* عن ابن عمر - ﵁ - "أن عُمَرَ انطَلَق مع النبي - ﷺ - في رَهْطٍ قِبَلَ ابنِ صيَّاد، حتى وجدوه يلعبُ مع الصبِّيان عند أُطُم بني مَغالة، وقد قارب ابنُ صيادٍ الحُلُمَ، فلم يَشعُرْ به حتى ضَرَب النبيُّ - ﷺ - بيده، ثم قال لابن صيَّاد: "تَشْهَد أني رسولُ الله؟ " فنظر إليه ابنُ صياد فقال: أشهدُ أنك رسولُ الأميِّين (^٣). فقال ابنُ صيَّاد للنبي - ﷺ -: أتشهدُ أني رسول الله؟ فرَفَضَه،
_________________
(١) =١٠٦، ١٠٧)
(٢) صحيح: رواه أحمد في "مسنده"، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٦٨٣).
(٣) صحيح: رواه أحمد في "مسنده" (٢/ ٤٥٠)، وصححه الشيخ شعيب الأرنؤوط.
(٤) قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ١٧٣): "فيه إشعارٌ بأن اليهود الذين كان منهم ابن صياد =
[ ١ / ٣٦٤ ]
وقال: "آمنتُ بالله وبرُسُله" (^١). "فقال له: "ماذا ترى؟ " قال ابن صياد: يأتيني صادقٌ وكاذب (^٢)، فقالَ له النبي - ﷺ -: "خُلِّط عليك الأمر" (^٣)، ثم قال له النبي - ﷺ -: "إني قد خبَّأتُ لك خَبيئًا" (^٤). فقال ابنُ صيَّاد: هو "الدُّخ"؟
_________________
(١) = كانوا معترفين ببعثة رسول الله - ﷺ -، لكِنْ يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم واضح جدًّا؛ لأنهم إذْ أقرّوا بأنه رسول الله استحال أن يكذب على الله، فإذا ادَّعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرهم تعين صدقه، فوجب تصديقه".
(٢) قال الزين بن المنير: "إنما عرض النبي - ﷺ - الإسلام على ابن صياد بناءَ على أنه ليس الدجّال المحذَّر منه. قلت (القائل: هو الحافظ ابن حجر): ولا يتعيّن ذلك، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملًا فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو، وإن لم يجب تمادى الاحتمال، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة، ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف، فقال: "آمنت بالله ورسله". وقال القرطبي: كان ابن صياد على طريقة الكهنة يخبر بالخبر فيصحّ تارة ويفسد أخرى، فشاع ذلك ولم ينزل في شأنه وحي، فأراد النبي - ﷺ - سلوك طريقة يختبر حاله بها.
(٣) أي يأتيه الشيطان بما يسترقه من السمع فيصدق فيه، ويأتيه مع ذلك بالكذب فيكذب عليه.
(٤) أي: لبَّس عليك الحق الذي يسترقه الشيطان، بالباطل الذي هو كذب إبليس.
(٥) في رواية أحمد (٢/ ١٤٨) بإسناد صحيح: "إِني قد خبّأت لك خبيئًا". وخبّأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فيها تصريح بان الذي "خُبَّئ" هو سورة "الدخان". قال الحافظ في "الفتح": "وأما جواب ابن صياد بـ "الدُّخُّ" فقيل: إنه اندهش فلم يقع من لفظ "الدخان" إلاّ على بعضه. و"الدُّخُّ" هو بضم الدال وتشديد الخاء، وهو لغة في الدُّخان. وحكى صاحب "نهاية الغريب" فتح الدال وضمَّها، والمشهور في كتب اللغة والحديث ضمها. والصحيح المشهور وهو قول الجمهور أنه - ﷺ - أضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. ولم يهتد ابن صياد من الآية التي أضمر النبي - ﷺ - إلاّ هذا اللفظ الناقص، على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب، ويدل عليه قوله =
[ ١ / ٣٦٥ ]
فقال: "اخسأ، فلن تعدوَ قَدْرَك" (^١). فقال عمر -﵁ -: دَعْني يا رسول الله أضربُ عُنقَه. فقال النبي - ﷺ -: "إِن يَكُنْه فلن تُسَلَّط عليه (^٢)، وإن لم يَكُنْه فلا خيرَ لك في قَتْله" (^٣).
• وعن أبي سعيدٍ - ﵁ - قال: لَقِيه رسولُ الله - ﷺ - وأبو بكر وعمرُ في بعض طرقِ المدينة، فقال له رسولُ الله - ﷺ -: "أتشهدُ أنى رسولُ الله؟ ". فقال هو: أتشهدُ أني رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "آمنتُ بالله وملائكتِه وكُتبه، ما ترى؟ " قال: أرى عَرشًا على الماء، فقال رسول الله - ﷺ -: "ترى عرشَ إبليس على البحر. وما ترى؟ " قال: أرى صادِقِينَ وكاذبًا -أو: كاذِبِين وصادقًا- .. فقال رسول الله - ﷺ -: "لُبِّس عليه. دعوه" (^٤).
_________________
(١) = ﷺ -: "أخسأ فلن تعدوَ قَدْرَك" أي: القدر الذي يدرك الكهّان من الاهتداء إلى بعض الشيء، وما لا يبين من تحقيقه، ولا يصل به إلى بيان أمور الغيب.
(٢) اخسأ: أي: اسكت صاغرًا مطرودًا. وأصل معناها التباعد والطرد. انظر "لسان العرب" (١١٥٥ - ١١٥٦). وقال النووي: اخسأ: اقعد. "فلن تعدو قدرك": قال الحافظ: أي لن تجاوز ما قَدَّر الله فيك، أو مقدار أمثالك. قال العلماء: استكشف النبي - ﷺ - أمره ليبين لأصحابه تمويهه لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن من الإسلام. ومُحَصَّل ما أجاب به النبي - ﷺ - أنه قال له على طريق الفرض والتَنَزُّل: إن كنت صادقًا في دعواك الرسالة ولم يختلط عليك الأمر آمنت بك، وإن كنتَ كاذبًا وخُلِّط عليك الأمر فلا، وقد ظهر كذبك والتباس الأمر عليك؛ فلا تعدو قدرك.
(٣) أى: إن يكن هو الدجال الذي سيخرج بين يدي الساعة فلن تستطيع قتله؛ لأن الله سبحان قدّر أنه خارج.
(٤) رواه البخاري (٣/ ٢١٨) (٣٠٥٥)، ومسلم (٦/ ٦١٦) (٢٩٣٠)، وأبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي بنحوه (٢٢٣٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) أخرجه مسلم (٢٩٢٥)، والترمذي (٢٢٤٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وعن أبي سعيد الخُدريِّ - ﵁ - قال: "قال لي ابنُ صائد -وأخذَتْني منه ذمامةٌ (^١) -: هذا عَذَرْتُ الناسَ .. ما لي وما لكم يا أصحابَ محمد؟! ألم يقُل نبيُّ الله - ﷺ -: "إنه يهوديٌّ"، وقد أسلمتُ؟ قال: "ولا يولَدُ له"، وقد وُلدِ لي؟ وقال: "إنَّ الله قد حَرَّم عليه مكةَ"، وقد حججتُ؟!.
قال: فما زال حتى كاد أن يأخذَ فيَّ قولُه. قال: فقال له: أمَا واللهِ إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرفُ أباه وأُمَّه، قال: وقيل له: أيَسُرُّك أنك ذاك الرَّجُل؟ فقال: لو عُرض عليَّ ما كَرِهتُ" (^٢).
° فابنُ صياد لا يكره أن يكونَ هو الدجَّال، ويزعم أنه يَعرفُ مولدَ الدجَّال ومكانه: فعن أبي سعيد الخدري قال: "صحبتُ ابنَ صائد إلى مكة، فقال: أمَا قد لقيتُ من الناس! يزعمون أنِّي الدجَّال، ألستَ سمعتَ رسول الله - ﷺ - يقول: "إنه لا يُولَدُ له"؟ قلت: بلى، قال: فقد وُلِد لي، أو ليس قد سمعتَ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "لا يدخلُ المدينةَ ولا مكة"؟ قلت: بلى. فقال: فقد وُلِدت بالمدينة، وها أنذا أريد مكة. قال: ثم قال لي في آخِرِ قولِه: أمَا واللهِ إني لأعلمُ مولدَه ومكانَه وأين هو؟ قال: فلبَّسني (^٣) " (^٤).
° وكان عمرُ بنُ الخطاب وابنُه وأبو ذرٍّ وابنُ مسعود يقولون: "إنَّ ابن صيَّاد المسيحُ الدجال".
° فعن محمدِ بنِ المنكدر قال: "رأيتُ جابرَ بنَ عبد الله يحلفُ باللهِ: إن ابنَ صياد الدجُّال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعتُ عمرَ يحلفُ
_________________
(١) الذَّمامة: الحياء والإشفاق.
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤٢).
(٣) لبَّسني. أي: جعلني ألتبس في أمره.
(٤) أخرجه مسلم (٢٩٢٧).
[ ١ / ٣٦٧ ]
على ذلك عند النبي - ﷺ -، فلم يُنكِرْه النبيُّ - ﷺ -" (^١).
° وعن زيدِ بنِ وهبٍ، قال: قال أبو ذرٍّ: "لأَنْ أحلفَ عشْرَ مِرارٍ أن ابنَ صائدٍ هو الدَّجال أَحَبُّ إليَّ مِن أن أحلفَ مرةً واحدةً أنه ليس به" (^٢).
° وعن نافع قال: كان ابنُ عمر - ﵁ - يقول: "واللهِ، ما أشكُّ أن المسيحَ الدَّجال ابنُ صياد" (^٣).
° وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "لأَنْ أحلفَ باللهِ تِسعًا أنَّ ابن صيَّادٍ هو الدجال أحبُّ إلي من أحلفَ واحدةً، ولأن أحلفَ تسعةً أنَّ رسول الله - ﷺ - قُتِل قتلًا أحبُّ إلي مِن أحلفَ واحدة، وذلك بأن الله اتَّخذه نبيًّا وجعله شهيدًا" (^٤).
* قال الخَطَّابيُّ في "معالم السنن": "وقد اختلف الناسُ في ابن صيَّاد اختلافًا شديدًا، وأُشكل أمرُه حتى قيل فيه كلُّ قول، وقد يُسأل عن هذا فيُقال: كيفُ يُقِر النبي - ﷺ - رَجُلًا يدَّعي النبوَّة كاذبًا، ويتركُه بالمدينة يساكنُه في دارِه، ويجاورُه فيها؟ وما معنى ذلك؟! ".
* ثم قال: "والذي عندي أن هذه القصةَ إنما جَرَت معه أيامَ مهادنةِ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٥٥)، ومسلم (٢٩٢٩)، وأبو داود (٤٣٣١).
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ١٤٨)، وقال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٣٢٩): إسناده صحيح.
(٣) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٣٣٠) وصححه النووي في "شرح مسلم" (٥/ ٧٧٠) وقد صحح الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٣٢٥) إسناده إلى موسى بن عقبة.
(٤) صحيح: رواه أبو يعلى في "مسنده" (١٢٧/ ٩ - ١٣٢)، والطبراني في "الكبير" (١٠١١٩).
[ ١ / ٣٦٨ ]
رسولِ الله - ﷺ - اليهودَ وحلفاءَهم، وذلك أنه بعدَ مَقدَمِهِ المدينةَ كتب بينه وبين اليهود كتابًا صالَحهم فيه على أنْ لا يُهاجُوا وأن يترَكوا على أمرهم، وكان ابنُ صيَّاد منهم أو دخيلًا في جُملتهم، وكان يَبلغُ رسولَ الله - ﷺ - خبرُه وما يَدَّعيه مِن الكِهانة ويتعاطاه من الغَيب، فامتحنه - ﷺ - بذلك ليزوِّرَ به أمرَه، ويَخبُرَ به شأنَه، فلما كلَّمه عَلِم أنه مُبْطِلٌ، وأنه من جُملة السَّحَرة أو الكهنة، أو ممن يأتيه رِئْيٌ من الجنِّ، أو يتعاهدُه شيطان، فيُلقِي على لسانه بعضَ ما يتكلَّمُ به" (^١).
° وقال النوويّ: "باب ذكر ابن صيَّاد: يُقال له: "ابن صيَّاد"، و"ابن صائد"، واسمه "صافٍ" .. قال العلماء: وقصَّتُه مُشكِلة، وأمرُه مُشتبه في أنه هلَ هو المسيحُ الدجَّالُ المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجَّالٌ من الدجاجلة.
قال العلماء: وظاهرُ الأحاديث أن النبي - ﷺ - لم يُوحَ إليه بأنه المسيحُ الدجَّال ولا غيره، وإنما أُوحِيَ إليه بصفاتِ الدجَّال، وكان في ابنِ صياد قرائنُ مُحتمِلة؛ فلذلك كان النبي - ﷺ - لا يقطعُ بأنه الدجَّال ولا غيرُه، ولهذا قال لعمرَ - ﵁ -: "إن يكن هو فلن تستطيعَ قتلَه"، وأمَّا احتجاجُه هوَ -أي: ابن صياد بأنه مسلم والدجَّالُ كافرُ، وبأنه لا يُولَدُ للدجَّال، وقد وُلِد له هو، وألاَّ يدخل مكة والمدينة وأن ابنَ صيادٍ دَخَل المدينة وهو متوجِّهٌ إلى مكة، فلا دلالة له فيه؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - إنما أخبر عن صفاتِه وقت فتنتِه وخروجه في
الأرض.
_________________
(١) "معالم السنن مع أبي داود" (٤/ ٥٠٣).
[ ١ / ٣٦٩ ]
ومِن اشتباه قَصَّته وكونه أحدَ الدجاجلة الكذَّابين: قوله للنبي - ﷺ -: "أتشهدُ أني رسولُ الله؟ " ودعواه: أنه يأتيه صادقٌ وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء .. ".
° ثم نقل كلامًا للبيهقي قاله في كتاب "البعث والنشور" قال: "وليس في حديث جابر أكثرُ من سكوتِ النبي - ﷺ - لقول عمر، فيحتمل أنه - ﷺكان كالمتوقِّف في أمرِه، ثم جاءه البيانُ أنه غيرُه كما صرَّح به في حديثِ تميم" اهـ.
فإن قيل: كيف لم يَقتُلْه النبي - ﷺ - مع أنَّه ادَّعى بحضرته النبوة؟!.
فالجواب من وجهين -ذكرهما البيهقيُّ وغيره من العلماء-:
أحدهما: أنه كان غيرَ بالغ .. واختار القاضي عياضٌ هذا الجواب.
والثاني: أنه كان في أيام مهادنةِ اليهود وحلفائهم .. وجزم الخطابي في "معالم السنن" بهذا الجواب الثاني.