اسُمه الذي اشتُهر به هو "اليُسير بن رزام"، واسمُه عند الواقديِّ: "أسَيْر بن رازم" (^٤).
كان هذا المجرُم قائدًا من كِبار قوَّاد اليهود، وكان مِلَكًا على خيبر بعد قتل أبي رافع سَلاَّمِ بن أبي الحُقيق، وكان يَجمعُ غَطَفانَ لغزوِ رسول الله - ﷺ - في المدينة المنورة.
° قال هذا اللعينُ لقومه: "واللهِ ما سَاحَ محمدٌ إلى أَحَدٍ من يهود، ولا بَعَث أحدًا من أصحابه إلا أصابَ منهم ما أراد، ولكني أصنعُ ما لم يَصنعْ أصحابي. قالوا: وما عَسَيتَ أن تصنعَ؟ قال: أسِيرُ في غطفان؛
_________________
(١) أسرع القوم خلف عبد الله بن أنيس - ﵁ - بعد أن قَتَلَ سفيان، فاختبأ في غار كان في طريقه، ونجاه الله منهم.
(٢) هي رأس سفيان ألقاها بين يدي النبي - ﷺ -، ففرح وأثنى عليه.
(٣) الرَّفد بفح الراء: النصيب، وبكسرها: العطاء.
(٤) "سيرة ابن هشام" (٤/ ٢٩٢، ٢٩٣)، وانظر "مغازي الواقدي" (٢/ ٥٦٦).
[ ١ / ٣٥٣ ]
فأجمعُهم، ونسير إلى محمد في عُقرِ داره؛ فإنه لم يُغْزَ أحدٌ في عقر داره إلاَّ أدرك منه عدوّه ما يريد".
انتدب له رسولُ الله - ﷺ - ثلاثين، على رأسهم عبدُ الله بنُ رواحة، قَدِموا على أُسيْر، فقالوا: "نحن آمنون حتى نعرِضَ عليك ما جئنا له؟ ". قال: "نعم، ولي منكم مثل ذلك؟ "، فقالوا: "نَعَمْ". فقالوا لأُسَير: "إن رسول الله - ﷺ - بعثنا إليك لتخرجَ إليه؛ فيستعمِلَك على خيبر ويحسِن إليك" فطَمع في ذلك وخَرَج، وخر معه ثلاثون رجلًا من يهود، مع كل رجل رديفٌ من المسلمين، حتى إذا كانوا بـ "قَرْقَرة ثِبار"، ندِم أُسير، وفكَّر بالخيانة، قال عبدُ الله بن أُنيس -وكان في السَّرية -: "وأهوى بيده إلى سيفي، ففطِنتُ له، ودفعتُ بعيري، وقلتُ: غَدْرًا -أيْ عدوَّ الله -!! فعل ذلك مرتين، فنزلتُ، فسُقْتُ بالقوم حتى انفرد لي أُسير، فضربته بالسيف، فأنذرت عامَّةَ فخِذه وساقه، وسَقَط عن بعيره وبيده مِخْرَش (^١) من شَوْحَط (^٢)، فصرَبني فشجَّني، ومِلْنا على أصحابه، فقتلناهم كلَّهم غيرَ رجل واحد أعجَزَنا شدَّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحدٌ، ثم أقبلنا إلى رسول الله - ﷺ - فحدَّثناه الحديث، فقال: "نجّاكم اللهُ منَ القوم الظالمين" (^٣).
فبُورك عبدُ الله بن أنيس من بطلٍ مغوار، يُورد ثلاثةً من كبارِ شانئي الرسول - ﷺ - النار.
_________________
(١) المخرشة: عصا معوجَّة كالصَّوْلجان.
(٢) شوحط: ضرب من شجر جبل السَّراة تتخذ منه القسي واحدته: شوحطة.
(٣) "طبقات ابن سعد" (٢/ ٩٢، ٩٣)، و"مغازي الواقدي (٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨).
[ ١ / ٣٥٤ ]
° ولله درُّ أحمد محرم حين يقول:
أأنت يا ابنَ رِزامٍ تَغلِبُ القَدَرا؟ جَرِّبْ لك الويلُ من غِرٍّ وسوف تَرى
جَرِّبْ أُسَيْرُ ولا تجزعْ إذا عَثَرَتْ بك التجاريبُ إنَّ الحُرَّ مَنْ صبرَا
كذبتَ قومَك إن الحقَّ ليس له من غالبِ فَاعْتَبِرْ إن كنتَ مَعتَبِرا
هيهاتَ ما لكَ إلاَّ الغَيُّ تتبعُه والغيُّ يتبعُه في الناسِ مَن فجرا
بِئسَ الأميرُ وبئسَ القومُ إذ جعلوا لك الإِمارةَ كيما يُدركوا الظفَرا
الظافِرونَ بنو الإِسلام لا فَزَعًا يرى العِدَى في الوغَى منهم ولا خَوَرا (^١)
هم الأُلي يُلبِسونَ الحربَ زِينتهَا إذا تَعَرَّتْ وَولَّى الذادةُ الدُّبُرَا
ماذا تُحاوِلُ بالأشياعِ تَنْدُبُهم حاولت يا ابن رِزامٍ مطلبًا عَسِرَا
ظَنَنْتَها غزوةً تَخْفَى مكائدها فما احتيالُك في السر الذي ظَهَرا؟
لو لم يُوافِ رسولَ الله مُخْبِرُهُ وافاهُ مِن ربِّه مَن يحملُ الخَبَرَا
كم فَضَّ جِبريلُ من صَمَّاءَ مُغْلَقَةِ أَنْحَى على سِرِّها المكنونِ فاشتُهرا (^٢)
* * *
على أبي رافعٍ فَلتَبْكِ من أسَف وَاسْتَبْقِ نفسَك إِنْ كُنْتَ امْرأً حَذِرَا
ذَلَّتْ يهودُ فما يُرْجَى لها خَطَرٌ عَلَى يَدَيْ مَن نهى فيها ومَن أمَرَا
دَعْهَا أسيرُ لكَ الويلاتُ من رَجُلٍ ضَلَّ السبيلَ فأمسى يَرْكَبُ الغَرَرَا (^٣)
ألستَ تُبصِرُ عبدَ الله في نَفَرٍ أَعْظِمْ به وبهم مِن حَوْله نَفَرا؟
_________________
(١) الفزع: الذعر. والخوَر: الضَّعف.
(٢) أنحى على الشيء: أقبل.
(٣) الغَرَرُ: التعريض للهلكة.
[ ١ / ٣٥٥ ]
جاؤوك يا ابنَ رِزَام لو تُطاوِعُهم لأذهبَ اللهُ عنك الرِّجْسَ والوَضَرَا (^١)
لكنك المرءُ لو ترميهِ صاعقةٌ تنهاهُ عن نَزعات الغَيِّ ما ازْدَجَرا
رَدُّوا لك الخيرَ تُسدِيهِ إليك يدٌ ما مِثلُها من يد نفعًا ولا ضررا
قالوا انطلقْ معنا إِنْ كنتَ منطَلقًا فَأتِ الرسولَ وسَلْهُ تبلغِ الوَطَراَ
ما شئِتَ مِن سُؤْدُدٍ عالٍ ومِن شَرَفٍ على اليهود، ويَجْزِي اللهُ مَن شكرًا
أبَى وراجَعَهُ مِن نفسه أَمَلٌ أغراه بالسير حتى جَدَّ مُبتَدِرَا
ثم انْثنى يتمادَى في وَسَاوِسِه يظن ذلك رأيًا منه مُبتَسَرَا
واختارَها خُطةً شنعاءَ ماكرةً فحاق بالجاهلِ المأفونِ ما مَكَرا
أرادَ شَرًّا بعبد الله فانبعثتْ منه صَرِيمةُ عادٍ ينقضُ المِرَرَا (^٢)
رآهُ أخونَ من ذئبٍ فعاجَلَهُ بالسيف يُورِدُه منه دَمًا هَدَرَا (^٣)
وانْقضَ أصحابُه يَلْقُونَ مَن مَعَه من قومه فاسْتَحر القتلُ واسْتَعَرا
لم يَتركِ السيفُ منهم وَهْوَ يأخذُهم إلا حُشَاشةَ هافٍ يَسبقُ البَصَرَا (^٤)
مضى مع الريح لا يأسَى لمهلكِهم ولا يُبالي قضاء الله كيفَ جَرَى
كذلك الغدرُ يَلقَى الويلَ صاحِبُه وكيف يأمن عُقْبَى السوءِ مَن غَدَرا
* * *
_________________
(١) الرجس: القذر، والوضر: الوسخ.
(٢) الصريمة: العزيمة. والمِرر جمع المِر؛ وهو الحبل. ونقضه: أي حله؛ كناية عن نقض العهد.
(٣) هَدرًا: أى: باطلًا.
(٤) هو الرجل الذي هرب. والحُشاشة: بقيّة الروح في المريض. والهافي: المُسرع.
[ ١ / ٣٥٦ ]