وهو ما تناولته قواعد النّدب وأدلته كصلاة التراويح، وإقامة أبّهة الأئمة والقضاة والحكام، على خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان تعظيم الناس في زمن الصحابة رضوان الله عليهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة، ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن، وحدثت قرون أخر، لا
_________________
(١) كان الصحابة يصلّون التراويح متفرقين، كل جماعة اتخذوا لهم إماما يصلّى بهم، فقال: «أراهم اتخذوا القران مغاني، والله لأجمعنهم على إمام واحد»، فلما جمعهم وراهم قال ذلك.
(٢) قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢] .
[ ٦٥ ]
يعظّمون إلا بالصور، فتعيّن تفخيم الصور حتّى تحصل المصالح، وقد كان عمر ﵁ يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة في كل يوم، لعلمه بأن الحالة التى هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة؛ فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النّظام، ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية بن أبى سفيان قد اتخذ الحجّاب وأرخى الحجاب، واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العليّة، وسلك ما يسلكه الملوك، سأله عن ذلك، فقال له: إنّا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: «لا امرك ولا أنهاك»، ومعناه أنت أعلم بحالك، هل أنت محتاج إلى هذا، فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يسوغ لك التخلّق به؟ فدلّ ذلك من عمر ﵁ وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والأعصار والقرون والأحوال، فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال. زاد بعض المتأخرين:
ومن البدع المندوبة إحداث نحو الرّبط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأوّل، والكلام على دقائق التصوّف والجدل، وجمع المحافل، والاستدلال فى المسائل العلمية إن قصد بذلك وجه الله تعالى.