° ثم نأتي إلى الطرفِ الثاني من غير المسلمين الذي تشدَّقوا كثيرًا بالسلام والمسالمة إلى حدِّ القول: "سمعتم أنه قيل عَينٌ بعين وسِنٌّ بسن، أمَّا أنا، فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل مَن لَطَمَك على خَدك الأيمنِ، فحَوِّل له الآخَرَ أيضًا .. ومَن أراد أن يخاصمَك ويأخذَ ثوبَك، فاتركْ له الرِّداءَ أيضًا .. ومَن سَخَّرك مِيلًا واحدًا، فاذهب معه اثنين .. سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك .. وأما أنا، فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وبارِكوا لاعِنِيكم، أحسِنوا إلى مُبغضِيكم، وصَلُّوا لأجل الذين يُسيؤون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات".
إنجيل متى. إصحاح ٥: ٣٨ - ٤١، ٤٣ - ٤٥
° ولكنَّ الواقعَ والتاريخَ خيرُ شاهدٍ بكذِبهم، فهم وحوشٌ ضاريةٌ حتى مع بني ديانتهم:
لقد مارست كنيسةُ النصرانية الغربية، ومعها الدولة الرومانية والبيزنطية -بعد تديُّنِ هذه الدولة بالنصرانية-، مارستا حَربًا من الاضطهاد البشع ضدَّ النصرانية الشرقية -والمصرية منها على وجه الخصوص-، حتى لقد اعتبر النصارى المصريُّون هزيمةَ الدولةِ البيزنطية أمامَ الفتح الإسلاميِّ عقابًا إلهيًّا لهذه الدولة وكنيستها على الاضطهاد الذي مارسوه ضدَّ نصارى مصر، عندما أصبحوا -في هذا الاضطهاد الدينيِّ والحضاريِّ- طعامًا للنار والأسود وأسماك البحار! .. وصُبَّتْ عليهم كلُّ ألوانِ التعذيب! .. فكتب "ميخائيل السرياني" يقول: "لم يسمح الأمبراطورُ لكنيستنا "المونوفيزتية" -[أي القائلة بالطبيعة لواحدة للمسيح]- بالظهور، ولم يُصْغ إلى شكاوى
[ ١ / ١٦٦ ]
الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نُهبت، ولهذا فقد انتَقم الربّ منه .. لقد نَهب الرومانُ الأشرارُ كنائسَنا وأَدْيِرَتَنا بقسوةٍ بالغة، واتهمونا دونَ شفقة، ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناءُ إسماعيل -[أي العرب المسلمون]- لينقذونا من أيدي الرومان، وَتَركَنا العربُ نمارسُ عقائدنا بحرية، وعشنا في سلام" (^١).
فبسبب اختلاف المذهب، وقفت الكنيسة الرومانية مع دولتها الاستعمارية، ومارست القَهْرَ المديني والحضاري للنصارى الشرقيين.
° كذلك شَنَّت الكنيسة الغربيةُ ضدَّ الشرق الإسلامي حربًا صليبية "مقدسة" استمرت حملاتُها قرنين من الزمان [٤٨٩ - ٦٩٠ هـ ١٠٩٦ - ١٢٩١ م]، وأشركت فيها الملوكَ وأمراءَ الإقطاع والرَّعاعَ من سائر أنحاء أوروبا- حتى كأنها أولى الحروب العالمية التي مارسها الغرب ضد الشرق! -، وفي هذه الحرب الصليبية استَخدمت الكنيسة الدينَ لتحقيق المقاصدِ الاستعمارية، ولإعادةِ اختطافِ الشرقِ من التحرير الإسلامي الذي أنقذ الشرقَ ونصرانيتَه من إبادةِ الاضطهاد "الأغريقي- الروماني" الذي دام عشَرةَ قرون - من الإسكندر الأكبر [٣٥٦ - ٣٢٤ ق. م] في القرن الرابع قبل الميلاد، إلى الفتوحات الإسلامية في القرن السابع للميلاد-.
° إنها حربٌ قادتها الكنيسةُ، وأعلنها البابا الذهبي "أوربان الثاني" [٥٨٨ - ١٠٩٩ م] عندما خاطب فرسانَ الإقطاع الأوروبيين سنة ١٠٩٥ م في "كلير مونت" بجنوبي فرنسا- قائلًا: "يا مَن كنتم لصوصًا، كونوا اليوم
_________________
(١) "تاريخ مصر في العصر البيزنطي" (ص ٦٢) للدكتور صبري أبو الخير سليم.
[ ١ / ١٦٧ ]
جنودًا! لقد آن الزمانُ الذي فيه تُحوِّلون ضدَّ الإسلام تلك الإسلحةَ التي أنتم لِحَدِّ الآنَ تستخدمونها بعضُكم ضدَّ بعض .. فالحربُ المقدَّسةُ المعتمَدةُ الآن هي في حقِّ الله عينه .. وليست هي لاكتسابِ مدينةٍ واحدة .. بل هي أقاليمُ آسيا بجُملتها، مع غناها وخزاينها العديمة الإحصاء.
فاتخذوا مَحَجَّةَ القبر المقدس، وخلِّصوا الأراضي القدسةَ من أيادي المختلسين، وأنتم املكوها لذواتكم، فهذه الأرض -حسب ألفاظ التوراة - تَفيضُ لبنًا وعسلًا .. ومدينة "أورشليم" هي قطبُ الأرض المذكورة، والأمكنةِ المخصبةِ المشابهةِ فردوسًا سماويًّا.
اذهبوا وحارِبوا البربر -يقصد المسلمين! - لتخليص الأراضي المقدسة من استيلائهم .. امضُوا مُتَسَلِّحِين بسيفِ مفاتحي البطرسية -أي: مفاتيح الجنة التي صنعها لهم البابا! -، واكتسبوا بها لذواتكم خزائن المكافآت السماوية الأبدية، فإذا أنتم انتصرتم على أعدائكم، فالمُلكُ الشرقيُّ يكون لكم قَسْمًا وميراثًا.
وهذا هو الحينُ الذي فيه أنتم تَفْدُون عن كثرة الاغتصابات التي مارستموها عدوانًا .. ومن حيث إنكم صبغتم أيديَكم بالدم ظلمًا، فاغسلوها بدمِ غير المؤمنين" (^١).
فهي حرب "دينية- استعمارية"، يذهبُ إليها فِرسانُ الإقطاع الأوروبيون، اللصوص المصطبغةُ أيديهم بدماءِ المظلومين، ليغسلوا أيديَهم
_________________
(١) "تاريخ الحروب المقدسة في الشرق المدعوة حرب الصليب" لمكسيموس مونروند (١/ ٤١٣) ترجمة مكسيموس مظلوم.
[ ١ / ١٦٨ ]
بدماء المسلمين!! .. وهم في حَملاتهم الصليبية المقدسة هذه، يحملون مفاتيحَ الجنة -المفاتيح البطرسية التي صنعها لهم البابا الذهبي" أوربان الثاني" -ليفتدوا أنفسهم من كثرةِ الاغتصابات التي مارسوها عدوانًا .. وأيضًا ليتملَّكوا ويرِثوا- بهذه الحرب "المقدسة" - التي هي "في حق الله عينه" -أي في سبيل الذات الإلهية!!! حسب تعبير الباب - كل أقاليم آسيا ذات الخزائن الغنية التي تفوق الأحصاء، والتي تَفيض لبنًا وعسلًا!! .. والتي تشابهُ في الخصوبة فردوسًا سماويًّا!!.
هكذا تحولت المقاصدُ الدينية المقدسة إلى سبُلٍ وآلياتٍ وطاقاتِ شَحنٍ لتحقيق الاستعمار والنهب والاستغلال .. وأصبحت الآخرةُ في خدمة لصوص الدنيا .. وحملت الأيدي المخضبةُ بدماء المظلومين مفاتيحَ الفردوس الإلهي الأعلى!.
وفي موقعة احتلال الصليبيين لمدينة القدس وحدَها سنة ١٠٩٩ م تمت مَجزرةُ الإبادة الكاملة لسكَّانها المسلمين -ومعهم اليهود- بالقتل والذبح والإحراق .. ونحن ننقلُ عن شهودِ العِيان النصارى، الذين حَفِظت لنا مشاهداتِهم المصادرُ النصرانية، لمحةً من لمحات هذه الحرب الدينية النصرانية على الإسلام والمسلمين.
° تقول هذه الشهادات -في كتاب "تاريخ الحروب المقدسة في الشرق، المدعوة حرب الصليب": "إن ديوانَ المشورة العسكرية الْتَيَم -أي: اجتمع- وقَطع حُكمًا مرهبًا، هو: أن يُمات كلُّ مسلم باقٍ داخلَ المدينة المقدسة .. وهذا الحكم المَهيل قد تَباشَرَ بالعمل .. ودامت هذه الملحمة مدةَ سبَّب -أي: سبعة أيام- كاملة"!!.
[ ١ / ١٦٩ ]
وحتى الذين هَربوا واحتمَوا بالمسجد - مسجد عمر بن الخطاب - "قبة الصخرة" - ذبحهم الصليبيون في المسجد .. وبعبارة شهود العيان: " .. على أنه باطلًا -أي: عبثًا-كان الإسلامُ -أي: المسلمون- في "أورشليم" يجدُّون مفتِّشين عن مَهْرَبٍ يحمُون به حياتَهم .. فعددٌ كليٌّ منهم قد هربوا إلى جامع عمر ظانين أنهم هناك يحمُون ذواتَهم من الموت، ولكنَّ ظنَّهم خاب، إذ إن الصليبيين -خيَّالةً ومُشاةً- قد دخلوا الجامع المذكور، وأبادوا بحد السيف كل الموجودين هناك .. حتى استوعب الجامعُ من الدم بحرًا متموِّجًا، علا إلى حدِّ الرُّكَب، بل إلى لجُم الخيل .. وذلك مما فَتكت به سيوفُ الجيوش الصليبية أرقابَ -أي: رقاب- الإسلام -أي: المسلمين - .. " (^١).
° وبعد أن "كَلَّت أيدي الصليبيين من سفك الدماء"!! -كما يقول مؤلف هذا الكتاب رجل الدين النصراني "مكسيموس مونروند" -: "ذهبوا إلى كنيسة القيامة - التي حرَّرها عمر بن الخطاب، وتحرَّج أن يُصلِّيَ فيها، كي تظلَّ خالصةً للنصرانية والنصارى - ذهب الصليبيون إلى كنيسةِ القيامة، وهم سُكارى، يرددون الصلوات، وأيديهم غارقةٌ في دماء المسلمين الذين ذبحوهم في مسجد عمر بن الخطاب"!! .. وبعبارة شهود العيان النصارى: " .. ولما حَلَّ المساء، اندفع الصليبيون يبكون من فَرْطِ الضحك-!! - بعد أن أتوا على نبيذ المَعَاصر-!! - إلى كنيسة القيامة، ووضعوا أكفَّهم الغارقة في الدماء على جُدرانها، ورددوا الصلوات .. "!!.
ثم كتبوا إلى البابا الذهبي "أوربان الثاني"، الذي صَنع لهم مفاتيح
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٧٢، ١٧٣).
[ ١ / ١٧٠ ]
الجنة لقاءَ هذا الذي صنعوا بالإِسلام والمسلمين .. فقالوا: "يا ليتك كنتَ معنا لتشهدَ خيولَنا وهي تَسبحُ في دماء الكفار -أي: المسلمين- .. "!!.
وإذا كانت هذه شهادةً نصرانيةً قديمة، توكِّدُ على توسُّل الكنيسةِ الغربية بالدين لإعادة اختطافِ الشرق من الإسلام، لِنَهْبِ ثرواته .. فإن شهادةً نصرانيةً معاصرةً تؤكِّدُ -هي الأخرى- على الطابع المديني لهذه الحرب الصليبية -التي دامت قرنين ضدَّ الإسلام- وفي هذه الشهادة المعاصرة يقول الدكتور "جاك تاجر": "إن ضخامةَ الوسائل التي أعدها الصليبيون، وتعدُّدَ هجماتهم، تدل بلا شك على أن الحروبَ الصليبيةَ كانتا محاولةً لمحو نفوذِ الإسلام في الشرق، فقد شُنَّت هذه الحرب أولَ ما شُنَت لانتزاع حمايةِ القبرِ المقدَّس من الخلفاء، ولكنها ما لَبِثَتْ أن تحوَّلت إلى قتالٍ عامٍّ بين جيوش الإسلام وجيوشِ المسيحية، أي: بين الشرق المسلم والغرب المسيحي" (^١).
* وصفحة أخرى -دامية- من صفحات الحروب الدينية للكنيسة الغربية، تلك التي تمثَّلت في نَشْرِ النصرانية بحدِّ السيف، وإبادةِ كلِّ مَن لم يتدينْ بدينِ المَلِكِ أو الأمير الذي اعتنق النصرانية! ..
° فالملك "شارلمان" [٧٤٢ - ٨١٤ م،] فَرَض النصرانيةَ على السكسونيين بحد السيف! ..
° وفي الدنمارك، استأصل الملك "كنوت - Cnut " [٩٩٥ - ١٠٣٥ م] الدياناتِ غيرَ المسيحيةِ من بلادِه بالقوة والإرهاب!.
_________________
(١) " أقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى سنة ١٩٢٢ " للدكتور جاك تاجر- أصدرها أقباط المهجر مدينة جرسي بأمريكا سنة ١٩٨٤.
[ ١ / ١٧١ ]
° وفي روسيا، فَرَض الأمير "فلاديمير- Vldimir " [٩٨٠ - ١٠١٥ م] المسيحية الأرثوذكسية على كلِّ الروس غداةَ اعتناقه لها سنة ٩٨٨ م!.
° وفي الجبل الأسود، ذبح "دانيال بيتروفيتش- D.petrovich " غيرَ المسيحيين -بمن فيهم المسلمون- ليلةَ عيدِ الميلاد سنة ١٧٠٣ م!.
° وفي المجر أرغم الملك "شارل روبرت" [١٣١٦ - ١٣٧٨ م] غيرَ المسيحيين على التنصر أو النفي من البلاد سنة ١٣٤٠ م!.
° وفي إسبانيا -قبل الفتح الإسلامي لها - أقسم الملوكُ على التنفيذ بالقوة لقرار "المجمع الكنسي السادس" -في "طلَيطلة"- تحريم كل المذاهب المخالفة للمذهب الكاثوليكي!. .
* أما الحروبُ الدينية التي قادتها وخاضتها الكنائسن الغربية بعضها ضدَّ البعض الآخر -أي في داخل النصرانية، وبين أتباع مذاهبها، التي أصبح لكلِّ مذهبٍ فيها "قانون للإيمان" يحتكرُ الخَلاصَ لأبناء المذهب دون سواهم - هذه الحروب التي اشتَعلت لإبادة المخالِفين في المذهب، أو إكراهِهم على تغييرِ عقيدتهم .. فإنها شهيرة، حتى لقد مَثلت "عصرًا" من عصور الحضارة الغربية! .. وهي قد امتدَّت أكثرَ من قرنين، بين الكاثوليك وبين البروتستانت .. واشتُهر منها إحدى عشرة حربًا-[١٥٦٢ - ١٥٦٣ م] و[١٥٦٧ - ١٥٦٨ م] و[١٥٦٩ - ١٥٧٠ م] و[١٥٧٢ - م ١٥٧٣] و[١٥٧٤ - ١٥٧٦ م] و[١٥٧٦ - ١٥٧٧ م] و[١٥٨٠ م] و[١٥٨٥ - ١٥٩٤ م] و[١٥٨٦ م] و[١٦٢١ م] و[١٦٢٥ - ١٦٢٩ م] ولقد ذهب ضحية لهذه الحروب ٤٠% من سكان وسط أوروبا ..
[ ١ / ١٧٢ ]
ووفق إحصاء "فولتيرا " [١٦٩٤ - ١٧٧٨ م] عشرة ملايين إنسان!. .
وذلك غير حربِ الكنيسة اللاتينية الغربية ضدَّ كنيسةِ "أياصوفيا" اليونانية- بالقسطنطينية-[١٢٠٢ - ١٢٠٤ م]، والتي تم فيها التدميرُ والاحتلالُ والسَّلبُ والنهب للملكة القسطنطينية بأسرها! (^١).
° أما صفحةُ الحربِ الدينية التي أعلنتها وخاضتها الكنائسُ الغربية، باسم "محاكم التفتيش" عندما أَعلنت أن "خلاص" المخالفين إنما يتحقق "بتخليصهم من الحياة"!، بعد صَبِّ صنوف العذاب عليهم!! .. فلقد دامت هذه الحربُ البشعةُ من عهد البابا "إنوسنت الثالث" [١١٩٨ - ١٢١٦ م]-في القرن الثالث عشر الميلادي- حتى القرن السابع عشر!! .. وغَطَّت جميعَ ممالكِ وإماراتِ النصرانية الغربية .. وذهب ضحيَّتها ملايينُ الضحايا، الذين حَكمت عليهم الكنيسةُ "بالخلاص: الذي يخلِّصُهم من الحياة" بالإغراق- أو الإحراق .. أو الإعدام على الخازوق- الذي استمر عقوبةً للمخالفين ثلاثة قرون!! - .. (^٢).
° أما أحدث صفحاتِ وموجاتِ هذه الحروب الدينية الغربية ضد الإسلام وأُمَّته وعالَمِه، فهي تلك التي أعلنها اليمينُ الدينيُّ الأمريكي، في
_________________
(١) "قصة الحضارة" لول ديورانت المجلد السادس (ج ٣، ٤) ترجمة د. عبد الحميد يونس- القاهرة، المجلد الرابع (ج ٤ ص ٤٦ - ٥٣)، و"الدعوة إلى الإسلام" لسيرتوماس أرنولد (ص ٣٠ - ٣٢، ٧٢، ٧٣، ١٢٢ - ١٢٤، ١٣٥، ١٣٦، ١٤١، ١٤٣، ١٥٤ - ١٥٦، ٢٢٣، ٢٢٦، ٢٧٤، ٢٧٦) ترجمة د. حسن إبراهيم حسن، د. عبد المجيد عابدين، إسماعيل النحراوي.
(٢) "قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام" للدكتور توفيق الطويل (ص ٧٠ - ١١٢).
[ ١ / ١٧٣ ]
الإدارة الأمريكية، بقيادة "جورج بوش- الصغير"، بعدَ أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة ٢٠٠١ م- في أمريكا -.
وهي حربٌ تستهدفُ بترول الشرق الإسلامي -من منطقة البحيرات الأفريقية إلى بحر "قزوين"، مرورًا بالعراق والخليج العربي- لتحقيق الهيمنة الأمريكية على العالم، وانفرادِ الإمبريالية الأمريكية بالزعامة -دون شَريك- في القرن الواحد والعشرين .. ويقودها اليمين الدينيُّ الأمريكي، برؤية تَوْرَاتية، توحِّدُ بين هذا اليمين اليروتستانتي وبين اليمين اليهودي والصهيوني.
وإذا كان الجميعُ مُجمِعين على استهدافِ هذه الحربِ الاستيلاءَ على مصادر الطاقة للانفراد بالهيمنة على العالَم .. فإن الطابعَ الدينيَّ لهذه الحربِ تقومُ عليه شواهدُ وأدلةٌ وحقائق عديدة لا ينكُرها إلاَّ مُكابر.
لقد وصف "جورج بوش - الصغير" هذه الحرب في ١٦ سبتمبر سنة ٢٠٠١ م - بأنها "حملة صليبية" -وهي عبارةٌ لمعناها في العقل المسلم تاريخ- ثم جَرَت محاولات -غربية ومتغرِّبة! - للتخفيف من وقع هذه العبارة على العالم الإسلامي، بالقول: إنها "زَلَةُ لسان"! ..
° لكنَّ تداعياتِ الوقائع والأحداث، في هذه الحرب الممتدة، قد جَعلت حتى الفاتيكان -وهو أكبر كنائس النصرانية- يعلِن -من خلال إذاعته الرسمية، التي تذاغ بتسع وثلاثين لغةً، وعلى لسان مديرِ هذه الإذاعة الرسمية الأب "باسكوالي بور جوميو"- يعلن أن الإدارةَ الأمريكية في حَمْلتِها على العراق، تتصرف "بلهجة ومواقف صليبية"، فيقول: "في الوقت الذي
[ ١ / ١٧٤ ]
يدعو الفَاتيكان إلى التعقُّل، ويشجع العملَ الديبلوماسي، ويدافعُ عن الحق الدولي، نرى في الجانب الآخر قوةً عظمى تقودها إدارةٌ خَوَّلت إلى نفسها مهمةً إنقاذيةً-[مقدسة]- واتخذت لهجةً ومواقفَ صليبية"! (^١).
° أما الأنبا "يوحنا قلته "- نائب البطريك الكاثوليكي في مصر- فلقد أعلن: "أن بوش يستخدمُ المسيحَ دِرعًا والصليبيةَ ثوبًا للدفاع عن مصالحِ أمريكا المادية .. وأنه كان يقصدُ تمامًا معنى عبارة "الحملة الصليبية" .. ولم تكن أبدًا زَلَّةَ لسان" (^٢).
فهي "حرب صليبية" أعلنها ويقودها اليمين الدينيُّ الأمريكي .. بشهادة الفاتيكان -أكبرِ كنائس النصرانية، في الشرق والغرب-.
أما السيناتور "إدوارد كنيدي" والسيناتور "بابريك ليهي"، فلقد أعلنا: أن الإدارة الأمريكية مدفوعة إلى هذه الحربِ "بحماسةٍ مسيحية" (^٣).
° ولقد كَتبت "النيوزويك" -الأمريكية- عن "بوش- الصغير" (حامل البشارة)، فقالت: "إنه يؤمن أن حربَه على العراق ستكون حربًا عادلةً وِفقَ المفهوم المسيحي كما شرحها القديس أغسطين -في القرن الرابع- وفصَّلها كلٌّ من "توما الأكويني" [١٢٢٥ - ١٢٧٤ م]، ومارتن لوثر [١٤٨٣ - ١٥٤٦ م]، وآخرون، وأنه عندما استَخْدم مصطلح "الأشرار" في وصف خصومه، قد نَبَش هذه الكلمةَ مباشرةً من المزامير" و"أنه يُفَكِّر في سياسةٍ خارجيةٍ تستندُ
_________________
(١) صحيفة الحياة- لندن- في ٢٩ - ٢/ ٢٠٠٣ م.
(٢) صحيفة [العربي]- القاهرة في ١٦/ ٣/ ٢٠٠٣ م.
(٣) صحيفة الحياة- لندن- في ١٥/ ٣/ ٢٠٠٣ م.
[ ١ / ١٧٥ ]
إلى الإيمان .. ويفكِّرُ في حربِ باسم "الحريَّة المدنية" -بما في ذلك الحرية الدينية- في القلب القديم للإسلام العربي .. ويحظى بدعي قوِيٍّ من قاعدته في الجَناح السياسيِّ للمؤتمر المَعْمداني الجنوبي، من أمثال "ريتشارد لاند" و"فرانكلين جراهام" الأب الروحي لبوش -والذي سَبَّ رسولَ الإسلام، وُيندِّد بالإسلام باعتباره إيمانًا عنيفًا وفاسدًا-، ولا يَخفى -مع المبشرين الإنجيليين- رغبتُهم تحويلَ المسلمين إلى المسيحية، لا سيَّما في بغداد" (^١).
هذا ما كتبته "النيوزويك" الأمريكية- قبل شنِّ الحرب على العراق.
° أما الـ "نيويورك تايمز" فإنها كتبت مقالَين في ٥ و٦/ ٤/ سنة ٢٠٠٣ م -أي في ذروة الحرب على العراق- عن انخراطِ المبشِّرين الإنجيليِّين، تحت قيادة الآباء الرُّوحيين "لبوش" في الحملة الأمريكية على العراق، بصُحبة القواتِ الأمريكية الغازية .. الأمر الذي "صَبَغ الحرب على العراق بصِبغة الحروب الصليبيَّة .. وأنَّ مِن بين تلك الجماعات التبشيرية المُصاحِبة للجيش الأمريكي مبشِّرين تابعين للكنيسة المعمدانية والكنيسة المنهجية، وَكِلْتا الكنيستين كانت ضمنَ أهمّ الجماعات التي دَعَّمت الرئيسَ بوش ..
وهناك ٨٠٠ مبشِّر تطوَّعوا لمصاحبة الجيش الأمريكي الزاحف على العراق، لتقديم الدعم الرُّوحي والمادي للشعب العراقي .. ومِن بين هؤلاء المبشرين "فرانكلين جراهام" الذي دشَّن حفل تنصيب جورج بوش رئيسًا .. ووالده "بيل جراهام"، الذي أثار عاصفةً داخل المجتمعات الإسلامية عندما وَصف النبيَّ محمدًا بأنه "إرهابي" و"وثني" .. ولقد أعلن المبشِّرُ "فرانكلين
_________________
(١) مجلة "النيوزويك" الأمريكية- عدد ١١/ ٣/ ٢٠٠٣ م.
[ ١ / ١٧٦ ]
جراهام" -في القاعدة الأمريكية في الكويت-: "لقد جئتُ إلى هنا تمهيدًا لدخول العراق .. فرغم أن نسبةَ المسلمين في العراق تُشكَّل ٩٧% من إجمالي تعدادِ السكَّان، إلاَّ أننا يجبُ ألأَ ننسى أن المسيحية سَبقت الإسلامَ في دخول العراق .. إنني هنا لدعم مَسِيحِّيي العراق، لكننا في الوقت ذاته نخطط لتقديم الدعم للمسلمين، ليس باسمنا، ولكن باسم الرب".
° أمَّا والد هذا المبشر -القَس "بيل جراهام"-، فهو الأب الروحي لجورج بوش، الذي قال عنه بوش: "إنه الرجل الذي قادني إلى الربِّ .. وهو الذي جَعل بوش يواظب يوميًّا على القراءة في كتاب القَس "أوزوالد شامبرز" الذي مات سنة ١٩١٧ م وهو يَعظ الجنود البريطانيين والأستراليين بالزحف إلى القدس وانتزاعها من المسلمين" (^١).
° ويكتبُ المُفكَر الاستراتيجي الأمريكي "فرانسيس فوكوياما" بعد أحداث سبتمبر سنة ٢٠٠١ م فيقول: "إن الصراع الحالي ليس ببساطةٍ ضدَّ الإرهاب .. ولكنه صراعٌ ضدَّ العقيدة الإسلامية الأصولية .. التي تقفُ ضدَّ الحداثة الغربية -وضدَّ الدولةِ العِلمانية- وهذه الأيديولوجية الأصولية تُمثِّل خطرًا أكثر حساسيَّةً -في بعض جوانبه- من الخطر الذي شكَّلته الشيوعية .. والمطلوب هو حربٌ داخلَ الإسلام حتى يَقبلَ الحداثة الغربية والعلمانية الغربية .. والمبدأ المسيحي: دع ما لقيصر لقيصر .. وما لله لله".
فماذا فعلوا في حروبهم الدينية في أفغانستان والعراق؟. لقد أهلكوا الأخضرَ واليابس، وعاثوا في الأرض فسادًا، واغتصبوا النساء، وذبحوا
_________________
(١) ترجمة مقالي "نيويورك تايمز" عن صحيفة "الأسبوع" - القاهرة في ١٤/ ٤/ ٢٠٠٣ م.
[ ١ / ١٧٧ ]
الأطفال، ونسفوا القرى والمدن، وبالوا على المصاحف، وسلسلوا الأسرى عُراة، وأجبروهم على الأفعال الشاذة، وأطلقوا عليهم الكلاب، وما أحداث سجن "أبو غريب" ببعيد!!.
- فأيُّ الفريقين خير مَقامًا وأحسنُ نديًّا .. رسولُ الإسلام والسلام والمؤمنون .. أمِ الثعالبُ والذئاب .. من الصليبيين واليهود؟! ..
سيأتي اليوم الذي يُكشَفُ فيه التاريخُ الأسوء لما فُعِل بالمسلمين على أيدي هؤلاء.