إيتونى بأحجار من الحرّة، فجمعت عنده أحجار كثيرة، فخطّ القبلة وأخذ حجرا فوضعه، ثم قال: يا أبا بكر خذ حجرا، فضعه إلى جنب حجري، ثم قال: يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبى بكر، ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر. فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «أمر الخلافة» (رواه الحاكم وصحّحه) .
[ ١٩٩ ]
وسمّيت «ثنية الوداع» لأن المسافر من المدينة كان يشيّع إليها، ويودّع عندها قديما، وهى موضع بين مكة والمدينة. وقال ﷺ: «اللهم حبّب لنا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعها ومدّها «١»» .
والبركة حاصلة لها؛ لأنها النموّ والزيادة في نفس المكيل بحيث يكفى المدّ بها ما لا يكفى في غيرها، وهذا محسوس لمن سكنها. ولمسلم: «اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين» . وله أيضا:
«اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنه دعا لمكة، وأنا أدعو للمدينة بمثل ما دعاك لمكة» .
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: كان ﷺ يؤتى بأول التمر فيقول:
«اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارها، وفي مدّنا، وفي صاعنا بركة مع بركة. ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان» .
وجاء: «إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها «٢» (ويأرز بكسر الراء أى ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض) وفي رواية «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، يأرز كما تأرز «٣» الحية إلى جحرها» .
ومكة أفضل من المدينة؛ لأن مكة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهذا قول الجمهور، وعند الإمام الشافعى مكة أفضل من المدينة، وحكى عن مالك ومطرف وابن حبيب- من أصحابه- لكن
_________________
(١) وردت في هذا عدة أحاديث، منها قوله ﷺ: «اللهم إن إبراهيم حرّم مكة فجعلها حراما، وإنى حرّمت المدينة- ما بين مأزميها- ألا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين. والذى نفسى بيده ما في المدينة من شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا» رواه مسلم.
(٢) فى الأصل: «إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها ويأزر بكسر الزاي، ولفظ الحديث الشريف كما أثبتناه: «يأرز» من الأرز»، وهو الانضمام والاجتماع بعضه إلى بعض كما فى المختار، والحديث متفق عليه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبى هريرة.
(٣) أصلحناه أيضا كما مر.
[ ٢٠٠ ]
المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، وقد رجع عن هذا القول أكثر المصنفين من المالكية، واستثنى القاضى عياض البقعة التى دفن فيها النبى ﷺ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض. وأنشد بعضهم:
جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفي وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنفس حين زكت زكا مأواها
وزاد بعضهم بعد هذين البيتين:
وبهذه ظهرت مزيّة طيبة فغدت وكلّ الفضل في مغناها
حتي لقد خصّت بروضة جنة الله شرّفها بها وحباها
ما بين قبر للنبىّ ومنبر حيّا الإله رسوله وسقاها
ورجّح بعضهم المدينة؛ لأن ميل كل نفس حيث حلّ حبيبها «١» كما قال بعضهم:
عليّ لربع العامرية وقفة ليملي عليّ الشوق والدمع كاتب
ومن مذهبي حبّ الديار لأهلها وللناس فيما يعشقون مذاهب
ولما هاجر ﷺ وأكثر اليهود يستقبلون بيت المقدس، وأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، فرحت اليهود، فاستقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت الاية، قَدْ نَرى
_________________
(١) ولأن النبى ﷺ قال- فيما رواه ابن عساكر عن أبى سعيد: «الناس تبع لكم يا أهل المدينة في العلم» وبطبيعة الحال لا يكون التابع أفضل من المتبوع، ذلك لأن المدينة انتشر منها العلم وفتوحات الإسلام، والله سمّاها الإيمان في قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ. على أن في مذهبى وعقيدتى أن المفاضلة بين مكة والمدينة متعذرة، فهذه فيها مولد رسول الله ﷺ، وتلك فيها وفاته، وكلا البلدين حرم امن. وقد قال رسول الله ﷺ في المدينة: «إنها حرم امن، إنها حرم امن» رواه الإمام أحمد ومسلم عن سهل بن حنيف، وقال الله في مكة المشرفة: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وليس وراء المفاضلة ما يفيد الناس، وإن كان المتفق عليه من جميع أهل العلم أن البقعة التى ضمت جسد رسول الله ﷺ هى أفضل بقعة في الأرض والسماء.
[ ٢٠١ ]
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٤] .