* قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
مثلٌ للحقِّ والباطل يضربُه الله: إن الماء لَينزلُ من السماء فتَسيلُ به الأودِية، وهو يَلُمُّ في طريقه غثاءً، فيطفو على وجهه في صورةِ الزَّبد حتى ليَحجُبَ الزَّبدُ الماءَ في بعض الأحيان .. هذا الزَّبد نافشٌ رابٍ منتفخ -ولكنه بَعدُ غثاءٌ-، والماء منْ تحته ساربٌ ساكنٌ هادئ .. ولكنه هو الماءُ الذي يحملُ الخير والحياة .. كذلك يقعُ في المعادن التي تُذابُ لتصاغَ منها حِليةٌ كالذهب
[ ١ / ٢٠٦ ]
والفضَّة، أو آنيةٌ، أو آلةٌ نافعةٌ للحياة، فإنَّ الخَبَثَ يطفو وقد يَحجُبَ المعدِنَ الأصيل، ولكنه بَعْدُ خَبَثٌ يَذهبُ ويبقى العدن في نقاء.
ذلك مَثَلُ الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطلُ يطفو ويعلو ويَنتفخُ ويبدو رابيًا طافيًا، ولكنه بَعْد زبدٌ أوْ خَبَث، ما يَلبثُ أن يذهبَ جُفاء مطروحًا لا حقيقةَ له ولا تماسُك فيه .. والحق يظل هادئًا ساكنًا، وربما يَحسبه بعضهم قد انزوى، أو غار، أو ضاع، أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماءِ المحيي والمعدِن الصريح.
* وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٦].
إن الكلمةَ الطيِّبة -كلمةَ الحق- كالشجرة الطيبة .. ثابتةٌ سامقةٌ مثمرة .. ثابتةٌ لا تزعزغها الأعاصير، ولا تعصِفُ بها رياحُ الباطل، ولا تقوى عليها مَعاولُ الطغيان، سامقةٌ متعالية، تطِلّ على الشرِّ والظُّلم والطغيان مِن عَلٍ وإنْ خُيِّل إلى البعض أحيانًا أن الشر يَزْحَمها في الفضاء، مثمرةٌ لا ينقطعُ ثمرُها؛ لأن بُذورَها تَنبتُ في النفوس المتكاثرة آنًا بعد آن.
وإنَّ الكلمةَ الخبيثةَ -كلمةَ الباطل- كالشجرة الخبيثة، قد تَهيجُ وتتعالى وتتشابك، ويخيَّلُ إلى بعضِ الناس أنها أضخمُ من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظلُّ نافشةً هشَّةً، وتظل جذورها في التربة قريبةً حتى لكأنها على وجهِ الأرض .. وما هي إلاَّ فترةٌ ثم تُجتَثُّ من فوقِ الأرض، فلا قرار لها
[ ١ / ٢٠٧ ]
ولا بقاء.
والخيرُ الأصيل لا يموتُ ولا يَذوِي، مهما زَحَمه الشرُّ وأَخَذ عليه الطريق .. والشرُّ كذلك لا يعيشُ، بل يتهالكُ ويتهشَّم، مهما تضخَّم واستطال.
إنَّ الخيرَ بخير! وإنَّ الشرَّ بِشَر.
* ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾:
كلامُ الملوك ملوكُ الكلام، فقد تكفَّل اللهُ بنصرِ نبيِّه .. فقد نصَرَه الله .. هكذا أتت بصيغة الماضي .. قبل هذا الوجود .. وقبل خَلقِ السماوات والأرض بخمسين ألفَ سَنةٍ حين قدَّر الله مقاديرَ الخلائق .. بل قبل ذلك .. فالقرآن من كلام الله، وكلامُ الله صفة لله .. انتهت القصة والأيامُ كفيلةٌ بإبرازِ ذلك .. يَبقى ذِكرُه، ويتولَّى الله نُصرتَه، ويذهبُ شانؤوه إلى مزابلِ التاريخ.
﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، يَكفيك من كلِّ ما أهمَّك، يَحفظُك في الأزمات، وَيرعاك في المُلِمَّات، ويَحميك في المُدْلَهمَّات.
﴿حَسْبُكَ الله﴾، فهو ناصرُك على كلِّ عدو، ومُظهِرك على كلِّ خَصم، ومؤيِّدك في كلِّ أمر، يُعطيك إذا سألت، ويغفرُ لك إذا استغفرت، وَيزيدُك إذا شكرت، ويَذكُرُك إذا ذَكرت، وينصرك إذا حاربت، ويوفِّقك إذا حَكمت.
﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، يَمنحُك العِزَّ بلا عشيرة، والغِنَى بلا مال، والحفظَ بلا حَرَس، فأنت المُظَفَّر؛ لأنَّ الله حَسْبُك! وأنت المُوفَّق لأنَّ الله حَسْبُك،
[ ١ / ٢٠٨ ]
فلا تَخَفْ من عينِ حاسد، ولا مِن كيد كائد، ولا مِن مَكْرِ ماكر، ولا مِن خُبثِ كافر، ولا من حِيلةِ فاجر؛ لأن الله حسبُك.
﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، مِن صولةِ الباطل، ودعايةِ الشِّرك، وجَلَبَةِ الخصوم، ووعيدِ اليهود، وخُبْثِ النصارى وكفرِهم، وتَربُّص المنافقين، وشماتةِ الحاسدين.
﴿حسْبُكَ اللهُ﴾ .. إذا أعرَضَ القريب، وشَمِت العدو .. إذا أتت المصائب، وتوالَتِ الخطوب، وحفَّتِ النكبات.
﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ .. إذا أبطأ النصرُ، وتأخرَّ الفتح، واشتدَّ الكرب، وادْلَهمَّ الخَطْب .. أنت مَحفوظٌ لأنك بعين الله، وأنت محروسٌ لأنك خليلُه، وأنت في رعياته لأنك رسولُه، وأنت في حِمايته لأنك عبدُه المُجتبَى، ونبيُّه المصطفى - ﷺ - ولأنك الجوهرة اليتمية التي ما جاد بِمثلها الزمان -مِن قَبَلك ولا من بعدِك- إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها.
° قال ابن عباس - ﵁ - ولله درُّه -: "واللهِ ما خَلَق الله وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكرمَ عليه من محمدٍ - ﷺ - .. وما أقسَمَ اللهُ بحياةِ أحدٍ غيره".
* قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ..
فهو الذي تَمَّ معناهُ وصورتُهُ … ثُم اصطفاه خليلًا بارئُ النَّسَمِ
* * *
[ ١ / ٢٠٩ ]