كما تَطلُعُ الشمسُ بأنوارها فتُفَجِّرُ يُنبوعَ الضوء -المُسَمَّى بالنهار-، يُولَدُ محمدٌ رسول الله - ﷺ - فيُوجَدُ في الإنسانية يُنبوعُ النور -وهو الإسلام-.
وليس النهارُ إلاَّ يَقَظةَ الحياةِ تُحقِّقُ أعمالَها، وليس ما جاء به محمدٌ رسولُ الله - ﷺ - إلاَّ يقظةَ النفس تُحقِّقُ أفضالها.
والشمسُ خَلقها اللهُ حاملةً طابعًا خاصًّا، في عَمَلها للمادة تُحَوِّل به وتُغيِّر، والنبيُّ محمدٌ - ﷺ - أرسله اللهُ حاملًا طابعًا في عَمَله تترقَّى فيه النفسُ وتسمو.
وليس النبي محمد - ﷺ - إنسانًا من العُظماء يُقرأ تاريخُه بالفِكر معه المنطق، ومع المنطق الشكُّ، ولكنه إنسانٌ نَجمِيَ يُقرأ بمثل "التلسكوب" في الدِّقَّة معه العِلم، ومع العلم الإيمان.
ومحمدٌ رسول الله - ﷺ - مِثلُ النَّجم سراجٌ منير، وإشراقٌ على الإنسانية يُقوِّمها في فَلَكها الأخلاقي، ويجذبُها إلى الكَمَال في نظامٍ هو بعينه صورة لقانونِ الجاذبية في الكواكب.
ونفسُ رسولِ الله - ﷺ - أبلغُ الأثفس قاطبةً، لا يمكنُ أن تَعرِفَ
الأرضُ أكملَ منها ولو اجتمعت فضائلُ الحكماء والمتألِّهين، وجُعلت في نِصابٍ واحدٍ، ما بَلغت أن يجيء منها مِثلُ نفسه - ﷺ -.
نفسٌ سامقةٌ عاليةٌ تُطِلُّ على الدنيا من عَلٍ لتصحيح الوضعِ المغلوطِ للبشرية، وكأنَّ الحقيقةَ الساميةَ في هذا النبي - ﷺ - تنادِي: أن قابِلوا على هذا
[ ١ / ٢٩ ]
الأصل، وصحِّحوا ما اعترى أنفسَكم من غَلَطِ الحياة وتحريفِ الإِنسانية.
هو نَبع في الأرض لمعاني النور بإزاءِ الشمس نَبْع النور في السماء.
مِن أين تَدَبَّرْتَ هذه النفسَ العظيمةَ، رأيتَها تَنبسط على الإِنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحَى.
* قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وهو حاملُ النور إلى البشرية .. نورِ الوحي.
* وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
° قال العلامة ابن جرير الطبري: "قد جاءكم يا أهلَ التوراة والإنجيل ﴿مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ يعني بالنور محمدًا - ﷺ - الذي أنار اللهُ به الحق، وأظهر به الإسلام، ومَحق به الشرك، فهو نورٌ لمن استَنَار به، يُبيِّن الحقَّ، ومِن إنارته الحق تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يُخفون من الكتاب .. قد جاءكم من الله تعالى النورُ الذي أنار لكم به معالِمَ الحق" (^١).
نورٌ تُشرقُ به كينونةُ الإنسان عند الإيمان به وبما جاء به، فتَشِفُّ وتَخِفُّ وتَرِفُّ، ويُشرقُ به كل شيء أمامه، فيَتَّضحُ ويتكشَّفُ ويستقيم.
ثقلة الطين في كِيانه، وظُلمةُ التراب، وكثافةُ اللحم والدم، وعَرامةُ الشهوة والنزوة، كلُّ أولئك يُشرقُ ويُضيء ويتجلَّى .. تَخِفُّ الثقْلة،
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٨/ ٢٦٤) - طبع دار هجر.
[ ١ / ٣٠ ]
وتُشرقُ الظلمة، وتَرقُّ الكثافة، وترِقُّ العرامة .. واللَّبس والغَبَشُ في الرؤية، والتأرجُح، والتردُّد في الخُطوة، والحَيرة والشرودُ في الاتجاه والطريقِ البهيم الذي لا معالم فيه: كل أولئك يشرقُ ويضيء ويتجلَّى .. يتضحُ الهَدَف، ويستقيمُ الطريقُ إليه، وتستقيمُ النفسُ على الطريق.
° ولله درُّ القائل في نبي الله - ﷺ -:
وأبيضُ يُستسقَى الغمامُ بوَجهه … ثُمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
° ولله درُّ القائل:
كأن الثُرَيَّا عُلِّقَتْ بجبينه … وفي جِيْدِه الشِّعْرَى وفي وجِههِ القَمَرُ
عليه جَلالُ المَجْدِ لوْ أنَّ وَجْهَهُ … أضَاءَ بليلٍ هلَّلَ البَدْوُ والحَضَر
° عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "لَما كانَ اليوم الذي دخَل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة، أضاءَ منها كُلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء، وما نَفَضْنَا عن رسول الله - ﷺ - الأَيْدِي -وإِنَّا لَفِي دفْنِه- حتى أنكَرْنَا قُلُوبَنا" (^١).
وهو حامل النور -القرآن- إلى البشرية:
* قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وأعظمُ مِنَّةٍ وتكريم يَمُنُّ الله به ويورِدُه في كتابه الكريم هذا المثل:
_________________
(١) حديث صحيح: رواه أحمد، والترمذي وقال حسن صحيح، وكذا رواه ابن ماجه، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي".
[ ١ / ٣١ ]
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
والضمير في "نوره" يعود على الله سبحانه.
° قال أُبَيُّ بنُ كعب - ﵁ -: "مَثَلُ نورِه في قلب المسلم".
° وقال ابن القيم: "والمعنى: مَثَل نورِ الله ﷾ في قلب عبده .. وأعظمُ عبادِهِ نصيبًا من هذا النور رسولُه - ﷺ -".
والمؤمنُ قلبُه مُضِيءٌ يكادُ أن يُضيءَ بنفسه، يكادُ يعرفُ الحق بفطرته وعَقْله، ولكن لا مادَّةَ له من نفسه، فجاءت مادةُ الوحْي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشَتَه، فازداد نورًا بالوحي على نورِه الذي فَطَره الله عليه، فاجتمع له نورُ الوحي إلى نورِ الفِطرة، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾.
فما ظنك بنورِ رسول الله - ﷺ -؟!.
انظر إلى هذا التشبيه العجيب الذي تضمَّنته الآيةُ، فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نِعمته على عَبدهِ المؤمن -وأكملُ عبادِه رسولُه - ﷺ - بما أناله من نوره- ما تَقَر به عيونُ أهله، وتبتهجُ به قلوبُهم.
فتأمَّلْ صفةَ "المشكاة"، وهي كُوَّةٌ تَنفُذُ لتكونَ أجمعَ للضوء، قد وُضع فيها مِصباحٌ، وذلك المصباحُ داخلَ زجاجةٍ تُشبهُ الكوكبَ الدُّري في صَفائها وحُسنها، ومادتُه من أصفى الأدهانِ وأتمِّها وَقودًا، فمن شدةِ إضاءةِ زيتها وصفائِه يكادُ يُضيءُ من غير أن تمسَّه نار.
[ ١ / ٣٢ ]
• فالمشكاةُ صَدْرُ المؤمن، والزجاجةُ قلبُه، وبصفائه تتجلَّى فيه صُورُ الحقائق والعلوم على ما هي عليه، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "إن لله تعالى آنيةً من أهل الأرض، وآنيةُ ربكم قلوبُ عباده الصالحين، وأحبُّها إليه أَليَنُها وأرقُّها" (^١).
والشجرةُ المباركة: هي شجرةُ الوحي، وهي مادةُ المصباح التي يتَّقد منها.
فماذا ظنُّك بحظِّ رسولِ الله - ﷺ - مِن هذا المَثَل؟!.
• عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ اللهَ خَلَق خَلقَه في ظُلمة، ثم ألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه من ذلك النورِ اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ، فلذلك أقول: جَفَّ القلمُ على عِلم الله" (^٢).
فيا لها من أنوارٍ كانت لرسول الله - ﷺ -! فإنَّ نورَ الإِيمان يملأُ قلبَه، ومُدخَلُه نور، ومُخْرَجُه نور، وعِلمُه نور، ومِشيتُه في الناس نور، وكلامه نور، ومصيرُه إلى نور، وللمؤمن نصيبٌ من هذا.
_________________
(١) إسناده قوي: أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" عن أبي عنبة، وقال الألباني: "رجاله كلهم ثقات أثبات غير "بقية"، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وهو هنا قد صَرَّح بالتحديث" .. وقواه الألباني في "الصحيحة" رقم (١٦٩١)، وحسَّنه في "صحيح الجامع" برقم (٣١٦٣).
(٢) صحيح: رواه أحمد في "المسند" مطولًا (١٠/ ١٢٧)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر. وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤): "رواه أحمد بإسنادين والبزار والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات"، ورواه الترمذي في "سننه" (٥/ ٢٦) في الإيمان - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: حديث حسن، وأخرجه الحاكم مطولًا وصححه، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٣/ ٦٤) رقم (١٠٧٦).
[ ١ / ٣٣ ]
وتتزايدُ مادةُ النور حتى تظهرَ على وجوهِ المؤمنين وجوارحِهم وأبدانِهمِ، بل وثيابهم، ودُورِهم، يُبصِرُه مَن هو من جِنسهم، فإذا كان يوم القيامة برَز ذلك النورُ يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، منهم مَن نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم.
° قال ابن القيم: "ولما كان "النورُ" من أسمائه الحُسنى وصفاته، كان دينُه نورًا ورسولُه نورًا، وكلامُه نورًا، ودارُه نورًا يتلألأ، والنورُ يتوقَّدُ في قلوب عباده المؤمنين، ويجري على ألسنتهم، ويظهر في وجوههم".
° قال ابن تيمية: "إن الله ضَرَب مَثَلَ نورِه في قلوبِ المؤمنين بالنور الذي في المصباح وهو في نفسه نورٌ، وهو مُنَوِّرٌ لغيره، فإذا كان نورٌ في القلوب هو "نورٌ"، وهو "منوِّر"، فهو في نفسه أحقُّ بذلك، وقد عُلِم أن كلَّ ما هو نورٌ فهو منوِّر" (^١).