الحارث بن سعيد - لعنه الله -، كان مولًى لأبي الجلاس نزل دمشق (^٢) تعبَّد بها وتنسَّك وتزهَّد، ثم فكِر به، ورجع القَهْقَرى على عَقِبيه، وانسلخ من آياتِ الله تعالى، وفارقَ حزبَ الله المفلِحين، واتبع الشيطانَ، فكان من الغاوين" (^٣).
وكانت بدايةُ ضلاله أنه "كان متعبِّدًا زاهدًا لو لَبسِ جُبَّةً من ذهب
_________________
(١) "الفرق بين الفرق" (ص ٥٠)، و"البداية والنهاية" (٨/ ٢٨٩)، و"تاريخ ابن الوردي" (١/ ١٧٦).
(٢) "البداية والنهاية" (٩/ ٢٧)، و"تلبيس إبليس" (ص ٤٢٧).
(٣) "البداية والنهاية" (٩/ ٢٧)، و"تلبيس إبليس" (ص ٤٢٧)، و"تهذيب ابن عساكر" (٤٤٢/ ٣).
[ ١ / ٣٩٥ ]
لرأيتَ عليه زِهادة، وكان إذا أخذ في التحميد لم يُصْغ السامعون إلى كلامٍ أحسنَ من كلامه .. فكتب إلى أبيه: يا أبتاه، عجِّل عليَّ، فإنه قد رأيتُ أشياءَ أتخوَّف منها أن تكونَ من الشيطان .. فزاده أبوه غَيًّا، وكتب إليه: يا بُني أقبل على ما أمِرت به، إن اللهَ يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، ولستَ بأفَّاكٍ ولا أثيم، فامْضِ لما أُمِرت به، وكان يجيءُ إلى أهل المساجد رجلًا رجلًا فيَذكرُ لهم أمره، ويأخذُ عليهم العهودَ والمواثيقَ إن هو رأى ما يُرضَى قَبِل وإلاَّ كَتَم عليه" (^١).
° فعَرَض على القاسم بن مُخيمِرةَ وقال له: "إني نبيٌّ، فقال له القاسم: كذبتَ يا عدوَّ الله، ما أنت بنبيٍّ" (^٢).
ثم أُخبر به قاضي دمشق وأَخبر بدوره الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروان.
فاختفى الحارث بعد ذلك ببيت المقدس، وجَهل الناسُ خَبَره، فتسلَّط عليه رجل من أهل البصرة حتى عَرَف مَدْخَلَه ومَخْرَجه، وتظاهر له بالتصديق، وقال له: "إن كلامك لَحَسن، وقد وقع في قلبي، وقد آمنتُ بك، وهذا هو الدِّينُ المستقيم، فأَمَر ألاَّ يُحجَب عنه متى أراد الدخول عليه، فاتَّصل بعبد الملك، وأخبره الخبر، فسيَّر معه جنودًا مِن العجم، وتمَّ القبض عليه، وجيء به إلى عبد الملك، فأَمَر بخشبة فُنصِبت فصلبه، وأمر بحَرْبة، وأمر رجلًا فطَعَنه، فلما صار إلى ضِلع من أضلاعه فانكفأت الحربةُ عنه،
_________________
(١) "تليس إبليس" (ص ٧٢٤).
(٢) "البداية والنهاية" (٩/ ٢٨).
[ ١ / ٣٩٦ ]
فجعل الناسُ يَصيحون ويقولون: الأنبياءُ لا يجوزُ فيهم السّلاح، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين تناوَلَ الحربةَ ثم مشى إليه، وأقبل يتحسَّسُ حتى وَافَى بيْن ضِلْعَيْن فطعنه بها فأنفذه فقتله" (^١).
° "وقد كان عبدُ الملك حَبَسه قبل صَلْبِه، وأَمَر رجالًا من أهل الفقه والعلم أن يَعِظُوه ويُعلِموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبلَ منهم، فصَلَبه بعد ذلك" (^٢).
° "ومن مخاريقه أنه كان يأتي إلى رُخامةٍ في المسجد فيَنقِرُها بيدِه فتُسبِّحُ تسبيحًا بليغًا حتى يضجَّ مِن ذلك الحاضرون".
* "وكان يُطعِمُهم فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أرُيكم الملائكة .. فيَخرجُ بهم إلى دَيرِ المراق، فيُريهم رِجالًا على خَيل بُلْقٍ فيَتْبَعُه على ذلك بَشَر كثير" (^٣).