نَقَل السُّهيلي في "الروض الأُنُف" أن عدوَّ الله أُميةَ بنَ خَلَف بَصَق في وجهِ النبي - ﷺ - (^٣)، وكان هذا اللعينُ الذي سَبَقت له الشِّقوةُ من ربِّه أحدَ النَّفر الذين دعا عليهم النبيﷺ - لما وضعوا فَرْثَ الجزورِ ودَمَها وسَلاها بين كتفَيِ النبيِّ - ﷺ - وهو ساجد، وضحِكوا حتى مال بعضُهم على بعضٍ من الضَحك.
• عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - حَدَّث عن سعدِ بنِ معاذ أنه كان صَديقًا لأُميَّةَ بن خَلَفٍ، وكان أُمَيَّةُ إذا مَرَّ بالمدينة نزل على سعدِ بنِ معاذٍ،
_________________
(١) هو الوليد بن عتبة.
(٢) أي: جعلوهم يزورون المنايا، أي يذوقونها.
(٣) "الروض الأنف" (٢/ ٤٨).
[ ١ / ٢٧٨ ]
وكان سعدٌ إذا مَر بمكة نزل على أُميَّة، فلما قَدم رسولُ الله - ﷺ - المدينة، انطلق سعدُ بنُ معاذٍ معتمِرًا، فنزل على أُمَيَّة بمكةَ، فقال لأُمية: انظرْ لي ساعةَ خَلْوة؛ لعَلِّي أطوفُ بالبيت، فخرج به قريبًا من نصفِ النهار، فلَقِيَهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، مَن هذا معك؟ قال: هذا سعد. قال له أبو جهل: ألَا أَراك تطوفُ بمكةَ آمِنًا، وقد آويتم الصُّباةَ (^١)، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتُعينُونهم! أمَا واللهِ، لولا أنك مع أبي صفوانَ ما رَجَعتَ إلى أهلك سالمًا. فقال له سعد -ورفع صوتَه عليه-: أمَا والله، لئن مَنَعْتني هذا، لأمنعنَّك ما هو أشَدُّ عليك منه؛ طريقَك على المدينة. فقال له أُمَيَّةُ: لا ترفعْ صوتَكَ يا سعدُ - على أبي الحكم، فإنه سيِّدُ أهل الوادي، قال سعد: دَعْنا عنك يا أمية، فواللهِ لقد سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "إنهم قاتلوك". قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أُمَيَّةُ فزغا شديدًا، فلما رجع إلى أهله قال: يا أُمَ صفوان، أَلَمْ تَرَيْ ما قال سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زَعَم أن محمدًا أخْبَرَهم أَنَّهم قاتِليَّ، فقالتُ له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أُمَيَّةُ: والله لا أخرجُ من مكة، فلما كان يومُ بدرٍ، استَنْفَرَ أبو جهل الناس، فقال: أدرِكوا عِيرَكم. فكَرِه أميةُ أن يخرج، فأتاه أبو جهلٍ، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلَّفتَ وأنت سيِّدُ أهل الوادي، تخلَّفوا معك. فلم يَزَل به أبو جهل حتى قال. أَمَّا إذ غَلَبتَني، فواللهِ لأشتريَن أجْوَدَ بعيرٍ بمكة، ثم قال أميةُ: يا أمَّ صفوان، جَهِّزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نَسِيتَ ما قال لك أخوك اليثربيُ؟ قال: لا، وما أريدُ أن أجوزَ معهم إلاَّ
_________________
(١) الصبُّاة: بضم المهملة وتخفيف الموحدة، جمع صابئ، وهو الذي ينتقل من دين إلى دين.
[ ١ / ٢٧٩ ]
قريبًا، فلمَّا خرج أميةُ، أخذ لا ينزلُ منزلًا إلاَّ عَقَل بعيرَهُ، فلم يزل كذلك حتى قَتَله الله ببدر" (^١).
° وعند أحمد: "قالت له امرأته: واللهِ إن محمدًا لا يَكذِب".
• وعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: "كاتَبْتُ أُميةَ بنَ خلفٍ كتابًا بأن يَحْفَظَني في صاغيتي (^٢) بمكة، وأحفَظَه في صاغِيَتِه بالدينة، فلمَّا ذكرتُ "الرحمن" قال: لا أعرفُ "الرحمن"، كاتِبْني باسمك الذي كان في الجاهلية. فكاتبته "عبدَ عمرو"، فلمَّا كان يومُ بدرٍ، خرجتُ إلى جبلٍ لأُحرِزَه حين نام الناس، فأبصرَه بلالٌ، فخرج حتى وقف على مجلسٍ من الأنصار فقال: أُمَيَّةُ بن خلف؟! لا نجوتُ إِنْ نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلمَّا خَشِيتُ أن يلْحَقُونا، خَلَّفتُ لهم ابنَه لأشغَلَهم، فقتلوه، ثم أَتَوْا حتى تَبِعُونا، وكان رجلًا ثقيلًا، فلمَّا أدركونا قلتُ له: ابْرُك. فبَرَك، فألقيتُ عليه نَفْسي لأَمنَعَه، فتخلَّلوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدُهم رِجلي بسيفه. فكان عبد الرحمن بن عوف يُرِينا ذلك الأثَرَ في ظَهرِ قدمه" (^٣).