هذه السورةُ خالصة لرسول الله - ﷺكسورة الضَحى، وسورة الشرح-، يُسَرِّي عنه ربُّه فيها، ويَعِدُه بالخير، ويُوعِدُ أعداءَه بالبَتْر .. وفيها من تثبيتِ اللهِ وتطمينه وجميل وَعدِه لنبيِّه - ﷺ - ما فيها، ومَرهوبُ وعيده لشانئه.
كذلك تَمْثُلُ حقيقةُ الهدى والخير الإيمان، وحقيقةُ الضلال والشرِّ والكفران .. الأولى كثرةٌ وفَيضٌ وامتداد، والثانيةُ قِلَّةٌ وانحسارٌ وانبتار، وإنَّ ظَنَّ الغافلون غيرَ هذا وذاك.
نَزَلت هذه السورةُ تَمسحُ على قلبه - ﷺ - بالرَّوْح والنَّدى، وتقرِّر حقيقةَ الخير الباقي الممتدِّ الذي اختاره له ربُّه، وحقيقةَ الانقطاعِ والبتر المُقدَّر لأعدائه .. وقد فسَّر رسولُ الله - ﷺ - "الكوثر" بنهره في الجنة وذَكَر صِفَته.
[ ١ / ٨٤ ]
• عن أنس - ﵁ - مرفوعًا: "نزلت عليَّ آنفًا سورةٌ"، فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ..﴾ السورة، قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ ". قلنا: اللهُ ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهرٌ وَعَدَنيه ربِّي في الجنة، عليه حَوضٌ تَرِدُ عليه أمَّتي يومَ القيامة، آنيتُه عددُ نجومِ السماء، فيختلجُ العبدُ منهم فأقول: ربِّي إنه من أمتي!! فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (^١).
• وعنه مرفوعًا: "بينما أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافَّتاه قِبابُ الدُّرِّ المجوَّف، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أعطاك ربُّك، فإذا طِيبُه -أو طِينُه- مِسكٌ أذفر" (^٢).
• وعن ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا: "هو نَهَرٌ في الجنة حافَّتاه من ذهبٍ يَجري على الدُّرِّ والياقوتِ، تربتُه أطيبُ من رِيحِ المسك، وطَعمُه أحلى من العسل، وماؤه أشدُّ بياضًا من الثلج" (^٣).
° ومن حديث عائشة - ﵂ - موقوفًا: "الكوثر نهرٌ بفِناء الجنة، شاطئاه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠٠)، (٤/ ١٨٠١) بدون الشاهد، وأبو داود (٤٧٤٧)، والنسائي في "السنن" (٩٠٤) وفي "التفسير" (٧٢٢)، وأبو عوانة (٢/ ١٢١، ١٢٢)، وأحمد (٣/ ١٠٢)، والحاكم (٢/ ٥٣٧)، وابن أبي شيبة (٣٤٠٩٧)، وهناد في "الزهد" (١٣٣)، وابن أبي عاصم (٧٦٤) -بدون الشاهد-، وأبو أحمد الحاكم في "شعار أصحاب الحديث" (٣٦)، والبيهقي في "البعث والنشور" (١٢٢، ١٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٦٤، ٦٥٨١)، وأبو داود (٤٧٤٨ بنحوه)، والترمذي (٣٣٥٩، ٣٣٦٠)، وابن حبان (٦٤٤٠)، وأحمد (٣/ ١٦، ١٩١، ٢٠٧، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٨٩)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٢٣)، وأبو يعلى (٢٨٧٦، ٣١٨٦)، والطيالسي (١٩٩٢)، والآجري (٣٩٦)، والبيهقي في "البعث والنشور" (١٢٤، ١٢٥، ١٢٦، ١٢٧، ١٣٠، ١٣١، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٦).
(٣) حديث صحيح: أخرجه الترمذي (٣٣٦١)، وأحمد وابن ماجه، والدارمي =
[ ١ / ٨٥ ]
درٌّ مجوَّف، وفيه من الأباريقِ والآنيةِ عددَ النجوم" (^١).
° وعن ابن عباس - ﵄ - موقوفًا: "الكوثرُ: الخيرُ الكثير الذي أعطاه اللهُ إياه" (^٢).
° قال الإِمام ابنُ جرير الطبري بعد سَرْده للأقوال التي قيلت في "الكوثر": "وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قولُ من قال: هو اسمُ النهر الذي أُعْطِيَه رسولُ الله - ﷺ - في الجنة، وَصَفه اللهُ بالكثرة لعِظَم قَدْره.
وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى الأقوال في ذلك، لتتابُع الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بأن ذلك كذلك".
وهذا الكوثرُ -نهرُ الجنة- هو مِن بينِ الخير الكثير الذي أُوتِيَه الرسولُ - ﷺ -، فهو كوثرٌ من الكوثر .. خَيرٌ كثير مُطلَقٌ فائضٌ غَزير .. غيرُ ممنوعٍ ولا مَبتور .. فإذا أراد أحدٌ أن يتتبعَ هذا الكوثرَ الذي أعطاه اللهُ لنبيِّه فهو واجدُه
_________________
(١) = (٢/ ٣٣٧)، وابن أبي شيبة (٣٤٠٩٨)، والطبري (١٥/ ٣٢٠، ٣٢٤) وهناد في "الزهد" (١٣١، ١٣٢)، والبغوي في "شرح السنة" (٤٣٤١)، والبيهقي في "البعث" (١٤٢)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٤٦١٥) بلفظ "الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدُّرِّ والياقوت، تُربتُه أطيب ريحًا من المِسكِ، وماؤهُ أحلى من العسل، وأشدُّ بياضًا من الثلج".
(٢) موقوف وله حكم الرفع: أخرجه البخاري (٤٩٦٥)، والنسائي في "التفسير" (٧٢٥)، وابن أبي شيبة (٣٤٠٩٩)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٢٠)، وهنّاد في "الزهد" (١٣٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤٩٦٦، ٦٥٧٨)، والنسائي في "التفسير" (٧٢٤)، والحاكم (٢/ ٥٣٧)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٣٢٠، ٣٢١)، وهنّاد في "الزهد" (١٤٠)، والبيهقي في "البعث" (١٣٩، ١٤١) ومرفوعًا بنحو حديث أنس برقم (١٤٠).
[ ١ / ٨٦ ]
حيثما نظر أو تصوَّر:
° هو واجدُه في النبوَّة، في أنه رسولُ الله - ﷺ -، وهو أفضلُ الرسل مكانةً عند ربِّه، وماذا فَقَد مَن وَجَد اللهَ؟.
° وهو واجدُه في هذا القرآن الذي نَزَل عليه، وسورةٌ واحدةٌ منه كوثرٌ لا نهايةَ لكثرته، وينبوعٌ ثَرٌّ لا نهايةَ لفَيضِه وغَزَارته.
° وهو واجدُه في الملأِ الأعلى الذي يُصلِّي عليه، ويُصلِّي على مَن يُصلِّي عليه في الأرض، حيث يقترنُ اسمُه باسم الله في الأرض والسماء.
° وهو واجدُه في سُنَّتهِ الممتدَّة على مَدَار القرون، في أرجاءِ الأرض، وفي الملايين بعدَ الملايين السائرة على أثره، وملايينِ الملايين منَ الألسِنة والشِّفاه الهاتفةِ باسمه، وملايينِ الملايين من القلوب المُحبَّة لسيرته وذكراه إلى يوم القيامة.
° وهو واجدُه في الخير الكثيرِ الذي فاض على البشريَّة في جميع أجيالها بسببه وعن طريقه، سواءٌ مَن عَرَفوا هذا الخيرَ فآمنوا به، ومَن لم يَعرِفوه، ولكنه فاض عليهم فيما فاض.
° وهو واجدُه في مظاهرَ شتَّى، ومحاولةُ إحصائها ضربٌ من تقليلها وتصغيرها! إنه الكوثر، الذي لا نهايةَ لفيضه، ولا إحصاءَ لعوارفه، ولا حِدَّ لمدلوله، ومِن ثَمَّ تَرَكه النصُّ بلا تحديد، ليشملَ كلَّ ما يَكثُرُ من الخير ويزيد.