فإحداهن هند بنت عتبة، وهى امرأة أبى سفيان.
روى أن رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند ابنة عتبة- امرأة أبى سفيان- وهى متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعت بحمزة في كونها مثّلت به ومضغت كبده، فقال رسول الله ﷺ: أبايعكن على ألاتشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا، فقال رسول الله ﷺ: ولا يسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أصبت من ماله هناة؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال، فضحك النبى ﷺ وعرفها، وقال لها: وإنك لهند؟ فقالت: نعم فاعف عما سلف يا نبى الله، فقال: عفا الله عنك، فقال: ولا يزنين، فقالت: أتزنى الحرة؟! فقال: ولا يقتلن أولادهن، فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا، فأنتم وهم أعلم (وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر)، فضحك عمر ﵁ حتّى استلقي، وتبسم ﷺ؛ ولما قال ﷺ: ولا يأتين ببهتان يفترينه، قالت:
[ ٣٦٥ ]
والله إن إتيان البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. ولما قال:
ولا تعصيننى في معروف؛ قالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في معروف، فلما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور.
الثانية والثالثة «قريبة» بالقاف والمواحدة مصغرا، «والفرتنا» بالفاء المفتوحة والراء المهملة الساكنة والمثناة الفوقية والنون- كذا صحّحه القسطلانى في المواهب اللدنية، وهما قينتان «١» أى مغنيتان لابن خطل؛ وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ، فأمر بقتلهما مع ابن خطل- فأما «قريبة» فقتلت مصلوبة؛ وأما «فرتنا» ففرت حتّى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمّنها؛ فامنت.
الرابعة: مولاة بنى خطل: وقتلت يوم الفتح.
الخامسة: مولاة بنى عبد المطلب: وقيل مولاة عمرو بن صيفى بن هاشم.
السادسة: سارة: وهى التى حملت كتاب حاطب بن أبى بلتعة من المدينة ذاهبة إلى مكة إلى قريش؛ وأعطاها عشرة دنانير علي أن توصّل الكتاب إلى أهل مكة؛ وكتب في الكتاب: «من حاطب بن أبى بلتعة إلي أهل مكة؛ اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم؛ فخذوا حذركم» .
وكانت تؤذى رسول الله ﷺ بمكة؛ وتغيبت يوم الفتح حتّى استؤمن لها؛ فعاشت حتّى أوطأها رجل فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وفي فتح البارى في شرح صحيح البخاري: أنها أسلمت.
* وأذّن بلال الظّهر على الكعبة، فقالت جويرية بنت أبى جهل: لقد أكرم الله أبى حين لم يشهد نهيق بلال على ظهر الكعبة. وقال الحارث بن هشام: ليتنى متّ قبل هذا. وقال خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أبى فلم ير هذا اليوم. فخرج عليهم ﷺ ثم ذكر لهم ما قالوه؛ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله؛ ما اطّلع على هذا أحد فنقول أخبرك. فقام على ﵁- ومفتاح الكعبة في يده- فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية. فقال ﷺ: أين عثمان بن
_________________
(١) ومنه تعلم أن الغناء إنما هو من صناعة الخدم عند العرب.
[ ٣٦٦ ]
طلحة؟ فدعاه؛ فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان؛ إن الله استأمنكم على بيته؛ فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.
وفي رمضان هذه السنة يوم الفتح أسلم أبو قحافة؛ والد أبى بكر ﵄.
روى أن أبا بكر لما جاء إلى النبى ﷺ بأبيه أبى قحافة ليسلم، قال له النبى ﷺ: لم عنّيت الشيخ، ألا تركته حتّى أكون أنا اتيه في منزله؟! فقال أبو بكر:
بأبى أنت وأمي؛ هو أولى أن يأتي رسول الله ﷺ وكانت امرأة أبى قحافة أم الخير- أم أبى بكر- قد أسلمت قديما في السنة السادسة من النبوة، واسم أبى قحافة عثمان بن عامر؛ توفى في السنة الرابعة عشرة من الهجرة، فى خلافة عمر، بعد وفاة أبى بكر ﵁ بسنة، وكان ابن سبع وتسعين سنة.
قال ابن هشام: وبلغنى أن النبيّ ﷺ حين افتتح مكة ودخلها، قام على الصفا يدعو وقد أحدقت الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون أن رسول الله ﷺ إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتي أخبروه، فقال ﷺ: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم» .
قال ابن إسحاق، وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة الاف، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان.
واستقرض ﷺ من ثلاثة نفر من قريش: أخذ من صفوان بن أمية ﵁ خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزّي أربعين ألف درهم، فرّقها ﷺ في أصحابه من أهل الضعف، ثم وفّاها مما غنمه من هوازن، وقال: «إنما جزاء السلف الحمد والأداء» «١» .
وأقام رسول الله ﷺ بمكة حين فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة؛ ثم خرج إلى هوازن وثقيف، وقد نزلوا حنينا «٢» .
_________________
(١) رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن أبى ربيعة. بلفظ «الوفاء» بدل «والأداء» .
(٢) واد قريب من مكة، قبل الطائف، بجنب ذى المجاز سمى باسم حنين بن نائبة: رجل من العماليق؛ وكانت به الوقعة المشهورة.
[ ٣٦٧ ]
عن أبى هريرة ﵁ أن خزاعة قتلت رجلا من بنى ليث، عام الفتح بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ خطيبا بعد الظهر، مسندا ظهره الشريف إلى الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس: إنّ الله قد حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا لأحد يكون بعدي، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتى هذه، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى خلاؤها، ولا يعضّد شجرها، ولا تحلّ ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يود أو يقتد، فقال العباس بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه: إلا الإذخر: لصاغتنا ولسقف بيوتنا، قال ﷺ:
إلا الإذخر «١» ثم ودي «٢» رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة، وهو ابن الأقرع الهذلى- من بنى بكر- فإنه دخل مكة وهو على شركه، فعرفته خزاعة فأحاطوا به، فطعنه منهم خراش بمشقص في بطنه حتي قتله، فلامه ﷺ، وقال:
«لو كنت قاتلا مسلما بكافر لقتلت خراش «٣»» -[والمشقص: ما طال من النصال وعرض]- قال ابن هشام: وبلغنى أنه أوّل قتيل وداه النبى ﷺ.
وسرقت امرأة، فأراد ﷺ قطع يدها، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، يستشفعون به، فلما كلّمه أسامة فيها تلوّن وجهه ﷺ، وقال:
«أتكلمنى في حدّ من حدود الله تعالى؟!» فقال أسامة: استغفر لى يا رسول الله.
ثم قام ﷺ خطيبا، فأثنى علي الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنّ ما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف
_________________
(١) وفي رواية: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسول الله ﷺ والمؤمنين، ألا فإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لى ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتى هذه، حرام لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها، إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل» متفق عليه، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود. والخلا: الرطب من الحشيش، أى ولا يؤخذ حتّى حشيشها الرطب.
(٢) أعطى ديته.
(٣) وقال رسول الله ﷺ: «لا يقتل مسلم بكافر» رواه أحمد والترمذى وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروى ابن ماجه قوله ﷺ: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» .
[ ٣٦٨ ]
أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها «١»» .
ثم أمر رسول الله ﷺ بالمرأة فقطعت يدها «٢» .
ثم قام أبو شاه- رجل من أهل اليمن- فقال: اكتبوا إليّ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: اكتبوا إلي أبى شاه. [قال الأوزاعي: يعنى الخطبة التى سمعها من رسول الله ﷺ] .
* وفي هذه السنة كانت غزوة حنين، وهي: غزوة هوازن.
وحنين اسم واد بقرب الطائف- بينه وبين مكة ثلاث ليال- وتسمّى غزوة «أوطاس» «٣» وهو واد لهوازن.
وسبب غزوة حنين أنه لما فتحت مكة تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحرب رسول الله ﷺ، ومقدّمهم مالك بن عوف النضري، وانضمت إليهم ثقيف، وهم أهل الطائف، وبنو سعد بن بكر، وهم الذين كان النبى ﷺ مرتضعا عندهم «٤»، وحضر بنو جشم، وفيهم دريد بن الصمة، وقد جاوز المائة لرأيه، وقال رجزا:
يا ليتني فيها جذع أخبّ فيها وأضع
فلما سمع النبى ﷺ باجتماعهم، خرج من مكة لست خلون من شوال سنة ثمان من الهجرة، وكان يقصر الصلاة بمكة من يوم فتحها إلى خروجه هذا، وخرج معه اثنا عشر ألفا؛ ألفان من أهل مكة، والعشرة الاف التى كانت معه وفتح الله بها مكة، وانتهى إلى حنين، والمشركون بأوطاس، وقال رجل من
_________________
(١) وحاشاها أن تفعل، ولكنه مثال ضربه رسول الله ﷺ في أن الحدود لا يعفى منها أحد، ولو كان المحدود ابن الحاكم المؤتمر بأوامر الله لأقام عليه الحد كما فعل عمر بن الخطاب مع ابنه. وبهذا تستقيم الأمور، ويلتزم كل إنسان حده؛ لأنها أحكام الله، لا أحكام البشر.
(٢) هي امرأة من بنى مخزوم، والحديث في الصحيحين وأغلب كتب الحديث.
(٣) واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين. (كذا في المراصد) .
(٤) قوم حليمة السعدية أم النبى ﷺ من الرضاعة ﵂.
[ ٣٦٩ ]
المسلمين- لمّا رأى كثرة جيش المسلمين-: لن يغلب هؤلاء من قلة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة: ٢٥] فلما التقوا انهزم المسلمون، لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، واستمر ﷺ ثابتا، وتراجع المسلمون «١» واقتتلوا قتالا شديدا، وقال النبى ﷺ لبغلته الدلدل «البدى البدي» فوضعت بطنها على الأرض، وأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجه المشركين، وقال: «شاهت الوجوه» (أى خضعت وذلت) فلم تبق عين إلا دخل فيها من ذاك التراب، فكانت الهزيمة عليهم، ونصر الله المسلمين، وأنزل الله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] وقال ﵊: «أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب» «٢» وهذا يدل على كمال شجاعته وتمام صولته وقوته ﷺ؛ إذ في هذا اليوم الشديد اختار ركوب البغلة التى ليس لها كرّ ولا فرّ، كما يكون للفرس، ومع ذلك توجّه نحو العدو واحده، ولم يخف صفته ونسبه، وما هذا كله إلا لوثوقه بالله وتوكله عليه، وليس قوله ﷺ: «أنا النبى لا كذب» إلى اخره من الشعر؛ لأن شرطه، كما تقدّم في بناء المسجد الشريف، أن يكون عن قصد ورويّة، وإنما قال ﷺ: أنا ابن عبد المطلب، ولم يقل أنا ابن عبد الله؛ لأن العرب كانت تنسبه ﷺ إلى جده عبد المطلب لشهرته، ولموت عبد الله فى حياته، فليس من الافتخار بالاباء الذى هو من عمل الجاهلية، كما تقدّم في قوله ﷺ: «أنا ابن العواتك» «٣» .
واستشهد من المسلمين أربعة، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا، وأفضى المسلمون في القتال إلى الذرية، فنهاهم عن ذلك، ونادى مناديه: «من قتل قتيلا فله سلبه» «٤» .
_________________
(١) أى إلى رسول الله ﷺ.
(٢) متفق عليه، ورواه الإمام أحمد، والنسائى عن البراء. وللحديث روايات أخرى، منها: «أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا أعرب العرب، ولدتنى قريش، ونشأت في بنى سعد بن بكر، فأنّى يأتينى اللحن» رواه الطبراني عن أبى سعيد.
(٣) ولفظ الحديث كما رواه سعيد بن منصور الطبراني: «أنا ابن العواتك من سليم» .
(٤) وفي لفظ: «من قتل كافرا فله سلبه» متفق عليه، ورواه أبو داود، والترمذى عن قتادة، وأحمد وأبو داود عن أنس، وأحمد وابن ماجه عن سمرة.
[ ٣٧٠ ]
ولما فرغ ﷺ من حنين بعث عبيدا [أبا عامر الأشعري] لغزوة أوطاس لطلب دريد بن الصمة وأصحابه، فهزمهم وقتلهم، واستشهد أبو عامر ﵁ بعد قتله جماعة منهم، وكان في السبى الشيماء أخته ﷺ من الرضاعة، واسمها «حذافة»، وإنما غلب لقبها، فلا تعرف في قومها إلا به «١» .
ولما هزم رسول الله ﷺ هوازن، وأمر بطلبهم، قال لجيشه: «إن قدرتم على بجاد- رجل من بنى سعد- فلا يفلتنّ منكم»، فأخذته الخيل وضمّوه إلى الشيماء بنت الحارث (ويكني أبا ذؤيب كما يكنى بأبى كبشة) أخت النبي ﷺ، وأتبعوهم فى السباق، وتعبت الشيماء بتعبهم، فجعلت تقول: والله أخت صاحبكم، فلم يصدّقوها، فأخذها طائفة من الأنصار، وكانوا أشدّ الناس على هوازن، فأتوا بها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا محمد إنى أختك، فقال رسول الله ﷺ: وما علامة ذلك؟ فأرته عضة بإبهامها، وقالت: هذه عضضتنيها وأنا متوركة بوادى السدر ونحن يومئذ نرعى بهم أبيك وأبي، وأمك وأمي، وتذكّر يا رسول الله حلابى لك عنز أبيك. فعرف رسول الله العلامة فوثب قائما فبسط رداءه، ثم قال: اجلسى عليه، ورحّب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما «٢» ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّبة مكرّمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك ورجعت إلى قومك» قالت: بل أرجع إلى قومى. فأسلمت وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية، وأمر لها ببعير أو بعيرين، وسألها من بقى منهم، فأخبرته بأخيها وأختها وبعمها، وأخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال: «ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضى إلى الطائف» . فرجعت إلى الجعرانة،
_________________
(١) واسمها حذافة (بالحاء المهملة)، ويقال: جذافة (بالجيم والذال المعجمتين) بنت الحارث، ولقبها «الشيماء» أو الشمّاء، وقد أكرمها رسول الله ﷺ حين جاءت مسلمة، فهي أخت النبى ﷺ من الرضاعة، وصحابية جليلة ﵂.
(٢) كون أبيه وأمه من الرضاعة ماتا قبل ذلك غير صحيح؛ لأن حليمة السعدية ﵂ (أمّ النبى ﷺ من الرضاع) جاءت إلى النبى ﷺ يوم حنين أيضا فقام لها النبى ﷺ وبسط لها رداءه، وأسلمت. وروى حديث الرضاعة عنها: أبو يعلي، وابن حبان في صحيحه، وفي «السيرة الكبري» لابن إسحاق، ورواه أبو داود، وابن منده وغيرهم، وصرّحوا فيه برواية عبد الله بن جعفر عنها، وأبوه من الرضاع أيضا أسلم بعد انتقال النبى ﷺ، أسلم وحسن إسلامه.
[ ٣٧١ ]
ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة، فأعطاها نعما وشاء، وكلّمته في بجاد: أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ.
وقد سبق بعض ذلك في الفصل الأوّل من الباب الأوّل من المقالة الخامسة من الجزء الثانى.
* وورد في الحديث النبوى أنه ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابنى ابنته ﵂ وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتبخلّون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإنّ اخر وطأة «١» وطئها الله بوج «٢»» انتهى.
قال العلماء: إن هذا الحديث من خفيّ التعريض وغامضه؛ فإن «وج» واد من الطائف، و«حنين» واد قبله، فأراد رسول الله ﷺ غزاة حنين؛ لأن غزوة حنين اخر غزوة أوقع بها رسول الله ﷺ مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أى قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدوّ ولا قتال، ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله ﷺ «وأن اخر وطأة وطئها الله بوج» على ما قبله من الحديث، وهو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته كانت في ربيع الأوّل من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال:
وإنكم لمن ريحان الله أى من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: «وأنا مفارقكم عن قريب» على سبيل التعريض بقوله «وإن اخر وطأة وطئها الله بوج» إشارة لما أراده وقصده من قرب وفاته، بحصول الغزوة المؤزرة.
* وفيها توفيت زينب. وفيها غلا السعر، فقالوا: سعّر لنا» .
_________________
(١) الوطأة: الضغطة، كما في الحديث الشريف «اللهم اشدد وطأتك على مضر» وفي «المقاصد الحسنة» للسخاوي، ما لفظه: «ومن حديث عمر بن عبد العزيز قال: «زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم أن رسول الله ﷺ خرج وهو محتضن حسنا وحسينا، وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتجهّلون، وإنكم من ريحان الله» وفيه بحث جيد فانظر ص ٤٥٣.
(٢) «وج» واد بالطائف كانت به غزاة للنبى ﷺ اهـ. مراصد.
(٣) فقال النبى ﷺ: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرزاق، وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبنى بمظلمة في دم ولا مال» رواه الإمام أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والبزار، وأبو يعلي. وصحح الحديث ابن حبان والترمذي.
[ ٣٧٢ ]
وفيها ولد إبراهيم ابن النبى ﵊.
وفيها مات حاتم الطائي، وكان شاعرا مجيدا يضرب بجوده المثل.
وقيل: مما ورد أن الذين تأسّف عليهم النبى ﷺ في زمن الفترة كانوا أربعة:
الأوّل: الملك أنوشروان لعدله، والثاني: أبو طالب عم النبى ﷺ لبرّه، والثالث:
حاتم الطائى لكرمه، والرابع: امرؤ القيس لشعره «١» .
ففى غزوة حنين وسرية أوطاس وقع من إعلاء كلمة الله وإظهار شوكة الإسلام ما لا مزيد عليه، ونال فيها كثير من المسلمين أجر الشهادة، وانهزمت ثقيف إلى الطائف، وكان هذا سبب غزوة الطائف.
وفي هذه السنة كانت غزوة الطائف: والطائف بليدة كثيرة الفواكه، وهي أبرد مكان بالحجاز، وربما جمد الماء في ذروة الجبل التى هى على ظهره، وأكثر ثمرها الزبيب، وهى طيبة الهواء ينتجع إليها أغنياء مكة أيام الصيف لذلك.
وسبب هذه الغزوة أنه لما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، وأغلقوا مدينتهم، سار النبيّ ﷺ وحاصرهم نيفا وعشرين يوما، وقاتلهم بالمنجنيق، ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة (بدال مهملة وباءين مواحدتين بينهما ألف لينة اخره هاء: الة تتخذ للحروب، فتدفع في أصل الحصن، فينقبون وهم في جوفها) ودنوا إلى سور الطائف، فصبّوا عليهم سلك الحديد المحمى ورموهم بالنبل، فأصابوا منهم قوما، وأمر ﷺ بقطع أعنابهم، ثم رحل عنهم ونزل
_________________
(١) لو أنه ورد فيه عن النبي ﷺ شيء لكان على العين والرأس، ولكنه قيل علي الظّنّة، ولذلك قال الحليمى ﵀ ﵎: «إطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يدعى به، لا لوصفه بالعدل والشهادة له بذلك، بناء علي اعتقاد المعتقدين فيه، إلى أن قال: «ولا يجوز أن يسمى رسول الله ﷺ من لم يحكم بغير حكم الله عادلا» اهـ. وأما امرؤ القيس فقال فيه ﵊: «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» رواه الإمام أحمد، وقال أيضا: «امرؤ القيس قائد لواء الشعراء إلى النار؛ لأنه أحكم قوافيها» رواه أبو عروبة في الأوائل، وابن عساكر. ومن المعروف أن أهل الفترة ناجون إلا جماعة ذكرهم رسول الله ﷺ بالاسم منهم امرؤ القيس، ومن المعروف أن امرأ القيس كان رجل خمر ونساء، وذا لسان مقذع في وصف النساء، مما كان يهيج العرب ويوقع بعضهم ببعض، والله تعالى أعلم.
[ ٣٧٣ ]
بالجعرانة، واجتمعت فيها الغنائم، وأتى إليه بعض هوازن ودخلوا عليه يستعطفونه، وقالوا: قد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، وإنّ فيمن أصبتهم الأمهات والأخوات، والعمات والخالات (يريدون: عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك لأن مرضعته ﷺ من هوازن) ونرجو عطفك. فقال ﷺ:
«إنّ أحسن الحديث أصدقه؛ أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى وإما المال»، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فردّ عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، قائلا: «أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنّا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في نسائنا وأبنائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم، فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الظهر قاموا إليه فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: «أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤا تائبين، وإنى رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحبّ أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظّ حتّى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، هؤلاء القوم جاؤا مسلمين، وقد خيّرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده من النساء سبى وطابت نفسه أن يردّه فليردّه»، قال الناس: رضينا وسلّمنا. فردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ثم لحق مالك بن عوف مقدّم هوازن برسول الله ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه، واستعمله في قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل، وكانت عدة السبى الذى أطلقه ستة الاف.
وروى أن رسول الله ﷺ لما عرض عليه سبى هوازن، كان ممن عرض عليه بنت حاتم الطائي، فقالت: يا رسول الله أنا بنت من كان يحمل الكلّ (أى الشيء الذى يحصل منه التعب) ويكسب المعدوم (أى يعطيه له تبرعا) ويعين على نوائب الزمان، أنا بنت حاتم الطائي، فمنّ عليها ﷺ وردّ لها مالها: وقال:
«أكرموا عزيز قوم ذلّ، وغني قوم افتقر»، فقالت: يا رسول الله وصويحباتي؟
فقال: «وصويحباتك، كريمة بنت كريم» فقالت: يا رسول الله أتأذن لى أن أدعو لك بدعوات؟ فأذن لها، وقال لأصحابه: أنصتوا وعوا، فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبت نعمة عن كريم إلّا وجعلت
[ ٣٧٤ ]
سبيا لردّها، وحسبك هذا في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف» وقد سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى من الباب الخامس من المقالة الخامسة من الجزء الثانى من هذا التاريخ.
قال القاضى محمد بن سلامة القضاعى في كتاب «الأنباء»: كان بها من السبايا ستة الاف، ومن الإبل والغنم ما لا يدرى عدده، واستعمل أبا الجهم بن حذيفة بن غانم القرشى على النفل (أى الغنيمة) يوم حنين.
وذكر ابن الأثير في «الكامل» في أخبار يوم حنين أن رسول الله ﷺ أمر بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة (وهى ما بين الطائف ومكة) وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي، انتهى.
وبالجعرانة قسّم رسول الله ﷺ هذه الغنائم.
وقيل: كانت عدّة الإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة الاف أوقيه، وأعطى المؤلّفة قلوبهم مثل: أبي سفيان وابنيه (يزيد ومعاوية) وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل، والحارث بن هشام (أخا أبى جهل)، وصفوان بن أمية، وغيرهم من قريش، وكذلك أعطى الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف مقدّم هوازن، فأعطى لكل واحد من الأشراف مائة من الإبل، وأعطى الاخرين أربعين أربعين، وأعطى العباس بن مرداس السلمي أباعر لم يرضها، وقال في ذلك أبياتا:
أتجعل نهبي ونهب العبي د بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لم يرفع
أى ومن تخفضه بعدم الإعطاء لا يرتفع بعد ذلك، والعبيد بضم العين اسم فرسه.
ويروى أن النبى ﷺ قال: «اقطعوا عنّى لسانه «١»» فأعطى حتّى رضي،
_________________
(١) هذا من ألطف الكنايات وأجملها، إذ معناه أنه يقول لهم: سدوا حاجته حتّى لا يسأل بلسانه مرة أخرى، وفيه دعوة إلى أدب استعمال اللفظ.
[ ٣٧٥ ]
ومدح النبى ﷺ فقال:
رأيتك يا خير البريّة كلّها نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد حودنا عن الحق لمّا أصبح الحق مظلما
فمن مبلغ عنى النّبىّ محمدا وكل امرئ يجزى بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه وكان قديما ركنه قد تهدّما
تعالى علوّا فوق عرش إلهنا وكان مكان الله أعلى وأعظما
ويقال إنه أنشد هذه الأبيات وامتدح بها النبى ﷺ فأعطاه خلّة قطع بها لسانه، أى بقية من الغنيمة.
ولما فرّق رسول الله ﷺ الغنائم ولم يعط الأنصار من ذلك شيئا، وجدوا في أنفسهم «١»، فدعاهم ﷺ فقال: إن قريشا حديثو عهد بالجاهلية، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ قالوا: بلي، قال رسول الله ﷺ: «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «٢»، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «٣» .
ويومئذ قال ذو الخويصرة «من تميم»: لم تعدل هذه القسمة، ولا أريد بها وجه الله، فقال ﷺ: «سيخرج من ضئضيء (أى أصل) هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم» فخرج منه حرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية؛ لأن في رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أوّل من بويع من الخوارج بالإمامة، وأوّل مارق من الدين.
والخوارج قوم يكفّرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها،
_________________
(١) أى حزنوا في أنفسهم، وليست من موجدة الغضب: معاذ الله.
(٢) ولفظ الترمذى- كما جاء في الفتح الكبير- «إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإنى أردت أن أحبوهم وأ تألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ؟ لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادى الأنصار وشعبهم» .
(٣) رواه ابن ماجه بلفظ «رحم الله» والباقى سواء.
[ ٣٧٦ ]
وتخليده في النار، ويحكمون بأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر، ولا يصلّون جماعة.
ثم اعتمر ﷺ من الجعرانة، وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وهو شاب لم يبلغ عشرين سنة، وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس، فحجّ بالمسلمين هذه السنة عتّاب المذكور، وهو أوّل أمير أقام حج الإسلام، وكان عليه الورع والزهد، وحجّ المشركون على مشاعرهم.
وفي هذه السنة أسلم عروة بن مسعود الثقفى ﵁، وكان من حديث ثقيف: أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتي أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ: «إنهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم. وكان فيهم كذلك محيّبا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألايخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عليّة «١» له وقد دعاهم إلي الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل جهة، فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنونى معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه» .
_________________
(١) العليّة: الغرفة، وجمعها: العلالى.
[ ٣٧٧ ]