[ ١ / ١٤١ ]
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
° شائِنو محمدٍ - ﷺ - وجاحدو نبوَّتِه على مدارِ التاريخ هم حُثالةٌ من الرَّعاع والأقزام، تطاوَلوا على قَدْرِ عَلَم الأعلام، وسيِّد الأنام - ﷺ -، وارتكسوا في الحمأةِ الوبيئة .. فأين هم من نداءِ محمدٍ العُلويِّ الجميل الذي يبارِكُ العُمرَ ويرفعُه ويُزكِّيه؟.
° شائِنو محمد - ﷺ - يعيشون في المستنقع الآسِن، وفي الدَّرْك الهابط، وفي الظلامَ البهيم .. فأين هم من المَرتَع الزكيِّ، والنورِ الوَضيئ، وذلك المرتقى العالي؟.
° شائِنو محمدٍ رسول الله الكريم - ﷺ - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧].
° شائِنو محمد - ﷺ - كبارُ المُخادعين .. أغفالٌ يَخدعون البشريَّةَ وأنفُسَهم حين يَصُدُّوها عن هاديها إلى طريقِ الحقِّ - ﷺ - .. هم داءُ البشرية ومَرَضُها، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
° شائِنو محمد - ﷺ - موتى القلوب، لا وصفَ لقساوةِ قلوبهم وغلظتِها، وموتها وجفافها، وعَتَمتها وظلامها.
* قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
مَن شرح الله صَدْرَه للإِسلام ولهَدْي محمد - ﷺ - فللَّهِ ما أجملَ انشراحَ
[ ١ / ١٤٣ ]
صدِره، وتفتُّحَه ونداوتَه وبشاشتَه!! ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّه فصدرُه مغلقٌ مطموس، ضيِّق، عنده من كُربةِ الصَّدْر، والرَّهَق المُضني ما ينوءُ به، فالكفرُ انكماشٌ وتحجُّرٌ، وضِيقٌ، وشُرود، وعُسرٌ، وجَهدٌ، ومشقة.
ومن معاني الرِّجس: العذاب، ومن معانيه: الارتكاس، يرتكسُ في العذاب، ويعودُ إليه ولا يفارقه.
° شائِنو محمدٍ - ﷺ - هم نَبْتةٌ ضالةٌ شيطانيةٌ، لا وشائجَ لها في تربةِ هذا الوجود ولا جذور، انقطعت صِلتهم بخالقِ الوجود بعد كُفرهم برسوله - ﷺ -، فهو منقطعُ الصِّلةِ بالوجود، لا تربطه به إلاَّ روابطُ هزيلةٌ من وجودِه الفرديِّ المحدود، في أضيق الحدود، في الحدود التي تعيش فيها البهيمة، حدودِ الحِسِّ وما يُدركُه الحسُّ من ظاهرِ هذا الوجود .. والمؤمنون بمحمدٍ - ﷺ - وبرسالته وثيقو الصِّلةِ بالوجود، وبموكبِ الإِيمان الضارب في جذورِ الزمان، الموصول على مدارِ الزمان، فهم في ثراءٍ من الوشائج، وفي ثراءٍ من الروابط، وفي ثراءٍ من "الوجود" الزاخر الممتد اللاحب الذي لا يقفُ عند أعمارِهم المحدودة.
شتَّان بين هؤلاء وهؤلاء!!.
° شائِنو محمدٍ - ﷺ - عَمِيت قلوبُهم، وعندهم العمى، كلُّ العمى، وعميت بصائرهم، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]، عَمِيتْ قلوبُهم، وعَمُوا عن رؤيةِ دلائل الحقِّ، وعَمُوا عن رؤية حقيقةِ الوجود، وحقيقة الارتباطات فيه، وحقيقةِ القِيَم والأشخاصِ والأحداثِ والأشياء.
[ ١ / ١٤٤ ]
قلوبٌ خامدةٌ جامدةٌ قاسيةٌ متبلِّدة، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، مَن يعيشون بقلوبٍ مَيتةٍ فهم كأهل القبور .. واعجبًا للناس! يبكون على مَن مات جَسَده، ولا يبكون على من مات قلبه -وهو أشدُّ-!.
وقلوبُ مُحبِّيهِ أشرقت فيها الأنوارُ وخَشَعت لذكر الله، أحيى الله بمحمدٍ - ﷺ - أرضَ هذه القلوب بعد موتها، فنبضت بالحياة، وزَخِرت بالنبت والزَّهْر، ومَنَحت الأُكُل والثمار.
° شائِنو محمدٍ - ﷺ - في الظلمات حياتُهم ومماتُهم، فعندما يَبعدُ الناسُ عن نورِ الإيَمان يَقعُون في شتَّى أنواعِ الظلمات وأشكالها .. ظلماتٌ تعِزُّ فيها الرؤيةُ الصحيحة لشيءٍ من الأشياء، ظلمةُ الجهل، وظُلْمة الكفر، وظُلْمة الظُّلْم، وظُلْمةُ اتباع الهوى، وظلمةُ الشك والريب، وظلمة الجحود، وظلمة الإِعراض عن الحق الذي بعث الله به رسوله - ﷺ -، والنور الذي أنزله معه ليُخرجَ الناسَ من الظلماتِ إلى النور، وظلمةُ الشبهات والخرافات، والأساطير والتصوُّرات، وظلمةُ الشهوات والنزعات والاندفاعات في التِّيه، وظلمة الحَيرة والقلق والانقطاع عن الهدى، والوحشةِ من الجَنَاب الآمنِ المأنوس، وظلمة اضطراب القيم، وتخلخل الأحكام والقيم والموازين .. فهم أعداءُ النور.
لا يشرِقُ النورُ أمامَ ثُقلة الطين في كيانهم، وظلمةِ التراب، وكثافةِ اللحم والدمِ، وعرامةِ الشهوةِ والنزوةِ الخبيثة، لَبْسٌ في الرؤية، وتردُّد في الخُطوةَ، وحيرةٌ وشرودٌ في الاتجاه، وطريقٌ بهيمٌ لا معالِمَ فيه.
° وأمَّا المؤمنون بمحمد - ﷺ -، فقد عرفوا النورَ من طريقه وصراطِه
[ ١ / ١٤٥ ]
وكتابِه، فخالطت بشاشةُ الإِيمان وأنوارُه قلوبَهم، يعرفونها ولا يَملِكون بالكلماتِ أن يَنقِلوها إلى الآخَرين الذين لم يَعرِفوها؛ لأنها لا تُنقل بالكلمات، إنما تَسري في القلب فيستروحُها، ويَهَشُّ لها، ويندَى بها، ويَستريحُ إليها، ويستشعر الطمأنينة والسلام.
° شانئو محمد - ﷺ - حياتهم هجيرٌ قائظ، وشُواظٌ يَلفحُ قلوبَهم قَبلَ الوجوه، هاجرةُ الكفر وحَرورُه .. تلفحُ قلوبَهم فيه لوافحُ الحَيرة والقلق وعدمِ الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأةٍ أو مصير، ثم تنتهي إلى حرِّ جهنم ولفحةِ العَذاب هناك .. ليس أشقى على وجه الأرضِ منهم وقد حُرِموا طمأئينةَ الأُنسِ بالله .. ليس أحدٌ أشقى منهم وهم ينطلقون في هذه الأرض مَبتوري الصِّلة بما حولَهم في الكون؛ لأنهم انفَصَموا عن العُروة الوثقى التي تربِطُهم بالله، ليس أشقى في الحياة ممَّن يَشُقُّ طريقَه وحيدًا شريدًا في فلاة، عليه أن يكافحَ وحدَه بلا ناصرٍ ولا هادٍ ولا مُعين.
° شانئو محمد - ﷺ - هم داءُ البشرية .. هم الوسوسةُ والقلقُ والحَيرة، والقلقُ مرضٌ، والحَيرة نَصَب، والوسوسةُ داء، فأين هم من محمدٍ - ﷺ - رحمةِ الله المهداة، الذي يَصِلُ القلوبَ الطاهرةَ بالله، فترضى وتستروحُ الرِّضا من الله، والرِّضا عن الحياة؟!.
° شانئو محمدٍ - ﷺ - كلُّهم هَوًى ودَنَسٌ وطَمَعٌ وحَسَد، ونزعاتُ الشياطين في أنفسٍ لئيمة خبيثة.
° شانئو محمدٍ - ﷺ - حياتهم كلُّها ضَنْك .. ضَنْكُ الانقطاعِ عن الاتِّصال بالله، والاطمئنانِ إلى حِماه، ضنكُ الحيرةِ والقلقِ والشكِّ، ضنكُ
[ ١ / ١٤٦ ]
الحرصِ والحَذَرِ والحسرةِ على كلِّ ما يفوت.
° شانئو محمدٍ - ﷺ - مَوْتَى الضمير .. انقطعوا بكُفرهم عن مَصدرِ الحياة الأصيل بتكذيبهم لِمَن أرسله، وانفَصَلوا عن الطريق الواصل.
° شانئو محمد سيِّد البشر - ﷺ - هم الظالمون المُظلِمون .. الفاسدون المُفسدون .. المتبَجِّحون السفهاءُ الأدعياء .. أفسدوا البشريةَ أشنعَ الفساد، واختلَّت بأيديهم كل الموازينِ والقيم .. يأنفون منَ التسليم للرسول - ﷺ - ورسالته، ولا يَرْضونه لمقاماتهم العِليَّة!! ينظرون إليه بأنَفَةٍ وهم السفهاءُ، ومتى عَلِم السَّفيهُ أنه سفيه؟! ومتى استشعر المنحرفُ أنه بعيدٌ عن المَسْلَك القويم؟! عندهم كلُّ اللؤمِ والمكرِ السيِّئِ والضعفِ والخسَّةِ والخُبثِ والخداع .. غمَّازون لمَّازون.
° شانئو محمد - ﷺ -: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] .. وما أبأسَ مَن يستهزئُ به جبَّارُ السمواتِ والأرضِ وما أشقاه!! يَخبطون على غير هُدًى في طريقٍ نَكِدٍ مُظلِم، لا يعرفون غايتَه، وتتلقَّفُهم أيدي الملائكة في نهايته يَضربون وجوهَهم وأدبارَهم .. فهم كالفئران الهزيلة تتواثبُ في الفخِّ، غافلةً عن المقبض المكين .. وهذا هو الاستهزاءُ الرعيب، والمصيرُ الذي تقشعِرُّ مِن هَولِه القلوب، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].
° شانئو محمد - ﷺ - أعرضوا عن كلِّ هُدى، وصَمُّوا آذانَهم عن السماع، وعيونَهم عن الرؤية، وعطَّلوا ألسنَتهم، فهم بُكْمٌ، لا رَجعةَ لهم إلى الحق، ولا هدايةَ لهم إلى النور، ولا أوْبَةَ لهم إلى الهدى.
[ ١ / ١٤٧ ]
° شانئو محمدٍ - ﷺ - هم أعداءُ الفطرة .. أعداءُ البشريَّة والحياة.
إنَّ هذه البشرية -وهي مِن صنْع الله- لا تفتحُ مغاليقُ فطرتِها إلاَّ بمفاتيحَ من صنع الله، ولا تُعالج أمراضُها وعِلَلها إلاَّ بالدواء الذي يَخرجُ من يده -سبحانه-، وقد جَعل في منهج الإسلام الذي أرسل به محمدًا - ﷺ - وحدَه مفاتيحَ كلِّ مُغلق، وشفاءَ كلِّ داء، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ولكن هذه البشريةَ لا تريدُ أن تَرُد القفلَ إلىَ صانعه، ولا أن تَذهبَ بالمريض إلى مُبدِعه، ولا تَسلكَ في أمرِ نفسِها، ولا في أمرِ إنسانيَّتها، وفي أمر سعادتها أو شِقْوَتِها ما تعوَّدت أن تسلكَه في أمرِ الأجهزة والآلات الماديَّة الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليوميَّة الصغيرة.
ومن هنا جاءت الشِّقْوةُ للبشرية الضالَّة .. البشريةِ المسكينة الحائرة، البشريةِ التي لن تجد الهدى، ولن تجدَ الراحة، ولن تجدَ السعادة، إلاَّ حين تَردُّ الفطرةَ البشريةَ إلى خالقها الكبير .. وتنحيةُ الإسلام ورسولِه - ﷺ - عن قيادةِ البشرية نكبةٌ قاصمة، نكبة لم تعرفْ لها البشريةُ نظيرًا في كل ما ألَمَّ بها من نكبات .. نكبةٌ فسَدَت بها الأرضُ، وأسنت الحياة، وتعفَّنت القيادات، وذاقت البشرية الويلاتِ من القيادات المتعَفِّنة، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
° شانئو محمدٍ - ﷺ - أعداء "السلام": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
[ ١ / ١٤٨ ]
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: ما أدقَّ هذا التعبيرَ وأصدقَه! إنه "السلام"، هو ما يسكبُه محمدٌ - ﷺ - ودينُه في الحياة كلِّها .. سلامُ الفرد، وسلامُ الجماعة، وسلامُ العالَم .. سلامُ الضمير، وسلامُ العقل، وسلامُ الجوارح .. سلامُ البيت والأسرة، وسلامُ المجتمع والأمَّة، وسلامُ البشرِ والإنسانية .. السلامُ مع الحياة، والسلامُ مع الكون، والسلامُ مع اللهِ ربِّ الكونِ والحياة .. السلامُ الذي لا تجدُه البشرية -ولم تجِدْه يومًا- إلاَّ في هذا الدين؛ وإلاَّ في مَنهجه ونِظامه وشريعتِه، ومجتمعِه الذي يقومُ على عقيدته وشريعته.
ولا يُدرِكُ عُمقَ هذه الحقيقة ومذاقَها المُريحَ كما يُدرِكُها مَن ذاق سُبلَ الحرب في الجاهليَّات قديمًا، أو الجاهليَّة الصليبية أو اليهودية حديثًا .. لا يدرِكُ عُمقَ هذه الحقيقةِ كما يدركها مَن ذاق حَربَ القلقِ الناشئِ عن عقائدِ الجاهلية في أعماقِ الضمير .. وحربِ القلقِ الناشئِ من شرائع الجاهليةِ وتخبُّطِها في أوضاعِ الحياة، والويلاتِ التي تذوقها البشرية من كلِّ ألوان الحروب في الضمائر والمجتمعات قرونًا بعد قرون .. وفاءَ مَن سَبَقَ له من ربِّه الحسنى إلى ظلالِ السلام في الإِسلام .. سلام يَرِفُّ في حَنايا السريرة، وسلامٌ يُظلِّلُ الحياة والمجتمعَ، وسلامٌ في الأرض، وسلامٌ في السماء.
أولَ ما يَفيضُ هذا السلام على القلب وينشأُ من اعتقادٍ صحيح عن إلهه وربِّه، فلا يخاف غيرَه، ولا يَخْشى سواه من كلِّ قوةٍ زائفةٍ زائلة .. ويَفيضُ السلامُ على القلب حين يعلم العلاقةَ بين العبدِ وربِّه، وبين الخالق والكون.
[ ١ / ١٤٩ ]
العقيدةُ التي تقفُ بصاحبها أمامَ النَبْتَةِ الصغيرة، وهي توحي إليه أنَّ له أجرًا حين يَرويها من عطش، وحين يُعينها على النماء، وحين يُزيلُ من طريقها العقبات: هي عقيدةٌ جميلة -فوق أنها عقيدةٌ كريمة-، عقيدةٌ تسكبُ في رُوحه السلام، وتُطلِقُه يُعانقُ الوجودَ كلَّه، ويُشيعُ مِن حوله الأمنَ والرِّفقَ، والحبَّ والسلام.
° وعقيدة الإِسلام في اليوم الآخِر، والعدلِ المطلَقِ والجزاءِ الأوفى عند الله، فلا قلق، ولا سُخْط، ولا قنوط إذا لم يُوفَّ حقَّه في هذه العاجلة بمقاييس الناس، هذا بدلًا من الصِّراع المجنون العموم الذي تُداس فيه الحرماتُ بلا تحرُّجٍ ولا حياءٍ من لصوصِ الصليبيِّين واليهود، لصوصِ المغارات أبناء الحيَّات والأفاعي.
° وغايةُ الوجود في الإِسلام عبادةُ الله في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ حياته، وبكلِّ نَبضٍ في جوارحه، فترفعُه العبادة إلى أُفقِها الوضيء، ترفعُ شعورَه وضميرَه، وترفعُ نشاطَه وعملَه، فهو يَعبدُ في كلِّ خُطوة، وهو يحقِّقُ غايةَ وجودِه في كلِّ خَطْرة، وهو يرتقي صُعُدًا إلى الله في كلِّ نشاطٍ وفي كل مجال، وهو يَسمعُ قولَ رسوله - ﷺ -: "إن الله تعالى يُحبُّ مَعَاليَ الأمور وأشرافَها، ويَكرهُ سَفْسَافها" (^١).
فأوْلَى به ألاَّ يَغْدِرَ ولا يَفْجُر، وأوْلى به ألاَّ يَغِشَّ ولا يَخدع، وأَوْلى به ألاَّ يطغى وألاَّ يتجَبَّر، وأَوْلَى به ألاَّ يستخدمَ أداةً مُدَنَّسَةً ولا وسيلةً
_________________
(١) صحيح: رواه الطبراني في "الكبير"، وابن عدي، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في "الحلية" عن سهل بن سعد، وكذا رواه ابن عساكر وابن النجار عن سهل، وصححه الألباني.
[ ١ / ١٥٠ ]
خسيسة .. وأَوْلى به كذلك ألاَّ يستعجلَ المراحلَ، وألاَّ يتعسَّفَ الطريق.
° وشعورُ المؤمن بالقضاء والقَدَر، وأنه في طاعةِ الله، لتحقيقِ إرادةِ الله .. وما يَسكُبُه هذا الشعورُ في رُوحِه من الطمأنينة والسلام والاستقرار.
° والتكاليفُ التي يفرضُها الله على عبده كلُّها من الفِطرة، ولتصحيح الفطرة، لا تتجاوزُ الطاقةَ، ولا تتجاهلُ طبيعةَ الإِنسانِ وتركيبَه، ولا رُوحَه ولا جسده، تلبِّي حاجةَ الرُّوح والجسدِ في يُسرٍ وسماحة.
° والمجتمعُ المتوادُّ المتحابُّ المترابطُ المتكافل، هذا المجتمع الذي حقَّقه الأسلامُ في أرقى وأصفى صورةٍ تربِطُه آصِرةُ العقيدة، وتذوبُ فيه الأجناسُ والأوطانُ والألوانُ، فالمؤمنون إخوة.
° المجتمعُ الذي بناه رسولُ الله - ﷺ - لا تشيعُ فيه الفاحشة، ولا يتبجَّحُ فيه الإغراء، ولا ترُوحُ فيه الفتنة، ولا تلتفتُ الأعيُنُ فيه إلى العَوْرات، ولا ترِفُّ فيه الشهواتُ على الحرمات، ولا ينطلقُ فيه سُعارُ الجنسِ ولا عرامةُ اللحم والدم، فتأمنُ الزوجةُ على زوجها، ويأمنُ الزوجُ على زوجته، ويأمنُ الأولياءُ على حُرماتهم، ويأمنُ الجميعُ على أعصابهم وقلوبهم، حيث لا تقعُ العيونُ على المفاتن، ولا تقودُ العيونُ القلوبَ إلى المحارم، لا رغائبَ مكبوتة، ولا قلقَ للأعصاب، ولا أمراضَ للنفوس، وإنما مجتمعٌ نظيف عفيفٌ آمِنٌ ساكن، تَرِفُّ عليه أجنحةُ السِّلم والطُّهْر والأمان.
° وهو المجتمعُ الذي يكفلُ لكلِّ قادرٍ عملًا ورِزْقًا، ولكلِّ عاجزٍ ضمانة للعيش الكريم، ولكلِّ راغب في العِفَّة زوجةً صالحةً .. والذي يَعتبِرُ أهلَ كلِّ حيٍّ مسؤولين مسؤوليةً جنائيةً لو مات فيهم جائع، حتى لَيرى
[ ١ / ١٥١ ]
بعضُ فقهاءِ الإسلام تغريمَهمُ الدِّية.
° المجتمع المسلم الذي بناه رسول الله - ﷺ - وأرسى قواعدَه في دنيا الإسلام عَبْرَ التاريخ: مجتمعٌ تكْفَل فيه حُريَّاتُ الناس وكراماتهم وحُرماتهم وأموالُهم بحكم الشرع الحنيف، بعد كفالتها بالتوجيه الرَّباني المُطاع .. فلا يُؤخذُ واحد فيه بالظِّنَّة، ولا يُتَسَوَّرُ على أحدٍ بيته، ولا يَتجسَّسُ على أحدٍ فيه متجَسِّسٌ، ولا يَذهبُ فيه دمٌ هَدَرًا، والقِصاصُ حاضر، ولا يَضيعُ فيه على أحدٍ مالُه سرقةً أوْ نَهْبًا، والحدودُ حاضرة، وعَدلُ اللهِ قائم.
° مجتمعٌ تَشِيعٌ فيه الشورى ويتساوى فيه الناس حُكَّامًا ومحكومين أمامَ شرع الله -﷿-.
° لقد أقام النبيُّ - ﷺ - مجتمعًا لأول مرةٍ في التاريخ لا يعادلُه عَبْرَ التاريخ أيُّ مجتمع آخَرُ .. وأقامَ - ﷺ - دولةً كأحسنِ ما تُقامُ الدول، حتى استمرَّ امتدادُها لأكثرَ من ألفٍ وثلاثِمئةِ عام وهي مؤهَّلةٌ للعَودة والاستمرار، كمعجزةٍ باقيةٍ لإنسانٍ واحد، هي في الحقيقة من أعظم معجزاته التي غَفَل عنها الغافلون.
* قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ..﴾ الآية [الرعد: ٣١].
لقد صَنع رسولُ الله - ﷺ - بالقرآن الذي عليه وبسُنَّته المباركة في نفوس المؤمنين به -الذين تلقَّوا هذا الوحيَ العظيمَ وتكيَّفُوا به- أكثرَ من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياءِ الموتى .. لقد صَنَع في هذه النفوس وبهذه النفوس
[ ١ / ١٥٢ ]
خوارقَ أضخمَ وأبعدَ آثارًا في أقدارِ الحياة، بل أبعدَ أثرًا في شكل الأرض ذاتِه .. فكم غَيَّر الإسلامُ والمسلمون من وجهِ الأرض، إلى جانبِ ما غيَّروا من وجهِ التاريخ؟!.
لقد سَيَّر رسولُ الله - ﷺ - بالقرآن ما هو أضخمُ من الجبال، وهو تاريخُ الأمم والأجيال، وقَطَع به ما هو أصلبُ من الأرض، وهو جُمودُ الأفكار، وعَفَنُ الشِّرك والكفر، وأحيى به وبسُنَّته ما أُخمد من الموتى، وهي الشعوبُ التي قَتَل رُوحَها الشِّركُ، وظلمُ الطواغيت، وأوهامُ الأوثان.
إنَّ التحوُّل الذي تَمَّ في نفوسِ العرب والمسلمين وبهم، ونَقَلهم تلك النَّقْلةَ الضخمةَ على يدِ رسول الله - ﷺ - وما جاء به، فأقام بهم أطهرَ وأعفَّ وأجملَ مجتمعٍ ودولةٍ في التاريخ .. أضخمُ بكثير من تحوُّلِ الجبالِ عن رُسوخها، وتحوُّلِ الأرض عن جُمودها، وتحوُّلِ الموتى عن الموات!.