هو خالدُ بنُ سفيانَ بن نُبَيْح الهُذَلي، كان عدوًّا لله ولرسوله - ﷺ -، وكان يجمعُ الجموعَ لحربِ النبي - ﷺ -، فأخذه اللهُ أخذَ عزيرٍ مُقتدِر على يَدِ بطلٍ من أبطال الخزرج، وهو عبد الله بن أُنيْس الجُهَنيّ الأنصاريُ .. وكان عبدُ الله وحدَه هو السَّرِية المسمَّاة في المغازي لقتل خالد بن سفيان الهذلي (^٢).
خَرَج عبد الله من المدينة يومَ الإِثنين لخمسِ ليالٍ خَلَوْن من شهرِ المحرم، على رأسِ خمسةٍ وثلاثين شهرًا من الهجرة -أي: من السنة الرابعة الهجرية-، فغاب عنها ثمانيَ عشْرةَ ليلةً، وقَدِم يومَ السبت لسبعٍ بَقِينَ من المحرم (^٣)، بعد أن أدَّى واجبَه الذي أمره به النبي - ﷺ -.
_________________
(١) "فتح الباري" (٧/ ٤٠٠).
(٢) انظر: "موسوعة الغزوات الكبرى" "صلح الحديبية" لبشاميل (ص ٨٧)، و"سيرة ابن هشام" (٣/ ٣١٤ - ٣١٦) وصحيح البخاري "فتح الباري" (٥/ ٢١٠ - ٢١٢)، و"البداية والنهاية" (٤/ ١٣٩).
(٣) "المغازي الواقدي" (١/ ٣)، وفي (١/ ٤) أنها كانت سنة ستة الهجرية في شهر المحرم، وفي "طبقات ابن سعد" (٢/ ٥٠): أنها في السنة الرابعة الهجرية؛ كما جاء في "مغازي الواقدي" (١/ ٣)، فأخذنا بذلك.
[ ١ / ٣٤٨ ]
فقد بَعَثه النبي - ﷺ - في سَريةٍ مؤلَّفةٍ منه وحده إلى خالدِ بن سُفيان بن نُبَيْح الهُذَلي الذي كان بِعُرَنة (^١) يجمعُ الجموعَ لرسول الله - ﷺ -؛ ليغزوَه، فقتله عبدُ الله وعاد برأسه إلى المدينة المنورة.
• قال عبدُ الله: "دعاني رسول الله - ﷺ -، فقال: "إنه قد بَلَغني أن ابنَ سفيان بن نُبَيْح الهُذَلِي يجمعُ لي الناسَ ليَغزوَني، وهو بنَخْلَة (^٢) أو بعُرَنة، فأتِهِ فاقتله". قلت: يا رسول الله، انْعِتْه لي حتى أعرِفَه، فقال: "إنك إذا رأيتَه أذكَرَك الشيطانَ، وآيةُ ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدتَ له قُشَعْرِيرَة" (^٣).
° فخرجتُ متوشِّحًا سيفي، حتى دَفعتُ إليه وهو في ظُعُنٍ (^٤) يرتادُ (^٥) لهنَّ منزلًا (^٦)، وحيث كان وقتُ العصر، فلمَّا رأيته وجدتُ ما قال لي رسول الله - ﷺ - من القُشَعْرِيرَة، فأقبلت نحوه، وخَشِيتُ أن تكون بيني وبينه مجاولةٌ تَشغَلُني عن الصلاة، فصلَّيتُ وأنا أمشي نحوه أومِئُ برأسي، فلمَّا انتهيت إليه قال: مَنْ الرجل؟ قلت: رجلٌ من العَرَب سَمع بك وبجَمْعك لهذا الرجل، فجاءك لذلك، قال: أَجَلْ (^٧) إني لفي ذلك.
فمشَيتُ معه شيئًا، حتى إذا أمكنني حَمَلتُ عليه بالسيف، فقتلتُه، ثم
_________________
(١) عُرنة: موضع بقرب جبل عرفة موضع الحجيج، انظر: "شرح الزرقاني على المواهب اللدنيَّة" (٢/ ٧٦). وعرنة: وادٍ بحذاء عرفات.
(٢) نخلة: موضع بالحجاز قريب من مكة.
(٣) القشعريرة -بِزِنَةِ الطمأنينة-: رعدة وارتعاش، كارتعاش المحموم.
(٤) الظعن: جمع ظعينة، وهي: المرأة.
(٥) يرتاد: يطلب.
(٦) المنزل: موضع النزول.
(٧) أجل: كلمة جواب، مثل: نعم.
[ ١ / ٣٤٩ ]
خرجت وتركتُ ظَعائِنَه مُنْكَبَّاتٍ عليه.
فلمَّا قدمتُ على رسول الله - ﷺ - فرآني قال: "أفْلَحَ الوجهُ"، قلتُ: قد قتلتُه يا رسول الله (^١)، ووضعتُ رأسَه بين يديه، وأخبرتُه خبري" (^٢).
وهكذا استطاع عبدُ الله وحده، ببطولته الفذَّة، وإقدامِه النادر، أن يقضيَ على فِتنة الهُذَلي التي كان يُعِدُّها ويستعدُّ لها، ويُنهي خُطَطَه في حربِ الإسلام والمسلمين.
قال عبد الله بن أنيس في ذلك:
تركتُ ابنَ ثَوْرٍ كالحُوار وحولَه نوائحُ تَفْرِي كل جَيْبٍ مُقَددِ (^٣)
تناولتُهُ والظُّعْن خَلفي وخَلفَهُ بأبيضَ من ماءِ الحديد مُهَنَّدِ (^٤)
عَجُومٍ لِهَامِ الدار عَينَ كأنه شِهابُ غَضًا من مُلهَب مُتَوَقِّدِ (^٥)
أقول له والسيفُ يَعْجُمُ رأسَه أنا ابنُ أُنَيْس فارسًا غيرَ قُعْدَدِ (^٦)
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" (٢/ ٥٠، ٥١)، و"مغازي الواقدي" (٢/ ٥٣١ - ٥٣٣)، و"سيرة ابن هشام" (٢٩٣/ ٤، ٢٩٤).
(٢) "مغازي الواقدي" (٢/ ٥٣٣).
(٣) الحُوار: ولد الناقة إذا كان صغيرًا. وتفري: تقطع.
(٤) بأبيض: يريد به سيفًا. والمهنَّد: السيف المنسوب إلى الهند، ويقولون: سيف هندي، وهندواني، ومهنَّد.
(٥) عجوم: هو من صفات الأبيض وهذه صيغة مبالغة من العَجْم، وهو: العض وزنًا ومعنى. والهام -هاهنا-: الرؤوس. والشِّهاب -بِزِنَةِ الكتاب-: القطعة من النار. والغضا: شجر يشتدُّ التهاب النار فيه. والمُلهَب: اسم مفعول من ألهبتَهُ، إذا أوقدتَ فيه النار.
(٦) القعدد: اللثيم الدَّنيء القاعد عن الحرب والمكارم.
[ ١ / ٣٥٠ ]
أنا ابنُ الذى لم يُنزِل الدهرُ قِدْرَهُ رَحِيْبُ فِنَاءِ الدار غيرُ مُزَندِ (^١)
° ولله درُّ القائل مثنيًا على البطل ابن أنيْس:
سَرِيةٌ أنتَ وَحْدَكْ فَاجْعَلْ سَجَاياكَ جُنْدَكْ
لَا تَخْشَ يا ابنَ أَنيس فليس سُفيانُ نِدَّكْ
احْشُدْ قُواكَ وَخُدْهُ فليس يَسْتطِيعُ حَشْدَكْ
إنْ غَرَّهُ حَدُّ عزم فَسَوفَ يَعرِفُ حَدَّك
يَهولُ في الوصفِ جِدًّا حَتى لَيَعْظُمُ عِنْدَكْ
لَكِنهُ اللهُ أعلى عليهِ في البأسِ جَدَّكْ
أَقْبِلَ فتى البأسِ أَقْبِل وَاعْمَلْ لربكَ جُهْدَكْ
* * *
أَخَذْتَهُ بِخِلابٍ كَذَبْتَهُ فيه وُدَّكْ (^٢)
أوردتَهُ القَولَ حُلوًا ولو دَرى عَافَ وِرْدَكْ (^٣)
وَيْلُمِّهِ من غَبي لو كان يعرف قصدَكْ (^٤)
أحْبِبْ بِهِ من رسولٍ لِقَتْلِه قد أعدَّكْ
يَظن أنك ضِدٌّ له فَدُونَكَ ضِدَّكْ (^٥)
_________________
(١) رحيب: متَّسع، وأصله من الرحب، وهو: الفضاء. والمزند: الضيِّق البخيل.
(٢) الخلاب: الخداع بلطيف الكلام.
(٣) عافه: كرهه، فتركه.
(٤) وَيْلُمِّه: أصلها: ويلٌ لأمِّه.
(٥) الضدُّ: المثل والنظير.
[ ١ / ٣٥١ ]
بُورِكْتَ يا ابن أُنيس من فارسٍ ما أشدَّكْ!
ضرَبْتَهُ فَتَرَدَّى وكان ذلك وَكْدَكْ (^١)
وَعُدْتَ لا مَجدَ إلا أراه يَحْسُدُ مَجْدَكْ
* * *
سُفيانُ هل كنتَ طَودًا فمن رماكَ فهَدَّكْ؟
أم كنْتَ للشرِّ ذُخرًا تَخشى الطواغيتُ فَقْدَكْ؟ (^٢)
أوْدَى بِكَ ابنُ أنيسٍ فَأقفَرَ الحيُّ بَعْدَكْ
وَرَدَّ عِزَّكَ ذُلاًّ فما تُصَعِّرُ خَدَّكْ (^٣)
مَلأتَ صدركَ حِقدًا فهل شَفَى السيفُ حِقْدَكْ؟
وَمِتَّ مِن قَبلُ وَجدًا فهل مَحَا الموتُ وَجْدَكْ؟
أين الجموعُ؟ أتَدرِي مَن خَطَّ في التُرْبِ لَحْدَكْ
وأين رأسُك؟ هلاَّ صَدقْتَ نفسَكَ وَعْدَكْ؟
أَغواك جَهلُكَ حَتى لَقِيتَ في النارِ رُشْدَكْ
أنضَجتَ نفسَكَ غَيظًا فاليومَ تُنضِجُ جِلدَكْ
يَغيظُك الدينُ حَقًّا فأنت تَقْدَح زَنْدَكْ (^٤)
هَيَّجْتَ للشر وَقْدًا فأين غادرتَ وَقْدَكْ؟ (^٥)
_________________
(١) الوكد: المراد والقصد.
(٢) الطواغيت: جمع الطاغوت، وهو: الشيطان وكل معبود دون الله.
(٣) صَعَّرَ خده: أماله عن النظر إلى الناس، تهاونًا وكبرًا.
(٤) الزند: العود الأعلى الذي يقتدح به الناس.
(٥) الوقد: النار.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ياصاحِبَ الغارِ مَن ذَا بِنَصرِهِ قد أمَدَّكْ (^١)؟
أليس ربَّكَ؟ فَاجْعَلْ لهُ على الدهرِ حَمْدَكْ
رَدَّ العِدَى لم يفوزوا وأنتَ بالفوزِ رَدَّكْ
ألقِ الهديةَ (^٢) وَاسْحَبْ في ساحَةِ الفَخرِ بُرْدَكْ
دَعَا الرسول وأَثْنى فَاحْمَدْ لكَ الخَيرُ رِفْدَكْ (^٣)
وقلْ: تباركتَ ربي يَسَّرْتَ للخيرِ عَبْدَكْ