* قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣].
° قال ابن القيم -﵀-: "ما جَمَع اللهُ سبحانه لرسوله في آيةِ الفتح من أنواع العطايا، وذلك خَمسةُ أشياء:
أحدها: الفتحُ المبين.
والثاني: مغفرةُ ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر.
والثالث: هدايتُه الصراطَ المستقيم.
والرابع: إتمامُ نعمته عليه.
والخامس: إعطاءُ النصر العزيز .. وجَمَع سبحانه له بين الهُدى والنصر؛ لأن هذيْن الأصلَيْن بهما كمالُ السعادة والفلاح، فإن الهدى هو العلم بالله ودينه، والعملُ بمرضاته وطاعته، فهو العلمُ النافع والعملُ الصالح، والنصرُ والقُدرةُ التامة على تنفيذ دينه.
فالحُجةُ والبيانُ والسيفُ والسِّنان، فهو النصرُ بالحجة واليد، وقَهَر قلوبَ المخالفين له بالحجة، وقَهَر أبدانهم باليد" (^١).
_________________
(١) "بدائع الفوائد" (٢/ ١٦).
[ ١ / ٥٧ ]
* ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: "بإظهاره إياك على عدوِّك، ورَفْعِه ذِكرَك في الدنيا، وغفرانِه ذنوبك في الآخرة.
* ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: وُيرشدك طريقًا من الدِّين لا اعوِجاجَ فيه، يستقيمُ بك إلى رضا ربِّك.
* ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾: وينصرُك اللهُ على سائر أعدائك ومَن ناوَأكَ، نصرًا لا يَغْلِبُه غالب، ولا يَدْفَعْه دافعٌ؛ للبأس الذي يُؤَيِّدك اللهُ به، وبالظَّفَر الذي يُمِدُّك به" (^١).
* ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾:
° قال ابن عباس - ﵄ - في رواية عكرمة: "يعني النجوم التي تُرمَى بها الشياطين إذا سَقطت في آثارها عند استراق السمع .. وهذا قول الحسن، وهو أظهرُ الأقوال، ويكون سبحانه قد أقسَمَ بهذه الآية الظاهرة المشاهَدة التي نَصَبها الله سبحانه آيةً وحِفْظًا للوحي من استراق الشياطين له على أنَّ ما أتى به رسولُه حقٌّ وصِدقٌ، لا سبيلَ للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد أُحرِس بالنجم إذا هَوَى رَصَدًا بين يدي الوحي، وحَرَسًا له.
وبين المقسَم به والمُقسَم عليه من التناسب ما لا يَخفى؛ فإن النجومَ التي تَرمي الشياطينَ آيةٌ مَن آيات الله، يَحفظُ بها دينَه ووحيَه وآياتِه المنزَّلةَ على رسوله، بها ظَهَر دينُه وشَرعُه، وأسماؤه، وصفاته، وجُعِلت هذه النجومُ المشاهَدة خَدَمًا وحَرَسًا لهذه النجوم الهاوية.
ونَفَى سبحانه عن رسوله - ﷺ - الضلالَ المنافيَ للهدي، والغَيَّ المنافيَ
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢١/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
[ ١ / ٥٨ ]
للرشاد، ففي ضمن هذا النفي الشهادةُ له بأنه على الهدى والرشاد، فالهدى في عِلمه، والرشادُ في عمله، وهذان الأصلان هما غايةُ كمالِ العبد، وبهما سعادتُه وفلاحُه، وبهما وَصَف النبيُّ - ﷺ - خلفاءَه، فقال: "عليكم بسُنَّتي وسُنة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّينَ من بعدي" (^١)، فالراشد ضدُّ الغاوي، والمَهْدِيُّ ضَدُّ الضالَ، وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو صاحبُ الهدى ودينِ الحق، ولا يَشتبِهُ الراشدُ المَهدِيُّ بالضالِّ الغَوِيِّ إلاَّ على أجهلِ خَلقِ الله، وأعماهم قلبًا وأبعدِهم من حقيقة الإِنسانية.
° ولله درُّ القائل:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظِرِه … إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلَمُ
وتأمَّلْ كيف قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ولم يقل: "ما ضلَّ محمدٌ"، تأكيدًا لإِقامةِ الحُجَّةِ عليهم بأنه صاحبُهم، وهم أعلمُ الخلق به وبحاله وأقوالِه وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكَذِبٍ ولا عِيٍّ ولا ضلال، ولا يَنقِمون عليه أمرًا واحدًا قط". اهـ من كلام ابن القيم.
* ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]:
° قال ابن القيم: "قال سبحانه يُنزِّهُ نُطقَ رسوله أن يَصدُرَ عن هوًى، وبهذا الكمال هداه وأرشده، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ولم يقل: "وما ينطق بالهوى"؛ لأن نُطقَه عن الهوى أبلغُ، فإنه يتضمَّنُ أن نُطقَه لا يَصدرُ عن هوًى، وإذا لم يَصدُرْ عن هوى فكيف ينطقُ به؟! فتضمَّن نَفْيَ
_________________
(١) صحيح: رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، ورواه ابن حبان، وصحَّحه الألباني وشعيب الأرنؤوط.
[ ١ / ٥٩ ]
الأمرَيْن: نفيَ الهوى عن مَصْدَرِ النطق، ونفيَه عن النطق نفسه، فنطقُه بالحقِّ، ومصدرُه الهدى والرشاد، لا الغيُّ والضلال.
ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أيْ: ما نُطْقُه إلاَّ وحيٌّ يُوحى، وهذا أحسنُ مِن قَوْل مَنْ جَعَل الضمير عائِدًا إلى القرآن، فإنه يعمُّ نطقَه بالقرآن والسُّنة، وأَنَّ كليهما وحيٌّ يُوحَى".
* ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]:
سبحان مَن زكَّى مُعلِّمَ محمدٍ - ﷺ - وجَلِيسَه وهو جبريل - ﵇ -، خَلَع أجملَ الصفاتِ عليه، فقال عنه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٥، ٦]، وقال عنه أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]، فوصفه بأنه كريمٌ، قويٌّ، مكينٌ عند الرب تعالى، مُطاعٌ في السماوات، أمين، فهذه خمسُ صفاتٍ تتضمَّنُ تزكيةَ سَنَدِ القرآن، وأنه سماعُ محمدٍ من جبريل، وسماعُ جبريل من ربِّ العالمين، فناهِيكَ بهذا السَّند علوًّا وجلالةً: قول الله سبحانه بنفسه تزكيتَه.
* الصفة الأولى: كونُ الرسول الذي جاء به إلى محمدٍ - ﷺ - كريمًا، ليس كما يقول أعداؤه: "إن الذي جاء به شيطان"، فإن الشيطانَ، خبيثٌ مُخبَّث، لئيمٌ، قبيحُ المنظر، عديمُ الخير، باطنه أقبحُ من ظاهره، وظاهرُه أشنعُ من باطنه، وليس فيه ولا عنده خيرٌ، فهو أبعدُ شيءٍ عن الكرم، والرسولُ الذي ألقَى القرآنَ إلى محمد - ﷺ - كريم، جميلُ المنظر، بَهِيُّ
[ ١ / ٦٠ ]
الصورة، كثيرُ الخير، طيِّبٌ مطيَّب، معلِّمُ الطيبين، وكلُّ خير في الأرض مِن هدًى وعلم ومعرفةٍ وإيمانٍ وبرٍّ، فهو مما أجراه ربُّه على يده، وهذا غايةُ الكريم الصوري والمعنوي.
* وقال تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٦]، أي جميلُ المنظر، حسنُ الصورة، ذو جلالة، ليس شيطانًا أقبحَ خلقِ الله وأشوهِهم صورةً؛ بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمِهم أمانةً ومكانةً عند الله، وهذا تعديلٌ لسَنَدِ الوحي والنبوَّة وتزكيةٌ له.
فوَصَفَه بالعلم والقوَّة، وجمالِ المنظر وجلالته، وهذه كانت أوصافَ الرسول البشريِّ والمَلَكِي، فكان رسولُ الله - ﷺ - أشجعَ الناس، وأعلمَهم، وأجملَهم، وأجلَّهم .. والشياطينُ وتلامذتُهم بضِدٍّ من ذلك، فهم أقبحُ الخلْق صورةً ومعنًى، وأجهلُ الخلقِ وأضعفُهم هِمَمًا ونُفوسًا.
* الوصف الثاني: أنه ذو قوة:
وفي ذلك تنبيهٌ على أمور:
أحدها: أنه بقوَّته يمنعُ الشياطينَ أن تدنوَ منه، وأن ينالوا منه شيئًا، وأن يَزيدوا فيه أو يَنقُصُوا منه، بل إذا رآه الشيطانُ هَرَب منه ولم يَقْرَبْه.
الثاني: أنه مُوَالٍ لهذا الرسول الذي كذبتموه، ومعاضِدٌ له، وموادٌّ له وناصرٌ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. ومَن كان هذا القويُّ وليه، ومِن أَنصاره، وأعوانه، ومعلمَه، فهو المَهدِيُّ المنصور، واللهُ هادِيه وناصرُه.
[ ١ / ٦١ ]
الثالث: أن مَن عادى هذا الرسولَ فقد عادى صاحبَه ووليَّه جبريل، ومَن عادَى ذا القوّة والشدَّة، فهو عُرْضَةٌ للهلاك.
الرابع: أنه قادرٌ على تنفيذِ ما أُمِر به لقوَّته، فلا يَعجزُ عن ذلك، مؤدٍّ له كما أُمر به لأمانته، فهو القويُّ الأمين، وأحدُكم إذا انتدب غيرَه في أمرٍ من الأمور لرسالة، أو ولاية، أو وكالةٍ أو غيرها، فإنما ينتدبُ لها القويَّ عليها الأمينَ على فعلها.
وإن كان ذلك الأمرُ من أهمِّ الأمور عنده انتدب له قِويًّا، أمينًا، معظَّمًا، ذا مكانةٍ عنده، مُطاعًا في الناس، كما وَصَف اللهُ عبدَه جبريل بهذه الصفات.
هذا يدلُّ على عظمةِ شأنِ المرسِل، والرسول، والرِّسالة، المُرْسَل إليه، حيث انتدب له الكريمَ القويَّ، المكينَ عنده، المطاعَ في الملأ الأعلى، الأمينَ حقَّ الأمين، فإنَّ الملوكَ لا تُرسِلُ في مهمَّاتها إلا الأشرافَ ذَوِي الأقدارِ والرتبِ العالية.
* ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]:
أيْ: له مكانةٌ ووجاهةٌ عنده، وهو أقربُ الملائكة إليه، وفي قوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ إشارةٌ إلى علوِّ منزلةِ جبريل، إذْ كان قريبًا من ذي العرش.
* ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]: إشارة إلى أنَّ جنودَه وأعوانَه يطيعونه إذا نَدَبهم لنصر صاحبِه وخليله محمد - ﷺ -، وفيه إشارةٌ أيضًا إلى أنَّ هذا الذي تُكذِّبونه وتُعادُونه سيصيرُ مُطاعًا في الأرض، كما أن جبريلَ مطاعٌ في السماء، وأن كلاًّ مِن الرسوليْن مطاعٌ في مَحِلِّه وقومه، وفيه تعظيمٌ له بأنه بمنزلةِ الملوك المُطَاعِين في قومهم، فلم يُنتدبْ لهذا الأمر العظيم إلاَّ مثلُ هذا
[ ١ / ٦٢ ]
المَلَك المُطاع.
° وفي وصفِهِ بالأمانة إشارةٌ إلى حِفظه ما حَمَله، وأدائِه له على وجهه" اهـ.
* ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]:
° "سبحان مَن زَكَّى قلبَ عبدِه ومصطفاه وخليلِه، فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١].
فقد أخبر تعالى عن تصديق فؤادِ النبي - ﷺ - ما رأته عيناه، وأن القلبَ صَدَّق العين، وليس كمَن رأى شيئًا على خلافِ ما هو به، فكَذَّب فؤادُه بَصرَه، بل ما رآه ببصرِه صَدَّقة الفؤادُ وعَلِم أنه كذلك".
° "قرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان: (ما كَذَب) خفيفة، وفي هشام ابن عمار: (ما كَذَّب) مُشدَّدة، وقرأ الباقون: (ما كَذَب) مخفَّفة الذال" (^١).
و"ما" إمَّا أن تكون مَصدرية، فيكون المعنى: ما كَذَّب فؤادُه رؤيتَه، وإمَّا أن تكون موصولة، فيكون المعنى: ما كَذَّب الفؤادُ الذي رآه بعينه.
وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلبِ لرؤية البصر، وتوافقِهما، وتصديقِ كلٍّ منهما لصاحبه.
وهذا ظاهرٌ جدًّا في قراءة التشديدِ.
وعلى القراءتيْن فالمعنى: ما أَوْهَمَه الفؤادُ أنه رأى ولم يَرَ، ولا اتَّهَم بصره.
* ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]:
° قال ابن عباس - ﵄ -: "ما زاغ البصرُ يمينًا ولا شِمالًا، ولا جاوز ما
_________________
(١) انظر كتاب "السبعة في القرآءات" لابن مجاهد (ص ٦١٤).
[ ١ / ٦٣ ]
أُمِر به".
وعلى هذا المفسِّرون، فنَفَى عن نبيِّه ما يَعرِضُ للرائي الذي لا أدبَ له بين يَدَيِ الملوك والعظماء، من التفاته يمينًا وشمالًا، ومجاوزةِ بصرِه لما بيْن يديْه، وأخبر عنه بكمالِ الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحَضْرة، إذْ لم يلتفت جانبًا، ولم يَمُدَّ بَصَرَه إلى غير ما رأى مِن الآيات، وما هنالك من العجائب، بل قام مَقامَ العبد الذي أوجب أدبُه إطراقَة وإقبالَه على ما أُري، دون التفاتِه إلى غيره، ودون تطلُّعه إلى ما لَم يَرَه، مع ما في ذلك من ثباتِ الجأش، وسكون القلب، وطمأنينته .. وهذا غايةُ الكمال.
وزَيغُ البصرِ: التفاتُه جانبًا .. وطغيانُه: مَدُّه أمامَه إلى حيث ينتهي.
فنَزَّه في هذه السورة عِلمَه عن الضلال، وقَصْدَه وعَمَلَه عن الغَيِّ، ونُطقَه عن الهوى، وفؤاده عن تكذيب بصره، وبَصَرَه عن الطغيان، وهكذا يكون المدحُ ..
تلك المكارمُ لا قُعبانُ من لبنٍ … شِيبَا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا
* * *