أبو منصور العِجْلي، رجلٌ من أهل الكوفة من عبدِ القيس، وله فيها دارٌ، وكان منشأه بالبادية، وكان أميًّا لا يقرأ (^١).
ولم يَدعَّ النبوةَ من أولِ أمره، بل قَدَّم لذلك بمقدِّمات وتمهيدات، وصل بعدها إلى ما يريد.
فأولَ ما ادَّعى أنه خليفةُ أبي جعفر محمدِ بنِ علي بن الحسين المسمَّى بالباقر، وأنه فَوَّض إليه أَمْرَه، وجَعَله وصيَّه من بعده (^٢).
ثم زَعَم أن الرسل لا تنقطع أبدًا، وأن الرسالة لا تنقطع (^٣).
وبعد ذلك ادَّعى أن عليَّ بن أبي طالب - ﵁ - نبيٌّ ورسول، وكذا الحسن والحسين وأبناء الحسين، ثم لَمَّا كان هو خليفةَ الباقر محمدِ بن علي ابن الحسين -وقد كان هذا في زعمه نبيًّا-، فإن النبوَّةَ تحوَّلت إليه، وقال: أنا نبي ورسول، والنبوةُ في سِتَّةٍ من ولدي يكونون بعدي أنبياءَ آخِرهم القائم (^٤).
وزعم أن جبرائيل - ﵇ - يأتيه بالوحي من عند الله - ﷿ -، وأن الله بَعث محمدًا بالتنزيل، وبعثه هو -يعني نفسه- بالتأويل (^٥).
وادَّعى أنه عُرج به إلى السماء، وأن الله تعالى مَسَح بيده على رأسه،
_________________
(١) "فرق الشيعة" (ص ٥٤).
(٢) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٤)، و"فرق الشيعة" (ص ٥٤).
(٣) "الملل" (١/ ١٧٩)، و"مقالات الإسلاميين" (١/ ٧٥)، والفصل، (٤/ ١٨٥).
(٤) "فرق الشيعة" (ص ٥٤).
(٥) "فرق الشيعة" (ص ٥٤).
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقال له: يا بنيَّ، بلِّغْ عني .. ثم أنزله إلى الأرض، وزعم أنه الكِسْفُ الساقطُ من السماء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤] (^١).
وزعم أنَّ أولَ ما خَلق الله تعالى هو عيسى بن مريم - ﵇ -، ثم عليُّ بن أبي طالب كرم الله وجه (^٢)، وزعم أن الله اتخذه خليلًا (^٣).
وهو لا يؤمن بالجنة والنار (^٤)، وزعم أن الجنةَ رجلٌ أُمرنا بموالاته، وهو إمامُ الوقت، وأن النار رجلٌ أُمِرنا بمعاداته، وهو خَصم الإِمام (^٥).
ومن تأويلاته في الشريعة أنه تأوَّل المحرَّماتِ كلَّها على أسماءِ رجالٍ أَمَرنا اللهُ بمعاداتهم، وتأول الفرائض على أسماءِ رجالٍ أَمَرنا بموالاتهم (^٦).
وقد أباح المحرمات من الزنا والخمر والميتة والخنزيرِ والدم (^٧).
وقال: لم يُحرِّم اللهُ ذلك علينا، ولا حرَّم شيئًا تقوى به أنفسنا (^٨).
وأسقط الصلاة والزكاة والصيام والحج (^٩).
_________________
(١) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٤٤)، "فرق الشيعة" (ص ٥٤)، و"الملل" (١/ ١٧٨)، و"الفصل" (١٨٥/ ٤).
(٢) "الملل" (١/ ١٧٩)، و"الفصل" (٤/ ١٨٥)، و"مقالات الإسلاميين" (١/ ٨٥).
(٣) "فرق الشيعة" (ص ٥٤).
(٤) "مقالات الإسلاميين" (١/ ٧٥)، و"الفرق بين الفرق" (ص ٢٤٥).
(٥) "الملل" (١٧٨/ ١)، و"مقالات الإسلاميين" (١/ ٧٥)، و"الفرق بين الفرق" (ص ٢٤٥).
(٦) "الملل" (١/ ١٧٩)، و"مقالات الإسلاميين" (١/ ٧٥)، و"الفصل" (٤/ ١٨٥).
(٧) "الفصل" (٤/ ١٨٥)، و"مقالات الإسلاميين" (١/ ٧٥).
(٨) "مقالات الإسلاميين" (١/ ٧٥).
(٩) "الفصل" (٤/ ١٨٥)، و"الملل" (١/ ١٧٩)، و"المقالات" (١/ ٧٥).
[ ١ / ٤٠٤ ]
° وكان يأمر أصحابَه بخَنقِ مَن خالَفَهم وقَتْلهم بالاغتيال، ويقول: "مَن خالَفكم هو كافر مُشرك، فاقتلوه، فإن هذا الجهادُ الخفيُّ".
وذكر هشامُ بنُ الحكم الرافضى في كتابه المعروف بـ "الميزان"، وهو أعلمُ الناس بهمَ -لأنه جارُهم بالكوفة وجارُهم في المذهب- أن الكِسْفيةَ خاصة يقتلون مَن خالفهم (^١).
استمرت فتنتُهم على عادتهم، إلى أن وقف يوسفُ بنُ عمرَ الثقفيُّ والي العراق في زمانه على عَورات المنصورية، فأخذ أبا منصور العِجْلي وصَلَبه (^٢)، وذلك في أيام هشام بن عبد الملك (^٣).
° يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في قول عبد القاهر البغدادي في "الفَرْق بين الفِرَق" عن أبي منصور العِجْلي: "زَعْمُ أنه الكِسْفُ الساقط من السماء": "الذي ذَكره الشهرستانيّ في "الملل والنحل" أن عليًّا هو الكِسْفُ الساقط من السماء، وربما قال: الكِسفُ الساقط من السماء هو الله -﷿-"، ولكن الأشعريَّ ذكر مثل ما ذكره المؤلِّفُ هنا (^٤).
° قال: "وإن أبا منصور قال: آلُ محمد هم السماءُ، والشيعةُ هم الأرض، وأنه هو الكِسْفُ الساقط مِن بني هاشم".
_________________
(١) "فرق الشيعة" (ص ٥٤)، و"الفرق" (ص ٢٣٥)، "الفصل" (٤/ ١٨٥)، و"أصول الدين" (ص ٣٣١)، و"الفصل" (٥/ ٤٥).
(٢) "الفرق" (ص ٢٣٥)، و"المقالات" (١/ ٧٥).
(٣) "الملل" (١٧٩/ ١).
(٤) وبذا قال ابن حزم في "الفصل" (٥/ ٤٥): "وكان يُقال: إنه المراد بقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾.
[ ١ / ٤٠٥ ]
° يقول عبد القاهر البغدادي عن "المنصورية" الخارجة عن فرق الإسلام وهي فرقة أبي منصور العجلي، وتُسمى أيضًا "الكِسْفِيَّة": "كَفَرت هذه الطائفةُ بالقيامة والجنة والنار، وتأوَّلوا الجنةَ على نَعيم الدنيا، والنار على مِحَنِ الناس في الدنيا، واستحلُّوا خَنْقَ مُخالفيهم، وهذه الفرقةُ أيضًا غيرُ معدودةٍ في فِرق الإسلام، لكُفرِها بالقيامة والجنة والنار" (^١).