ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلاة السلام أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله قد كذّبوك وقاتلوك وأخرجوك فأرى أن تمكّنني من فلان لقريب له فأضرب عنقه، وتمكّن حمزة من أخيه العباس، وعليّا من أخيه عقيل «٣» . وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا مودّة للمشركين، ما أرى أن تكون لك أسرى، فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
ووافقه على ذلك سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، وقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفّار، وعسى أن الله يهداهم بك فيكونوا لك عضدا. فقال ﵊: إنّ الله ليلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإنّ الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
_________________
(١) حليف الأنصار كان سيد بني عجلان وهو أخو معن بن عدي يكنى أبا عمرو وشهد أحدا وما بعدها مات سنة خمس وأربعين وهو ابن مائة وخمس عشرة.
(٢) بقعة بين مكّة والمدينة.
(٣) أسلم عام الحديبية وفي الإصابة تأخر إسلامه إلى عام الفتح. سكن البصرة، ومات بالشام، في خلافة معاوية. روى عن النبي أحاديث. وكان أسن من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسن من علي بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بمثل ذلك.
[ ١٠٧ ]
رَحِيمٌ «١» وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٢» ورأى ﵊ رأي أبي بكر بعد أن مدح كلا من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة «٣» فلا يفلتن أحد من أسراكم إلّا بفداء، وقد بلغ قريشا ما عزم عليه الرسول في أمر الأسرى، فناحت على القتلى شهرا ثم أشير عليهم من كبارهم ألّا يفعلوا كيلا يبلغ محمّدا وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمموا على ألّا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألّا يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه.