* قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
أرسله الله رحمةً للعالمين، مَن آمن به، ومَن لم يؤمنْ به، والبشرية كلُّها قد تأثَّرت بالمنهج الذي جاء به -سابقًا لها- طائعةً أو كارهةً، شاعرةً أو غيرَ شاعرة؛ وما تزالُ ظِلالُ هذه الرحمةِ وارفةً، لمن يريدُ أن يستظلَّ بها، ويستروحَ فيها نسائمَ السماء الرخيَّة، في هجير الأرض الُمحرِق .. إن البشرية اليومَ لفي أشدِّ الحاجة إلى حسَّ هذه الرحمةِ ونداها، وهي قلقةٌ حائرة، شاردةٌ في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفافِ الأرواح والقلوبِ.
• قال رسول الله - ﷺ -: "إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ" (^٢).
آية نَفسٍ حانيةٍ نفسُ رسول الله - ﷺ -!، كانت الرحمة مُهجتَه .. تنتشر الرحمة لديه - ﷺ - حتى يغطَّي دفؤها كلَّ مقرورٍ، وحتى تشملَ الأحياءَ جميعًا من إنسانِ وحيوان .. ويدورُ قلبُه الكبير مع دواعي الرحمة حيث تدور، والرحمةُ عنده ليست نافلةً من نوافل البِر، بل واجبًا من واجبات الرشد،
_________________
(١) "من أسرار التعبير القرآني" دراسة تحليلية لسورة الأحزاب (ص ٣٩٠ - ٣٩١) للدكتور محمد محمد أبو موسى -مكتبة وهبة- مصر.
(٢) صحيح: أخرجه ابن سعد، والحكيم عن أبي صالح مرسلًا، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٤٩٠)، و" صحيح الجامع" برقم (٢٣٤١)، وكذا أخرجه الدارمي، والبيهقي في "شعب الإيمان".
[ ١ / ١٩٧ ]
وتَبِعةً من تَبِعات الحياة .. فالكلمةُ الطيبة رحمة، والنظرةُ العاطفةُ رحمة، والصَّفح الجميل رحمة، وعيادو المريض رحمة، بل وتشميتُ العاطسِ رحمة .. وسنفرد لرحمته الحانية فصلًا خاصًّا في كتابنا المقبل .. ونكتفي هنا بأروع نماذج الرحمة تُجاهَ حِفْنةٍ من النمل:
• عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قَرَصتْ نملةٌ نَبيًّا من الأنبياء، فأمَرَ بقرية النَّمل فأُحرقتْ، فأوحى اللهُ تعالى إليه: أنْ قَرَصَتْكَ نملةٌ أَحْرَقت أُمًّةً من الأمَم تُسبِّح؟! " (^١).
انظروا كيف تتألَّقُ إنسانية محمدٍ - ﷺ - ورحمته، وكيف تسمو وتُشرق!! انظروا، إن الذي يؤاخذُه الله في هذه القصَّة ويعاتُبه على تخلِّيه عن الرحمة تُجاهَ حفنةٍ من النمل، ليس فردًا عاديًّا .. بل هو نبيٌّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
إن الصورة على بساطتها تتضمَّن أروعَ نماذج الرحمةِ على الإطلاق، وتكشفُ عن رحمةِ محمدٍ - ﷺ - العَذْبة .. كما لا يُكشف شيء مثلها.
حفنةٌ من النمل، لا يدرك الناسُ لها -ولا لآلافٍ مثلِها قَدْرًا -أيَّ قَدْرَ، ترتفعُ في عين "محمد" - ﷺ - إلى الحدِّ الذي يتصوَّر لها عنده قداسةٌ وحرمة!.
وتُقَدَّس حقوقها إلى الحدِّ الذي يواخَذ عنده نبيٌّ من الأنبياء؛ لأنه اعتدى عليها .. !! بل إنه حينَ يأمر بقتل حشرةٍ سامَّةٍ تفترسُ الناس بلَدْغِها .. يجعل المَهارةَ في قتلِها مرادفةً للرحمة بها .. انظروا: • قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قَتَل وَزَغَةً في أَوَلِ ضرْبَةٍ، كُتِب له مئَةُ
_________________
(١) أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[ ١ / ١٩٨ ]
حَسَنَة، ومَن قَتَلها في الضَّرْبَة الثَّانية، فلهُ كذا وكذا حسنَة، وِإنْ قتلها في الضرْبة الثالثة، فله كذا وكذا حَسَنة" (^١).
إن الوَزَغة حشرة سامةٌ كالأفعى، والخلاصُ من شرِّها ضروري .. ولكن حتى هنا لا يَنسَى "محمد" - ﷺ - فينشيءُ مِن مثوبةِ الله سبحانه جائزةً لمن يُجهِزُ على تلك الحشراتِ القاتلة، دونَ أن يُسبّب لها ألَمًا -أيَّ ألم-!! أجلْ، جائزةٌ لمن يُصيبُ الهدفَ دون أن يُبعثَ منه أنين .. !! .. ذلك أنَّ الرفقَ والرحمةَ عند محمد - ﷺ - هو جوهرُ الحياة وزينتُها.
• قال - ﷺ -: "ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلاَّ زَانَه، ولا نُزع من شيءٍ إلاَّ شانه" (^٢).
هذه وَمْضةٌ من وَمَضاتِ رحمةِ محمدٍ رسول الله - ﷺ - .. رحمتُه بالناس .. ورحمتُه بالأحياء جميعًا .. رحمةُ الرحمةِ المهداة الذي أرسله الله رحمةً للعالمين.
• قال - ﷺ -: "الراحمون يرحَمُهم الرحمنُ ﵎ .. ارحَموا مَنْ في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السماء" (^٣).
• وقال - ﷺ -: "بينما كلبٌ يُطيف بركيَّة (^٤) كادَ يقتله العطشُ، إذْ رأته
_________________
(١) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة.
(٢) رواه أحمد، ومسلم عن عائشة.
(٣) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود، والتر مذي، والحاكم، وزاد أحمد والترمذي والحاكم: "والرَّحم شُجْنةٌ من الرحمن، فمَنْ وصَلَها وصلَهُ الله، وَمَن قطعها قطعه الله .. " وصححه الألباني في "الصحيحة" (٩٢٥)، و"صحيح الجامع" (٣٥٢٢).
(٤) الرَكِّية: البئر.
[ ١ / ١٩٩ ]
بَغِيٌّ من بغايا بني إسرائيل فنَزَعت مُوقها (^١)، فاستقتْ لهُ به، فغُفِر لها" (^٢).
• وقال رسول الله - ﷺ -: "دخلت امرأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطتها؛ فلمْ تُطعِمها، ولم تَدَعْها تأكلُ مِنْ خَشاشِ الأرض؛ حتى ماتت" (^٣).
فمن وَسِعت رحمتُه الأحياءَ وجَحده أبعدُ الناس عن الرحمة، حُقَّ لهم أن يُطردوا مِن رحمةِ الله في الدنيا والآخرة جزاءً وفاقًا.
* ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾:
* قال تعالى: ﴿إنَّ شَانِئَكَ هوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
° قال ابن جرير الطبري: "إن مُبغِضَك -يا محمد- وعدوَّك هو الأبتر .. يعني بالأبتر: الأقل الأذلَّ المنقطعَ دابرُه الذي لا عَقِبَ له".
° عن ابن عباس - ﵁ - قال: "قَدِم كعبُ بنُ الأشرف مكةَ، فقالت له قريشٌ: أنت سيدُهم، ألا ترى هذا الصنبور المُنبترَ من قومه يزعمُ أنه خيرٌ منَّا، ونحن أهلُ الحَجيج وأهلُ السِّدانة وأهلُ السِّقاية!! فقال: أنتم خيرٌ منه .. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هوَ الأَبْتَرُ﴾ " (^٤).
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾: يَردُّ اللهُ الكيدَ على كائديه، ويؤكِّدُ اللهُ سبحانه أن الأبترَ ليس هو محمدًا - ﷺ -، إنما هم شانؤوه وكارهوه.
ولقد صَدَق فيهم وعيدُ الله، فقد انقطع ذِكرُهم وانطوى، بينما امتد
_________________
(١) المُوق: الخُفُّ.
(٢) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
(٣) رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة، والبخاري عن ابن عمر.
(٤) إسناده صحيح: رواه البزار، وأخرجه ابن جرير (٣/ ٣٣٠) وقال ابن كثير: إسناده صحيح.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ذِكرُ محمد وعلا، ونحن نشهدُ اليومَ مِصداقَ هذا القولِ الكريم، في صورةٍ باهرة، واسعةِ المدى كما لم يَشهَدْه سامِعوه الأوَّلون.
إن الإيمانَ والحق والخيرَ الذي جاء به محمدٌ - ﷺ - من عند ربِّه لا يمكن أن يكونَ أبتر، فهو ممتدُّ الفروع عميقُ الجذور، وإنما الكفرُ والباطلُ والشر هو الأبتر مهما ترعرع وزَهَا وتَجبَّر.
إن مقاييسَ الله غيرُ مقاييس البشر، ولكنَّ البشرَ ينخدعون ويغترُّون فيَحْسَبون مقاييَسهم هي التي تقرر حقائقَ الأمور! وأمامَنا هذا المَثَلُ الناطق الخالد.
فأين الذين كانوا يقولون عن محمدٍ - ﷺ - قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوبِ الرعاع أتباع كلّ ناعق، ويَحسبون أنهم قد قضَوا على محمد - ﷺ - وقطعوا عليه الطريق، أين هم؟ وأين ذِكراهم؟ وأين آثارُهم؟ إلى جوارِ الكوثر من كلِّ شيء، ذلك الذي أوتيه مَن كانوا يقولون عنه: الأبتر؟!.
إنَّ الدعوةَ إلى الله والحقِّ والخيرِ لا يمكنُ أن تكونَ بتراءَ، ولا يمكن أن يكونَ صاحبُها أبتر، وكيف وهي موصولةٌ بالله الحيِّ الباقي الأزَليِّ الخالد؟ إنما يُبترُ الكفرُ والباطلُ والشرُّ ويُبتَرُ أهلُه، مهما بدا في لحظةٍ من اللحظات أنه طويلُ الأجل ممتدُّ الجذور.
وصدق الله العظيم .. وكَذَب الكائدون الماكرون.
* لطيفة وإِعجاز:
سبحانَ مَلِكِ الملوك!! سبحان مَن كلامُه القرآنُ -وكلامُ المُلوك ملوكُ الكلام-!.
[ ١ / ٢٠١ ]
انظر إلى بعضِ أسرار البيان وإعجازِ القرآن في سورة "الكوثر"، كلُّها تدورُ على أن شانِئَ النبيِّ هو الأبترُ تصدِّق ذلك سِيرته:
° "إنَّ هذه السورةَ عَشْر كلماتٍ في الكتابة، إشارةً إلى أن تمامَ بَتْرِ شانئه يكونُ مع تمام السَّنةِ العاشرةِ من الهجرة، وكذا كان، لم تَمْضِ السَّنةُ الحاديةَ عشْرةَ من الهجرة وفي جزيرةِ العرب إلاَّ مَن يَرى أشرفَ أحواله بَذْلَ نفسِه ومالِه في حُبِّه، وإذا أضْفنا إليها الضميرين المستترْينِ كانت اثنَتْي عشْرة، وفي السَّنة الثانيةَ عشْرةَ من النبوَّة بايعه - ﷺ - الأنصارُ على مُنابذةٍ الكفار، وإذا أُضيف إلى العشرةِ الضمائِرِ البارزةِ الخمسةُ كانت خَمْس عشرة، فتكون إشارةً إلى أنه - ﷺ - عند تمام السَّنةِ الخامسةَ عشْرةَ من نبوَّته يَبسُطُ يَدَه العاليةَ لبترِ أعدائِه، وكذا كان في وقعة "بدر" الرفيعة القَدْر، ففي ضمائرِ الاستتارِ كانت "البيعةُ" وهي مستترة، وفي الضمائرِ البارزة كانت "بدر" وهي مشتهرة، وإذا أضيف إلى ذلك الضميرانِ المستترانِ كانت سَبْعَ عشرة، وفي السَّنة السابعةَ عشْرةَ، من نبوَّته كانت غزوةُ "بدر الموعد"، وفَّى فيها النبي - ﷺ - بالوعد في الإِتيان إلى بدرٍ للقاءِ قريش للقتال ومقارعةِ الأبطال، فآذَنَهم اللهُ فلم يأتوا، وإنما اعتُبر ما بعد الهجرة من أحوال النبوة عندما عُدَّت الكلمات الخطيَّة العشر لكونها أقوى أحوالِ النبوة -كما أن الكلماتِ الخطيةَ أقوى من الضمائر وإنِ اشترك الكلُّ في اسم الكلمات-، فلذلك أُخذ تمام البتر للشانئ، وهو ما كان في السنة الحاديةَ عشْرةَ من هلاك أهل الرِّدة وثباتِ العرب في صفة الإسلام .. ولما ضُمَّت الضمائرُ البارزة الخمسة -التي هي أقربُ من المستترة إلى الكلماتِ الخطية وأضعفُ من الكلمات الخطية - اعتُبر من أولِ السورةِ لمناسبةِ ما كان من ضعف الحال فيما
[ ١ / ٢٠٢ ]
كان قبل الهجرة، فوازى ذلك السنةَ الثانيةَ من الهجرة التي كانت فيها غزوة "بدرٍ الكبرى"، وهي وإن كانت من العِظَمِ أمر بالغ جدًّا، لكنها كانت على وجهٍ مخالف للقياس، فإنَّ حالَ الصحابة - ﵃ - كان فيها في غاية الضَّعف، ولكونها أولَ ما وقع فيه النصر من الغزوات لم تكن نفوس المخالفين مُذعِنةً؛ لأن ما بعدها يكون مِثْلَها، فإذا ضُمَّ إلى ذلك الضميران المستتران -وهما أضعف من البارز- انطبق العددُ على سَنةِ غزوةِ "بدر الوعد" في سنه أربع، وهي -وإن كانت قويةً لكونِ قريش ضَعفوا عن اللقاء - لكنْ كان حاَلُها أضعفَ من "بدر" التي وقع فيها القتالُ وأستر، وكونُ كلماتِها الخطيةِ والاصطلاحيةِ التي هي أبعاضُ الكلماتِ الخطية سبْعَ عشْرةَ مؤذِنٌ بأن الأمرَ في ﴿فَصَلِّ﴾ مُصوَّبٌ بالذات وبالقصدِ الأول إلى الصلواتِ الخمس التي هي سَبْعَ عشْرةَ ركعة، وأن مَن ثابر عليها كان مُصليًا خارجًا من عُهدةِ الأمر، فإذا قُصِدَتْ في السَّفَرَ بما اقتضته صِفة التربية بالإحسان نَقَصت بقَدْرِ عِدَّةِ الضمائرِ سوى الذي وفى الأمر بها؟ لأن الأمرَ الناشئَ عن مَظهرِ العَظمة لا يليق فيه التخفيف بنفس كلمةِ الأمر، وإذا أضفنا إليها كلماتِ البسملة الأربعَ كان لها أسرار كبرى من جهةٍ أخرى، وذلك أن الكلماتِ الخطيَّةَ تكون أربعَ عشْرةَ إشارةً إلى أن ابتداءَ البَتْرِ للأضداد يكونُ بالقوَّة القريبة من الفِعل بالتهيئ له في السَّنةِ الرابعةَ عشْرةَ من النبوة، وذلك عامَ الهجرة، فإذا أضفنا إليها الضمائرَ البارزة التي هي أقربُ إلى الكلمات الخطية -وهي خَمْسة- كانت تِسْعَ عشرة، وفي السنةِ التاسعةَ عشْرةَ من النبوة -وهي السادسة من الهجرة- كان الفتحُ المُبين على الشانِئين الذي أنزل الله فيه سورة "الفتح"، فإذا أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين
[ ١ / ٢٠٣ ]
وهي سَنة ثمانِ من الهجرة سَنَة الفتح الأكبر الذي عمَّ العِلمُ فيه بأن الشانئَ هو الأبتر، وإذا اعتَبَرْتَ خروفَها المتلفَّظَ بها كانت أربعةَ وأربعين حَرْفًا، فإذا ناظَرْتها بالسِّنين مِن أولِ حينِ النبوة كان آخِرها سنةَ إحدى وثلاثين من الهجرة، وهي سنة البتر الأعظم لشانئِهِ الأكبر الذي مَزَّق كتابه، وكان مالِكًا لبلاد اليمن، وهو قَدْرٌ كبيرٌ من بلاد العرب، وكذا لغيرهم مما قارَبَ بلاده، وكانت قريشٌ تجعلُه مِن عدادهم، وهو كسرى ملك الفرس، ففيها كان انقراضُ فلكِهم بقتل آخِرِ ملوكِهم "يزدَجِرْد"، كما أنك إذا اعتبرت كلماتِها الخطيةَ مع الضمائر البارزة التي هي كلماتٌ اصطلاحية -دون ما استُتر- فإنَّ وجوبَ استتارِه مَنع من عَدِّهِ كانت تسْعَ عشْرةَ كلمة، فإذا اعَتَبْرت بها ما بعد الهجرة وازَتْ وقتَ موتِ "قيصَر" طاغية الروم في سنةِ تِسْعَ عشْرَة من الهجرة أهلكه الله، وقد تجهَّز إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه، وأمر ألاَّ يتخلَّف عنه أحدٌ من الروم فكَسَر الله بموته شوكةَ الروم، واستأسدت العربُ عند ذلك، فكانت الأحرُفُ مشيرة إلى بتر الشانئ من الفرس، والكلماتُ مشيرةً إلى بتر الشانئ من الروم، والفرس أولى بإشارةِ الأحرف لأنهم ليسوا بذَوِي عِلم، والروم بالكلمات لأنهم أهلُ علم، والكلماتُ أقربُ إلى العلم، وإذا اعتَبَرْت أحرفَ البسملة اللفظيةَ كانت ثمانيةَ عَشَر حرفًا، فإذا جعلتها سِنين من أول النبوة كان آخرُها سنةَ خمس من الهجرة، وفيها كانت غزوة "الأحزاب"، قال النبي - ﷺ - بعد إنصرافهم منها-: "الآن نغزوهم، لا يغزونا"، فهو أولُ أخذِ الشانئِ في الانبتار، وإذا اعتبرتَ الأحرفَ بحسبِ الرسم كانت تسعةَ عشَرَ آخرُها سنةَ ستٍّ، هي عُمرةُ الحديبية سنةَ الفتح السّبَبي، وهو الصّلحُ الذي نزلت فيه سورةُ "الفتح" وسماه الله فتحًا، وقال
[ ١ / ٢٠٤ ]
النبي - ﷺ -: "إنه أعظمُ الفتح"، فكان سببُ الفتح الأعظم بخُلطةِ الكفارِ لأهل الإسلام بالصُّلح، فأسرعوا إلى الإسلام بالدخول فيه لِمَا رَأَوا من محاسنِ الدين وإعجازِ القرآن، فكانوا يومَ الفتح عَشَرةَ الَافٍ -بعد أن كانوا قبلَ ذلك بسنتين يومَ الحديبية ألفًا وأرَبَعمئة-، والله الموفق.
هذا يسيرٌ من أسرارِ هذه السورة، وقد عُلم منه من إعجازِها ما يشرحُ الخواطر ويُبهج النواظر؛ لأنه يفوقُ حُسنًا على الرياض النواضر، وعُلم أيضًا جنونُ الخبيثِ المَسخرةِ مُسيلِمةَ الكذاب -عليه اللعنةُ والتباب، وله سوء المنقلب والمآب-، حيث قال في معارضتها: "إنا أعطيناك الجماهر، فَصلِّ لربك وهاجر، إنا كفيناك المُكابر أو المُجاهر"؛ لأنه كلامٌ -مع أنه قصيرُ المدى-، رَكيكُ اللُّحمة والسدى، غريقُ الساحة والفنا في الهلك والفنا، ليس فيه غَنى، بل كلُّه نَصَبٌ وعنا، هَلْهَل النسج، رثُّ القوى، مُنفصمُ العُرى، مخلخَلُ الأرجا، فاسدُ المعنى والبنا، سافلُ الألفاظ، مر الجنا" (^١) اهـ. فسبحان من علا كلامه على كل كلام.