عدوُّ الله أبو جهل، أكبر مُجرمي قريش، وأكبرُ أعداءِ النبي - ﷺ -، ناصَبَه العِداءَ حتى آخِرِ رَمَقٍ من حياته، ملأ الأرضَ كُفرًا، وعاث في الأرض فسادًا، هو فرعونُ هذه الأُمَّة .. ومِن أكابِرِ شياطينِ الإنس -لعنه الله-.
مِن أجل الرئاسة وحسدًا للنبيﷺ -، جَحَد نبوَّة خليل الرحمن محمدٍ! - ﷺ -، وهو العليمُ بصِدقِ رسولِ - ﷺ -.
• عن المغيرةِ بنِ شُعبة - ﵁ - قال: "إنَّ أولَ يومٍ عَرفتُ فيه رسولَ الله - ﷺ - كنت أنا وأبو جهل بنُ هشام في بعضِ أزِقَّةِ مكة، إذْ لَقيَنَا رسولُ الله - ﷺ -، فقال رسولُ الله - ﷺ - لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هَلُمَّ إلى الله وإلى رسوله، إني أدعوك إلى الله"، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت مُنتهٍ عن سَبِّ آلهتِنا؟ هل تريدُ إلاَّ أن تشهدَ أنْ قد بَلَّغْتَ؟ فواللهِ لو أني أعلمُ أنَّ ما تقولُ حقًّا ما تَبِعتك!. فانصرف رسولُ الله - ﷺ -، وأقبل عَلَيَّ، فقال: واللهِ إني لأعلمُ ما يقول حقٌّ، ولكن بَنِي قُصَيٍّ قالوا: فينا الحِجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا النَّدْوة، قلنا: نعم، قالوا: فينا اللواءُ، قلنا: نعم، قالوا: فينا السِّقاية، قلنا: نعم. ثم أطعَموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكَّتِ الرّكَبُ قالوا: مِنَّا نَبِىٌّ! فلا واللهِ لا أفعل" (^١).
_________________
(١) "دلائل النبوة" للبيهقي، باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز (٢/ ٢٠٧).
[ ١ / ٢١٦ ]
° قال المِسْورُ بنُ مَخْرمة -وهو ابنُ أختِ أبي جهل- لأبي جهل: "يا خالي، هل كنتم تتَّهِمون مُحَمَّدًا بالكذِب قبلَ أن يقولَ ما قال؟ فقال: يا ابنَ أختي، واللهِ لقد كان محمدٌ فينا وهو شابٌّ يُدعَى "الأمين"، فما جرَّبنا عليه كَذِبًا قطُّ. قال: يا خال، فما لكم لا تتَّبعونه؟! قال: يا ابن أختي، تنازَعْنا نحن وبنو هاشم الشرفَ، فأطعَموا وأطعَمْنا، وسَقَوا وسَقَيْنا، وأجارُوا وأَجَرْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكَب -وكنَّا كفَرَسَيْ رهانٍ- قالوا: "مِنَّا نبيٌّ"، فمتى نُدرِك مثلَ هذه؟ ".
° وقال الأخنسُ بنُ شَريق يومَ بدرٍ لأبي جهل: "يا أبا الحكم، أخبِرْني عن محمدٍ، أصادِقٌ هو أمْ كاذبٌ، فإنه ليس ها هنا من قريش أحدٌ غيري وغيرُك يسمعُ كلامنا؟ فقال أبو جهل: وَيحك! واللهِ إن محمَّدًا لصادق، وما كَذَب محمدٌ قط، ولكنْ إذا ذهبتْ بنو قُصَيٍّ باللواءِ والحِجابةِ والسِّقايةِ والنُّبوَّة، فماذا يكون لسائِر قريش؟ " (^١).
° وروى البيهقي بسنده عن ابن إسحاقَ: حَدثَني الزُّهريُّ قال: حُدِّثتُ أنَّ أبا جهل وأبا سفيان والأخنسَ بنَ شَريق خَرَجوا ليلةً ليسمعوا من رسول الله - ﷺ - وهو يُصلِّي بالليل في بيته، فأخذ كلُّ رجل منهم مجلسًا ليستمع منه، وكلٌّ لا يعلمُ بمكانِ صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطَلَعَ الفجر تفرَّقوا، فجمعهم الطريقُ فتلاوَموا، وقال بعضُهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعضُ سفهائِكم لأوقعتم في نفسِه شيئًا. ثم انصرفوا .. حتى إذا كانت الليلةُ الثانيةُ عاد كلُّ رجل منهم إلى مجلسِه،
_________________
(١) "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى" لابن قيم الجوزية (ص ٥٠ - ٥١) - دار الريَّان للتراث - القاهرة.
[ ١ / ٢١٧ ]
فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجر تفرَّقوا، فجَمَعهم الطريقُ، فقال بعضُهم لبعضٍ مثلَ ما قالوا أولَ مرة، ثم انصرفوا .. فلما كانت الليلةُ الثالثةُ أخذ كلُّ رجلٍ منهم مجلسَه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طَلَع الفجرُ تفرَّقوا، فجَمَعهم الطريقُ، فقالوا: لا نَبْرَحُ حتى نتعاهَدَ ألاَّ نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرَّقوا. فلما أصبح الأخنسُ بن شَريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني -يا أبا حنظلة- عن رأيك فيما سمعتَ من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، واللهِ لقد سمعتُ أشياءَ أعرفُها وأعرفُ ما يُرادُ بها، فقال الأخنس: وأنا والذي حَلفتَ به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيتَه، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيُك فيما سمعتَ من محمدٍ؟ فقال: ماذا سمعتُ؟! تنازَعْنا نحن وبنو عبد منافٍ الشرفَ، أطعموا فأطعمنا، وحَمَلوا فحَمَلْنا، وأعطَوْا فأعطيْنا، حتى إذا تجاثَيْنا على الرُّكَب -وكُنَّا كفرسَيْ رِهان- قالوا: مِنَّا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء .. متى نُدرِكُ هذه؟ واللهِ لا نسمعُ به أبدَّاَ ولا نصدِّقه .. فقام عنه الأخنس بن شَريق" (^١).
فيا له من قزمٍ أحمقَ، مَكَّن الهوى والعنادَ من قلبه، والجحودَ والكفرَ والحسدَ والبَغْيَ مِن صَدره، والمخالفةَ من جوارحه، فصار يتقلَّبُ في ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعض، فمُدْخلُه ظُلمة، ومُخْرَجُه ظُلمة، وقولُه ظُلْمة، وعملُه ظلمة، وقَصْدُه ظلمة، وهو متخبِّطٌ في ظلماتِ طبعِه وشِرْكه وهواه، وقلبُه مُظلم، ووجهُه مُظلم .. أشرَقَ له نورُ النبوة، فكان بمنزلة إشراقِ الشمس على بصائرِ الخُفَّاش ..
_________________
(١) "البداية والنهاية" (٥/ ٦٢).
[ ١ / ٢١٨ ]
بصائرُ أعشاها النهارُ بضَوئِه … ولاءمَها قِطعٌ من الليل مظلِمُ
أصَمَّه اللهُ وأبْكَمَه وأعماه، فهو ميِّت الدارَين، فاقدُ السَّعَادتيْن، قد رضِي بخِزي الدنيا وعذابِ الآخرة، باع التجارةَ الرابحة بالصفقةِ الخاسرة، قلبُه عن نبي الله - ﷺ - مصدود، وسبيلُ الوصول إلى جنةِ ربِّه وقُربُه منه مسدود، هو وليُّ الشيطان، وعدوُّ الرحمن، وأبو الكفرِ والفسوقِ والعِصيان.
* ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾:
° عن سعيدِ بن جُبير قال: "قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥]، قال: قاله رسول الله - ﷺ - لأبي جهل، ثم أنزله الله - ﷿- " (^١).
* قال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٥].
° قال الطبري: " يقول تعالى ذِكرُه: لَم يُصدِّقْ بكتابِ الله، ولم يُصَلِّ له صلاة، ولكنه كَذَّب بكتابِ الله، وتولَّى فأدبَرَ عن طاعةِ الله".
° قال قتادة: "قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: لا صَدَّقَ بكتابِ الله، ولا صلَّى لله، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ كذَّب بكتاب الله، وتولَّى عن طاعة الله".
_________________
(١) رواه النسائي، وأبو داود. والحديث رجاله رجال الصحيح كما في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص ١٦٩) لمقبل الوادعي.
[ ١ / ٢١٩ ]
﴿ثمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾.
° قال قتادة: "أي: يتبختر .. وهو أبو جهل ابن هشام، كانت مشيته".
° وقال مجاهد: "كان يتبختر".
° وقال أيضًا: " ﴿يَتَمَطَّى﴾ أبو جهل".
° وقال ابن زيد: "هذا في أبي جهل متبخترًا" (^١).
• وقد نهى النبي - ﷺ - عن هذه المِشية، فقال: "إذا مَشَتْ أمَّتي المُطَيْطاء، وخَدمها أبناءُ الملوكِ -أبناءُ فارسَ والروم-، سُلِّط شِرارُها على خيارها" (^٢).
كان أبو جهلٍ عمرُو بنُ هشام يجيءُ أحيانًا إلى رسول الله - ﷺ - يَسمعُ منه القرآنَ، ثم يذهبُ عنه، فلا يؤمنُ ولا يُطيع، ولا يتأدبُ ولا يخشى؛ ويؤذِي رسولَ الله بالقول، ويَصُدُّ عن سبيل الله .. ثم يذهبُ مُختالًا بما يفعل، فخورًا بما ارتكب من الشر، كأنما فَعَل شيئًا يُذْكَر .. والتعبيرُ القرآني يتهكَّمُ به، ويَسخرُ منه، ويُثير السُّخرية كذلك، وهو يُصوِّرُ حركةَ اختياله بأنه ﴿يَتَمَطَّى﴾، يَمُطُّ في ظهره، ويتعاجَبُ تعاجُبًا ثقيلًا كريهًا!.
وكم من أبي جهلٍ في تاريخ الدعوة إلى الله، يَسمعُ ويُعرض، ويتفنَّنُ في الصَّدِّ عن سبيل الله والأذى للدعاة، ويمكرُ مَكْرَ السَّيِّء، ويتولَّى وهو
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢٣/ ٥٢٢، ٥٢٣، ٥٢٤).
(٢) صحيح: أخرجه الترمذي (٢٢٦١)، وابن المبارك في "الزهد" (١٨٧) زيادات نعيم بن حماد من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٨٠١)، والصحيحة" (٩٥٦). والمطيطاء: بالمدّ والقصر، مشية فيها تبختر ومدّ اليدين، ويُقال: مطوت ومططت بمعنى مددت وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر انظر "النهاية" (٤/ ٣٤٠). والمطا: هو الظهر.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فخورٌ بما أوقع من الشرِّ والسوء، وبما أفسد في الأرض، وبما صَدَّ عن سبيل الله، وبما مَكَر لدين الله وعقيدته وكاد!!.
والقرآنُ يواجهُ هذه الخُيلاءَ الشريرةَ بالتهديد والوعيد:
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾.
° قال الطبري: "هذا وعيدٌ من الله -﷿- على وعيدٍ لأبي جهل".
° وقال قتادة: "وعيدٌ على وعيد كما تسمعون .. زعم أن هذا أُنزل في عدو الله أبي جهل: ذُكر لنا أن نبي الله أَخَذ بمجامع ثوبه، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فقال عدُّو الله أبو جهل: أيوُعِدُني محمد، واللهِ ما تَستطيعُ لي أنت ولا ربك شيئًا، واللهِ لأنا أعزُّ مَن مَشَى بين جَبَلَيْها" (^١).
• وعن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قال: "أخذ النبيُّ - ﷺ - بيده - يعني بيَدِ أبي جهل-، فقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال: يا محمدُ، ما تستطيعُ أنت وربُّك فيَّ شيئًا، إني لأعَزُّ مَن بيْن جَبَلَيْها، فلمَّا كان يومُ بدرٍ أشرف عليهم، فقال: لا يُعبَدُ اللهُ بعدَ هذا اليوم أبدًا، فضَرَب اللهُ عُنُقَه، وقَتَله شرَّ قِتْلَةٍ" (^٢).
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢٣/ ٥٢٥)، و"تفسير ابن أبي حاتم"، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٠٨).
(٢) "أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٢٥)، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٣٣٥)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٢٩٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ١ / ٢٢١ ]
° وقال ابن زيد: "قال أبو جهل: إن محمدًا ليُوعِدُني، وأنا أعزُّ أهل مكة والبَطحاء".
وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتزُّ بعشيرته وبقوَّته وبسُلطانه، ويَحسبها شيئًا؟ ويَنْسَى اللهَ وأَخْذَه، حتى يأخذَه أهونَ من بعوضةٍ، وأحقرَ من ذُبابة .. إنما هو الأجلُ الموعود، لا يَستقدمُ لحظةً ولا يَستأخِر.
° يا عدوُّ الله، تتمطَّى ومِلءَ بطنِك الخُرء!!، أولّك نُطفةٌ مَذِرة، وآخِرُك جِيفةٌ قَذِرة، وأنت بين هذا وذاك تحمِلُ العَذِرة .. جَدُّك البعيد ترابٌ ذليل، وأبوك القريب ماءٌ مَهين، وأنت خَرجْتَ من مجرى البول مرتين ..
أنفٌ يسيلُ وأُذْنٌ كلُّها سَهَكٌ … والعينُ مُرمِصَةٌ والثَّغْرُ ملعوبُ
يا ابنَ الترابِ ومأكولَ الترابِ غدًا … قصِّرْ فإنك مأكولٌ ومشروبُ
بئس أبي جهل طغى وعتا، ونَسِيَ الجبَّارَ الأعلى .. نَسِيَ المبدأ والمنتهى .. نسى المقابر والبِلى.
* ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]:
تَبرُزُ صورةُ عدوِّ الله أبي جهل الطاغي الذي طغى وفَجَر، وبَغَى وتكبَّر، وأبطره الغنى، وهي صورةُ اللئيم الصغيرِ النفسِ الحقير، الهابط الذي يُؤتَى المالَ فتسيطر نفسُه به، حتى ما يُطيق نفسَه! ويروحُ يَشعرُ أن المالَ هو القيمةُ العليا في الحياة .. القيمة التي تَهُونُ أمامَها جميعُ القيم وجميعُ الأقدار: أقدارُ الناس، وأقدارُ المعاني، وأقدارُ الحقائق .. وتنطلقُ في كِيانه نفخةٌ فاجرة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
• عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: "هل يعَفِّر محمد وجهَه بين أظهركم؟! فقيل: نعم، فقال: واللاتِ والعُزَّى لئِن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رَقبتِه، ولأعُفِّرَنَّ وجهَه في التراب، قال: فأتى رسولَ الله - ﷺ - وهو يُصلِّيَ -زعم ليطأَ على رقبته -، قال: فما فجأهم منه إلاَّ وهو يَنْكصُ على عَقبْيه ويتَّقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله - ﷺ -: "لو دَنَا لاخْتَطَفَتْه الملائكةُ عُضْوًا عُضْوًا" .. قال: فأنزل الله -لا ندري (^١) في حديث أبي هريرة أو شيءٍ بَلَغه -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (^٢) (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ٦ - ١٩] " (^٣).
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يعني: أبا جهل.
_________________
(١) قال الشيخ مقبل بن هادي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص ١٧٥): هذا التردّد يعتبر فادحًا في صحة سبب النزول لكن كتبته لكثرة شواهده.
(٢) يعني: أبا جهل.
(٣) رواه أحمد (١٤/ ٤٢٥) (٨٨٣١)، ومسلم (٢٧٩٧/ ٢٨)، والنسائي (١١٦٨٣)، وابن أبي حاتم، وابن حبان (٦٥٧١)، وأبو نعيم في "الدلائل" (١٥٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ١٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٧٩)، وذكره ابن جرير في "تفسيره" (٢٤/ ٥٣٨)، وابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٤٦١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
° زاد عُبيد الله في حديثه قال: "وأَمَره بما أمره به".
° وزاد عبد الأعلى: " ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، يعني: قومه".
• وعن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس - ﵁ - قال: " كان رسولُ الله - ﷺ - يُصلِّي، فجاءه أبو جهل فنهاه أن يُصلِّي، فأنزل اللهُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ هو فقال: لقد عَلِم أني أكثرُ هذا الوادِي ناديًا .. فغضب النبيُّ - ﷺ - فتكلَّمَ بشيءٍ -قال داود: ولم أحفَظْه- فأنزل اللهُ (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، فقال ابن عباس: فواللهِ لو فعل لأخذته الملائكةُ من مكانه" (^١).
• وعن داودَ بنِ أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - ﷺ - يُصلي عند المَقام، فمرَّ به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمدُ، ألم أنْهَكَ عن هذا؟ -وتوعَّده-، فأغلَظ له رسولُ الله - ﷺ - وانتهره، فقال: يا محمد، بأيِّ شيءٍ تُهدِّدُني؟ أما واللهِ إني لأكثرُ هذا الوادي ناديًا، فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديه، أخذته زبانية العذاب من ساعته" (^٢).
_________________
(١) سنده صحيح: أخرجه ابن جرير واللفظ له (٢٤/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، وأحمد (٥/ ١٦٧) (٣٠٤٤)، والحاكم (٢/ ٤٨٧، ٤٨٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ١٩٢)، وأخرجه الطبراني (١١٩٥٠).
(٢) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ٢٩٨)، وأحمد (٤/ ١٦٤) (٢٣٢١)، والترمذي (٣٣٤٩) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، والنسائي في "الكبرى" (١١٦٨٤) من طريق أبي خالد به، وابن جرير (٢٤/ ٥٣٧) وأخرجه ابن مردويه -كما في "تخريج الكشاف" للزيلعي (٤/ ٢٤٨) من طريق علي بن مُسهِر به، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٣٩): رجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٢٢٤ ]
° ولفظ الترمذي: "كان النبيﷺ - يُصلِّي، فجاء أبو جهل، فقال: ألمْ أنْهَكَ عن هذا؟! ألم أَنْهَك عن هذا؟! فانصرف النبيﷺفزَبَره (^١)، فقال أبو جهل: إنك لَتعلمُ ما بها نادٍ أكثرُ منِّي!! فأنزل الله ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديَه لأخذته زبانيةُ الله".
° قال ابن جرير الطبري: "يُعَجِّبُ جَل ثناؤه نبيَّه والمؤمنين من جهل أبي جهل، وجَرَاءَتهِ على ربِّه، في نهيه محمَّدًا عن الصلاة لربِّه، وهو مَعَ أياديه عندَه مكذّبٌ بَه".
° قال قتادة: "وكان يُقال: لِكُلِّ أمةٍ فرعون، وفرعونُ هذه الأمَّة أبو جهل" (^٢).
صورةٌ مستنكَرة لطاغٍ لئيم، أرأيتَ هذا الأمرَ الشنيعَ العجيبَ؟! ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾؟! أرأيت حين تُضَمُّ شناعة إلى شناعة؟ وتُضَاف بشاعةٌ إلى بشاعة؟ أرأيتَ إن كان هذا الذي يُصلي ويتعرَّضُ له مَن ينهاه عن صلاته .. إنْ كان على الهُدى أوْ أمر بالتقوى؟ ثم ينهاه مَن ينهاه، مع أنه على الهدى، آمِرٌ بالتقوى؟.
° قال الطبري: "أرأيت ﴿إِن كَانَ﴾ محمدٌ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾، يعني: على استقامةٍ وسَدادٍ في صلاته لربه!! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾: أوْ أَمر محمدٌ هذا الذي ينهى عن الصلاة باتقاء الله وخوف عقابه.
_________________
(١) زبره: أي نَهَر النبي - ﷺ - أبا جهل.
(٢) "تفسير الطبري" (٢٤/ ٥٣٣، ٥٣٤).
[ ١ / ٢٢٥ ]
﴿أَرَأَيْتَ إِن كذبَ وَتَوَلَّى﴾: أرأيت إن كَذَّب أبو جهل بالحق الذي بَعَث به محمدًا ﴿وَتَوَلَّى﴾، وأدبر عنه فلم يصدق به" (^١)!!.
وهكذا يُضيفُ اللئيمُ أبو جهل إلى الفِعلةَ الستنكَرة فِعْلَةً أخرى أشدَّ نُكرًا.
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾: ألم يعلم أبو جهل إذْ ينْهَى محمدًا عن عبادة ربه والصلاة له، بأن الله يراه، فيخافَ سطوتَه وعقابَه؟!!.
﴿كَلاَّ﴾: ليس كما يقول: "إنه يَطأُ عُنُقَ محمد"، لا يَقدرُ على ذلك، ولا يَصلُ إليه .. ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾: لئن لم ينته أبو جهل عن محمدٍ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾: لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه، فلنُضِيمنَّه، ولنُذِلَّنَه .. يُقال منه: سَفَعتُ بيده، إذا أخذتُ بيده، وقيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، المعنى: لنُسوِّدَنَّ وجهَه، فاكْتُفِيَ بذِكرِ الناصية من الوجه كلِّه، إذْ كانت الناصيةُ في مُقدَّم الوجه.
وقيل: معنى ذلك: لنأخُذَنَّ بناصيتِه إلى النار، كما قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
والسَّفْعُ: القبضُ الشديد بجَذْبٍ، والناصية: مقدَّم شعرِ الرأس، وفيه إذلالٌ؛ لأنهم كانوا لا يَقبِضون على شعرِ رأسِ أحدٍ إلاَّ لِضَرْبِه أوْ جَرِّه، وأكَّد ذلك السَّفْعَ بالباء المزيدة الداخلة على المفعول لتأكيد اللصوق.
يا سبحان الله، أعلى مكانٍ يرفعُه الطاغيةُ المتكبِّر مُقدَّمُ الرأس المتشامخ، إنها ناصيةٌ تستحقُّ السَّفعَ والصَّرْعَ ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، لكأنَّ الكذبَ والخِطْءَ باديانِ من ناصيتِه، فكانت الناصيةُ جديرةً بالسَّفْع. والمعنى لصاحبها.
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢٤/ ٥٣٤، ٥٣٥).
[ ١ / ٢٢٦ ]
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾: فلْيَدْعُ أبو جهل أهل مَجلسه وأنصارَهِ من عشيرته وقومه.
والنادي (^١): هو المجلس .. قال ابن عباس: "فليدع ناصِرَه".
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (^٢): قال قتادة ومجاهد: "الملائكة"، والمراد ملائكة العذاب.
° "وهذه الآية معجزةٌ خاصةٌ من معجزات القرآن، فإنه تحدَّى أبا جهل بهذا، وقد سمع أبو جهل القرآنَ وسَمِعه أنصارُه، فلم يُقدِمْ أحدٌ منهم على السَّطْوِ على الرسول - ﷺ -، مع أن الكلامَ يُلهِبُ حَمِيَّته" (^٣).
﴿كَلاَّ لا تطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾:
يقول تعالى ذِكرُه: "ليس الأمرُ كما يقول أبو جهل، إذ يَنهى محمدًا
_________________
(١) قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" (٣٠/ ٤٥١): "النادي: اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، يُقال: نَدَا القومُ نَدْوًا، إذا اجتمعوا. والنَّدْوة: الجماعة. ويقال: نادٍ ونَدِيّ، ولا يُطلق هذا الاسمُ على المكان إلاَّ إذا كان القوم مجتمعين فيه، فإذا تفرَّقوا عنه فليس بنادٍ، وُيقال: "النادي" لمجلس القوم نهارًا، فأما مجلسهم في الليل فيسمى: "المسامر"، قال تعالى: ﴿سَامرًا تَهجرون﴾. ويطلق النادي على الذين ينتدون فيه. يقال: إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديًا: أي ناسَا يجلسون إلي، يريد أنه رئيس يصمد إليه".
(٢) الزَّبانية: بفتح الزاي جمع زَباني: بفتح الزاي وبتحتية مشدَّدة، أو جمع زِبْنِية بكسر الزاي فسكون، أو جَمع زِبْنِي، وقِيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل أبابيل وعَبَاديد. وهذا الاسم مشتق من الزَّبن: وهو الدفع بشدة، يُقال: ناقة زبُون: إذا كانت تركُل من يحلِبُها، وحرب زبون يدفع بعضها بعضًا بتكرر القتال.
(٣) "تفسير التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور (٣٠/ ٤٥٢).
[ ١ / ٢٢٧ ]
- ﷺ - عن عبادة ربِّه والصلاةِ له .. ﴿لا تُطِعْهُ﴾، يقول جل ثناؤه لنبيِّه محمد - ﷺ -: لا تطعْ أبا جهل فيما أَمَرك به من ترك الصلاة لربِّك، واسجد لربِّك واقترب منه بالتحبُّب إليه بطاعته، فإنَّ أبا جهلٍ لن يَقْدِرَ على ضَرك، ونحن نمنعُك منه" (^١).
° وكان أبو جهل يقولُ ساخرًا: "اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم"!! فنزلت الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ..﴾ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] (^٢).
° وقال أبو جهل -لعنه الله -كما قال تعالى مخبرًا عنه وعن أضرابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢] (^٣).
° قال السيوطي في "الدر المنثور" (١١/ ١٧٠): "أخرج ابنُ مَرْدُويه عن ابن عباس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، قال: كان عدوَّ الَنبي - ﷺ - أبو جهل، وعدوّ موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى".
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢٤/ ٥٤٠، ٥٤١).
(٢) رواه البخاري (٥/ ١٩٩) - كتاب التفسير بادٍ قوله: ﴿وِإذ قالوا اللَّهم ..﴾، وباب قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾، ورواه مسلم (٤/ ٢١٥).
(٣) "البداية والنهاية" (٥/ ٦٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]