وهو ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها، كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، وكذلك في الصحيح* خرّجه مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلتها بقيام، ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثة وثلاثين، فيفعل مائة، وورد صاع في زكاة الفطر فيجعله عشرة أصوع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع، وقلة أدب معه «١»، بل شأن العظماء إذا حدّدوا شيئا وقف عنده وعدّ الخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل
_________________
(١) * أى الحديث صحيح.
(٢) لأن الشارع كريم ورحيم، فكأن الفاعل لذلك يقول بلسان حاله: أنا أكرم من الله. تعالى الله عن ذلك، وكذلك في كل ما حدّده الشارع: لا تجوز الزيادة فيه ولا النقصان عنه، لأنه ورد بنص صريح، والله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم.
[ ٦٦ ]
والمزيد عليه، ولذلك نهى مالك ﵀ عن اتصال صيام ستة أيام من شوال برمضان، لئلا يعتقد أنها من رمضان «١» .
وخرّج أبو داود أنّ رجلا دخل إلى مسجد رسول الله ﷺ فصلّى الفرض، وقام ليصلى ركعتين، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: «اجلس حتّى تفصل بين فرضك ونفلك؛ فبذا هلك من كان قبلنا» فقال له رسول الله ﷺ: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب» «٢» . يريد عمر أنّ من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير للشرائع، وهو حرام إجماعا. زاد بعضهم: ومن البدع المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف. انتهى «٣»
ولكن قياسا على ما ذكره القليوبى من أن الاحتفال بالجنائز كان بدعة، ثم بعد أن دل على التعظيم صار مقبولا، فلا مانع أن يقاس عليه زخرفة المساجد والمصاحف، والمدار على النية وتحكيم الأحوال.
واعلم أنّ حكمنا على الزائد علي التسبيح بالكراهة إنما هو من حيث زيادته، فلا ينافى قول النووى وغيره إنه يثاب عليه، يعنى من حيث أنه ذكر، والله أعلم.