فإنه لما تبيّن للمشركين عدم ذكر الهتهم، غضبوا ورجعوا إلى العداوة أشد من الأوّل، فلما بلغ ذلك القادمين حين دنوهم من مكة، وكانوا قد خرجوا في رجب إلى الحبشة، وأقاموا بها شعبان ورمضان، وقدموا في شوّال كما سبق، لم يدخل أحد منهم إلا بجوار مجير أو مستخفيا، إلا عبد الله بن مسعود، فإنه دخل بدون جوار أحد، ثم خرج وهاجر.
وممن دخل في الجوار عثمان بن مظعون؛ فإنه دخل بجوار الوليد بن المغيرة، وكان قد اشتد الحال على من قدم مكة ولم يدخل في الجوار، حتى أن عشائره تفعل به الأذى الشديد، فلما وجد عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال:
والله إنّ غدوّى ورواحى امنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيا بني، لنقص كبير في نفسي» .
فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس، وفت ذمّتك، وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي، لعله اذاك أحد من قومى وأنت في ذمتى فأكفيك ذلك؟
قال: لا والله ما اعترض لى أحد، ولا اذاني، ولكنى أرضى بجوار الله ﷿، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: انطلق إلى المسجد فاردد لى جوارى علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا حتّى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان: صدق، قد وجدته وفيّا كريم الجوار، ولكنى لا أستجير بغير الله ﷿، قد رددت عليه جواره. فقال الوليد:
أشهدكم أنّى بريء من جواره إلا أن يشاء. ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد: * ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل* فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:
[ ١٢٨ ]
* وكلّ نعيم لا محالة زائل* فقال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذيكم جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه، فمن سفاهته فارق ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنية؛ ولقد كنت في ذمّة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذى لقيت غنيّا.
فقال عثمان ﵁: بل كنت إلى الذى لقيت فقيرا، والله إن عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ﷿، ولى فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإنى لفى جوار من هو أعزّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعده. فقال: لا.
وصار الأمر يشتد على أصحاب رسول الله ﷺ القادمين لقصد مكة من الهجرة الأولى وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله ﷺ في الهجرة إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فخرج ابن مسعود ومعه عدد كثير من الناس، فكانت خرجتهم الثانية أعظم مشقة، ولقوا من قريش تعنيفا شديدا، ونالوهم بالأذي، واشتدّ على قريش ما بلغهم عن النجاشى من حسن جواره للمهاجرين، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة، ولست معنا؟ فقال ﷺ: أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله.
وبهذه الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، كانت عدة من بأرض الحبشة من المهاجرين مائة نفس وواحدا، إن حسب عمار بن ياسر فيهم؛ الذكور منهم ثلاثة وثمانون، والإناث ثمان عشرة.
وخرج أبو بكر ﵁ مهاجرا إلى الحبشة حتّى بلغ موضعا يقال له:
«برك الغماد» (بفتح الباء وكسرها، والغماد بكسر الغين المعجمة وضمها: محل فى أقاصى هجر أو باليمن، ويقال: هو مدينة الحبشة) . ثم رجع أبو بكر في جوار سيد القارة (اسم قبيلة، ومنهم مسعود بن ربيعة القاري) مالك بن الدغنة.
فلما رأت قريش استقرار المهاجرين في الحبشة وأمنهم أرسلوا فيهم إلى النجاشى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم،
[ ١٢٩ ]
والتمسوا منه ردّ من هاجر إلى بلاده من المسلمين، فأبى ذلك وردّهما خائبين.
ثم بعد ذلك وقع من الحبشة تعصّب على أصحاب رسول الله ﷺ، فقالوا له: إنّ هؤلاء لهم دين غير ديننا. فأرسل وراءهم وقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: نؤمن به ونصدّقه فيما جاء به، فقال للحبشة: ما تقولون في نبيهم؟ فلم يؤمنوا به، فقال النجاشى لهم: هؤلاء يؤمنون بنبيكم وأنتم لا تؤمنون بنبيهم! فأنتم الان ظلمة، فكلّ منكم على دينه، ولا أحد منكم يعارض هؤلاء» .
فاستمروا في بلاده مدة، وعادوا إلى أوطانهم. وكان إسلامه في سنة سبع من الهجرة، ويدلّ على صحة إسلامه أنه لما توفى في رجب سنة تسع من الهجرة قال النبي ﷺ «مات اليوم رجل صالح، فصلّوا على أخيكم أصحمة» «١» فصلّى عليه النبى ﷺ وأصحابه صلاة الغائب، ولما صلّى عليه رسول الله ﷺ طعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الاية وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (١٩٩) [ال عمران: ١٩٩] إلى اخرها، قال ابن جريج: وقال اخرون: نزلت في عبد الله بن سلام. وسيأتى بيان ما صنعه النجاشى من كلام المهاجرين وغير ذلك مما يتعلق به في الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة من الهجرة، عند ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب ﵁ من الحبشة، وذلك الفصل المذكور من الباب الثالث.
ولما رأت قريش عزة النبى ﷺ بمن معه، وعزة أصحابه بالحبشة، وإسلام عمر بن الخطاب، وإسلام عمه حمزة ﵃، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على معاداة بنى هاشم وبنى المطلب: ألاينا كحوهم ولا يبايعوهم، ويقطعوا عنهم الأسواق، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتّى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل. وكان اجتماعهم وتحالفهم في خيف بنى كنانة (بالأبطح) ويسمّى محسبا، بأعلى مكة عند المقابر، وكتبوا بذلك صحيفة بخط منصور بن عكرمة، وقيل بخط بغيض بن عامر، وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة الشريفة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه ﷺ، فانحاز الهاشميون إلى أبى طالب مسلمهم وكافرهم، حتى أنّ كافرهم فعل ذلك حمية على عادة
_________________
(١) هذا حديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبى هريرة وجابر بن عبد الله ﵄.
[ ١٣٠ ]
الجاهلية، فدخلوا معه في شعبه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب بن عبد العزى ابن عبد المطلب إلى قريش مظاهرا إليهم، وكانت امرأته أم جميل بنت حرب (أخت أبى سفيان) على رأيه في عداوة رسول الله ﷺ (كانت تحمل الشوك فتضعه في طريقه ﷺ، فسمّاها الله تعالى حمالة الحطب) . وأقام بنو هاشم في الشعب ومعهم رسول الله ﷺ نحو ثلاث سنين، وكان بنو هاشم محصورين في الشعب لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى جاهدوا، وكان لا يصل إليهم ممن أراد صلتهم إلا سرا، هذا، ورسول الله ﷺ مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله، والوحي عليه يتتابع.
ثم إن النبى ﷺ أخبر عمه أبا طالب بأن الله سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع فيها غير اسم الله تعالى الذى كانت قريش تستفتح به كتابها، وهو لفظ:
«باسمك اللهم»، ونفت منها الظلم وقطع الرحم. فانطلق أبو طالب في عصابة حتى أتوا المسجد، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلّموا رسول الله ﷺ، فقال أبو طالب: إنما أتيت في أمر هو نصف «١» فيما بيننا وبينكم:
إنّ ابن أخي أخبرنى بأمر «٢» فإن كان الحديث كما يقول فلا والله لا نسلمه حتّى نموت عن اخرنا، وإن كان الذى يقول باطلا دفعنا لكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. وأخبرهم الخبر، فقالوا: قد رضينا الذى تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما قال، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا. ثم مشى في نقض الصحيفة قوم من قريش، وأخرجوا بنى هاشم وبنى المطلب من الشعب، وذلك في السنة العاشرة من مبعثه ﷺ.
ثم قدم الطفيل بن عمرو الدوسي «٣» وكان شريفا في قومه، فأسلم، ثم استأذن
_________________
(١) النصف: أي: إعطاء الحق.
(٢) أى أكل الأرضة للصحيفة.
(٣) هو الطفيل بن عمرو بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس. استشهد ﵁ في وقعة اليمامة. بعثه رسول الله ﷺ إلى ذى الكفين- صنم عمرو بن حممة- فأحرقه بالنار. قدم مع أبى هريرة إلي النبى ﷺ. أسلم بمكة، ثم عاد إلى بلاد قومه، ثم وافى النبى ﷺ في عمرة القضاء وشهد فتح مكة. ولما وفد على النبى ﷺ قال له: اجعل لى اية، فقال النبى ﷺ: اللهمّ نوّر له» فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحوّل النور إلى طرف سوطه. فكان يضيء له في الليلة المظلمة، فلذلك سمى ذا النور. أسلم أبوه على يديه، وأسلم على يديه أبو هريرة الصحابى الجليل، وجندب بن عمرو بن حممة ومعه خمسة وسبعون رجلا. اهـ. (مختصرا من الإصابة لابن حجر) .
[ ١٣١ ]
النبيّ ﷺ ورجع إلى قومه، فأسلم منهم على يده ناس قليل، فرجع إلى النبى ﷺ فشكا ذلك إليه وسأله أن يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسا» ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. قال الطفيل: فلم أزل أدعوهم حتّى مضى الخندق، ثم قدمت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.
وقدم عليه ﷺ عشرون رجلا من نصارى نجران (مدينة بالحجاز، من شق اليمن معروفة، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أوّل من نزلها) وقال في النهاية: (موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن) حين بلغهم خبر من هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه ﷺ في المسجد، فجلسوا إليه وسألوه وكلموه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ كما أرادوا، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله تعالى، وتلا عليهم القران، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون (أى تنظرون) الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتّى فارقتم دينكم فصدّقتموه بما قال! لا نعلم ركبا أحمق منكم.
فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه. ويقال:
نزل فيهم قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٢: ٥٥] . ونزل قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٨٣] . وكان من القادمين على رسول الله ﷺ أميرهم العاقب عبد المسيح (من كندة) . ثم خرج ﷺ إلى الطائف.
قال الحافظ ابن عبد البرّ وغيره: أوّل موروث في الإسلام عديّ بن نضلة، وأوّل وارث نعمان بن عدي، وكان عدى قد هاجر إلى أرض الحبشة فمات بها، فورثه ابنه نعمان، واستعمله عمر على ميسان، ولم يستعمل من قومه غيره، فراود امرأته على الخروج فأبت، فكتب إليها يقول:
[ ١٣٢ ]
فمن مبلغ الحسناء أنّ حليلها بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنّتنى دهاقين قرية وصنّاجة تحذو على كل ميسم
إذا كنت ندمانى فبالأكبر اسقنى ولا تسقنى بالأصغر المتثلم
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا بالجوسق المتهدم
[والحنتم واحدة الحناتم: وهو في الأصل جرار مدهونة خضر، كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، ثم اتّسع فيها، فقيل للخزف كله حنتم، والصنّاجة: الة لهو، وهى الطبل المعروف المذكور، فى قول الحريري: * أحسنت بالعيش يا صنّاجة الجيش*] .
فبلغ ذلك «١» عمر ﵁ فكتب إليه يقول: بسم الله الرحمن الرحيم حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ١] . أما بعد.. فقد بلغنى قولك: «لعل أمير المؤمنين يسوؤه..»
إلى اخره. وأيم الله لقد ساءني» . ثم عزله.
فلما قدم عليه سأله، فقال: ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته، وما شربتها قط. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا.
فنزل البصرة ولم يزل يغزو مع المسلمين حتّى مات، وشعره فصيح تستشهد به أهل اللغة على «ندمان» بمعنى «نديم» . وهذه الحادثة مصداق قوله تعالى:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشعراء: ٢٢٤] . قال الشاعر:
«يقولون ما لا يفعلون» مذمّة من الله مذموم بها الشعراء
وما ذاك فيهم واحده بل زيادة يقولون ما لا يفعل الأمراء
_________________
(١) أى الشعر الذى قاله نعمان بن عديّ بن نضلة.
(٢) فى مراصد الاطلاع: «كانت تسمى قديما «وجّ» وسميت بالطائف: لمّا أطيف عليها الحائط» ثم قال: «وهى على ظهر جبل غزوان، وبها عقبة مسيرة يوم للطالع من مكة، ونصف يوم للهابط إلى مكة» .
[ ١٣٣ ]