لهب" ليطفؤوه:
إن هذا المصباحَ السماويَّ تأَلَّب عليه مليونُ "أبي جهل" و"أبي لهب"، مليونُ "حُيَيِّ بن أخطب"، مليونُ "كعب بن الأشرف"، مليون "فرناندوا" و"إيزابيلا"، مليون "أتاتورك"، ولكن هيهات هيهات ..
كذلك الحقُّ يعلو في مَصَاعِدِه … حتى ينالَ الذُّرَى أو يَبْلُغَ الشَّعَفَا (^١)
شتَّانَ ما بين صَرح ثابت رُفِعتْ … منه القِبابُ وصَرْح واهنٍ خُسِفَا
لتنصِتِ الأرضُ، ولتَسْمَع ممالكُها … ماذا يقول لها الرعْدُ الذي قَصَفا
شرائعُ الخيرِ يُلقيها مُحبَّبَة … شيخُ النبيِّين يَبغي البر واللَّطفَا
* ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]:
° قال العلامة ابن كثير: "قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] أيْ: بلِّغ ما أُنزل إليك من ربِّك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدُّوك عن آياتِ اللهِ، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ولا تَخَفْهم، فإن الله كافيك إياهم، وحافظُك منهم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
وروى الحافظ أبو بكر البزار عن يزيدَ بنِ درهم قال: "سمعتُ أنسًا يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٥ - ٩٦]، قال: مَرَّ رسولُ الله - ﷺ -، فغَمَزه بعضُهم، فجاء
_________________
(١) الشعف: رؤوس الجبال، جمع شعفة.
[ ١ / ١٨٦ ]
جبريل ﵇، فغمزهم، فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا".
وقال محمدُ بن إسحاق: "كان عظماءُ المستهزئين -كما رُوي عن عروةَ ابنِ الزبير- خمسةَ نَفَر، وكانوا ذَوِي أسنانٍ وشَرَف في قومهم مِن بني أسد ابنِ عبدِ العزَّى بنِ قُصَيٍّ، الأسود بن أبي زمعةَ: كان رسول الله - ﷺ - فيما بلغني قد دعا عليه لِمَا كان يبلغُه من أذاه واستهزائهِ، فقال: "اللهم أعْم بَصَره، وأثكِله ولدَه"، ومِن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوثَ بنِ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بن زهرة، ومِن بني مخزوم: الوليدُ بنُ المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم، ومِن بني سهم بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي: العاص ابن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد، ومن خزاعة الحارث بن الطُّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عمر بن مَلْكان .. فلما تمادَوا في الشر، وأكثروا برسول الله - ﷺ - الاستهزاءَ أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿.. فَسَوْفَ يَعْلَمونَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦] ".
° قال ابنُ إسحاق: "وعن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء أن جبريلَ ﵇ أتى رسولَ الله - ﷺ - وهو يطوفُ بالبيت، فقام، وقام رسول الله - ﷺ - إلى جَنبه، فمرَّ به الأسودُ بنُ عبدِ يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه، ومَرَّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثرِ جِراح بأسفل كعبِ رِجله -وكان أصابَه قبل ذلك بسنتين وهو يجرُّ إزاره -، وذلك أنه مرَّ برجل من خزاعة يَريشُ نَبْلًا له، فتعلَّق سهم مِن نَبْله بإزاره، فخَدَش رجلَه ذلك الخدشُ وليس بشيء، فانتقض به فقتله، ومَرَّ به العاصُ بنُ وائل فأشار
[ ١ / ١٨٧ ]
إلى أخمُصِ قدمه، فخرج على حمارٍ له يريدُ الطائف، فرَبَض على شبرقة، فدخلت في أخمُصِ قدمه فقتلته، ومرَّ به الحارث بن الطّلاطِلة، فأشار إلى رأسه فامتخطَ قيحًا فقتله".
° ورَوى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: "كان رأسَهم الوليدُ ابنُ المغيرة وهو الذي جَمَعهم".
وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به عن يزيد عن عروة بطوله، إلاَّ أن سعيدًا يقول: الحارث بن غَيْطلة، وعكرمة يقول الحارث بن قيس .. قال الزهري: وصَدَقا، هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة، وكذا رُوي عن مجاهد ومِقسم وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا خمسة، وقال الشعبيّ: كانوا سبعة، والمشهور الأول" (^١).
° وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: " ﴿إِنَّا كفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ وقد فعل، فما تظاهر أحدٌ بالاستهزاء برسول الله - ﷺ - وبما جاء به إلا أهلكه اللهُ وقتَلَه شرَّ قِتْلة" (^٢).
° وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد كان المسلمون إذا حاصَروا أهلَ حصنٍ واستعصى عليهم، ثم سَمعوهم يقعون في النبي - ﷺ - ويسبُّونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلاَّ وقتٌ يسير، ويأتي اللهُ بالفتح من عندِه انتقامًا لرسوله - ﷺ - (^٣).
_________________
(١) "تفسير ابن كثير".
(٢) "تيسير الكريم الرحمن" للشيخ السعدي.
(٣) "الصارم المسلول" لابن تيمية (ص ١١٦ - ١١٧).
[ ١ / ١٨٨ ]
* أعداء رسول الله - ﷺ - شياطينٌ مجرمون:
* قال تعالى -ومَن أصدق من الله قِيلًا-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]، والشيطنةُ هي التمرّد والغِواية والتمحّص للشر، تلحقُ الأنسَ كما تلحقُ الجنَّ، وكما أن الذي يتمرَّد من الجنِّ ويتمحَّض للشرِّ والغواية يُسمَّى "شيطانًا"؛ فكذلك الذي يتمرَّد من الأنس ويتمحَّض للشر والغواية.
° قال ابن كثير: "يقول تعالى: وكما جَعَلْنا لك يا محمدُ أعداءَ يخالفونَك ويعادونك وُيعاندونك جَعَلْنا لكلِّ نبيٍّ من قَبْلِك أيضًا أعداءَ، فلا يَحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] .. وقال وَرقةَ بن نوفل لرسول الله - ﷺ -: "إنه لم يأتِ أحدٌ بِمثل ما جئتَ به إلاَّ عودِي .. " .. وقوله: ﴿شَيَاطينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾، أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، و"الشيطان" كلُّ منَ خَرَج عن نظيره بالشرِّ، ولا يعادِي الرسلَ إلاَّ الشياطين مِن هؤلاء وهؤلاء -قَبَّحهم الله ولعنهم-.
* وقال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، أي: يُلقي بعضُهم إلى بعضٍ القولَ المُزَيَّنَ المزخرف، وهو المُزَوَّقُ الذي يغْترُّ سامعُه من الجَهَلة بأمره.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، أي: وذلك كلُّه بقَدَر الله وقضائه وإرادته
[ ١ / ١٨٩ ]
ومشيئته أن يكونَ لكلِّ نبيٍّ عدوٌّ من هؤلاء .. ﴿فَذَرْهُمْ﴾، أي: فدعهم .. ﴿وَمَما يَفْتَرُونَ﴾، أي: يكذبون .. أي: دعْ أذاهم، وتوكَّلْ على اللَّه في عداوتِهِم، فإنَّ الله كافيك وناصرُك عليهم.
* وقال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾، أي: ولتميلَ إليه .. قال ابن عباس: ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾، أي: قلوبُهم وعقولُهم وأسماعُهم .. وقال السُّدِّيُّ: قلوبُ الكافرين. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾، أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيبُ لذلك مَن لا يؤمن بالآخرة.
وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا هَما هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾، قال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: وليكتسِبوا ما هم مكتسبون" (^١).
° وقال ابن القيم: "ذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفةِ أمرِ الأنبياء بما يُزخرفه بعضُهم لبعضٍ من القول، فيغترُّ به الأغمارُ وضُعفاء العقول، فذكر السببَ الفاعلَ والقابلَ، ثم ذَكر سبحانه انفعالَ هذه النفوسِ الجاهلةِ به، بصَغْوها ومَيلِها إليه، ورضاها به لِمَا كُسِي من الزخرفِ الذي يَغرُّ السامعَ، فلما أصغَتْ إليه ورَضِيَتْه اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قوْلًا وعملًا، فتأمل هذه الآياتِ وما تحتها من هذا المعنى العظيم القَدْرِ، الذي فيه بيان أصولِ الباطل، والتنبيهُ على مواقع الحذرِ منها، وعدم الاغترار بها، وإذا تأمَّلت مقالاتِ أهل الباطل، رأيتَهم قد كَسَوها من العبارات وتخيَّروا لها من الألفاظ الرائقة، ما يُسرعُ إلى قبوله كلّ مَن ليس له بصيرةٌ نافذة .. وأكثر الخلق كذلك، حتى إنَّ الفجار ليُسمُّون أعظمَ أنواع الفجورِ بأسماءَ لا
_________________
(١) "تفسير ابن كثير".
[ ١ / ١٩٠ ]
ينبو عنها السمعُ" (^١).
° وقال -﵀-: "سَمَّاه "زخرفًا"، وهو باطل؛ لأن صاحبَه يُزخرفُه ويُزيَنه ما استطاع، ويُلقيه إلى سَمْع المغرور، فيغترُّ به" (^٢).
° وقال -﵏-: "قد أخبر سبحانه بمقصودهم من الإيحاء المذكور، وهو أربعةُ أمور:
غرورُ مَن يوحون إليه، وإصغاءُ أفئدتهم إليه، ومحبتهم لذلك، وانفعالُهم عنده بالاقتراف، وإن كان ذلك تعليلًا لجعله سبحانه لكلِّ نبي عدوًّا، فيكون هذا الحُكم من جُملة الغايات، والحِكَم المطلوبة بهذا الجعل، وهي غايةٌ وحكمةٌ مقصودة لغيرها؛ لأنها مُفضيةٌ إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه، وفواتُها يستلزمُ فواتَ ما هو أحب إليه من حُصولها، فاللام لامُ التعليل والحكمة" (^٣).
° وقال: "الزُّخْرُف: هو الكلامُ المُزَيَّن، كما يزيَّنُ الشيءُ بالزخرف -وهو الذهب -، وهو الغرور؛ لأنه يَغُرُّ المستمعَ، والشبهاتُ العارضةُ للوحي هي كلامُ زخرفٍ، يَغُرُّ المستمع، فانظر إلى إصغاءِ المستجيبين لهؤلاء ورضاهم بذلك واقترافِهم المترتِّب عليه، فتأمَّلْ" (^٤).
° وما أكثَرَ شياطينَ الإنس .. الذين يَصُدُّون عن دعوة الرسول - ﷺ -!!
يَصدُقُ فيهم قولُ القائل:
وإذا رأى إبليسُ طَلعَةَ وجهِه … حَيَّا وقال: فَديْتُ مَن لا يُفلِحُ
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" لابن القيم (٢/ ٤٣٨).
(٢) "الداء والدواء" لابن قيم الجوزية (ص ١٤٤).
(٣) "شفاء العليل" لابن القيم (١٩٣).
(٤) "الصواعق المرسلة" لابن القيم (٣/ ١٠٤١، ١٠٤٢).
[ ١ / ١٩١ ]
° أو قول القائل:
وكنت امرأً من جُندِ إبليس فارتقى … بي الدَّهْرُ حتى صار إبليسُ من جندي
فلو مات قبلي كنت أُحسِنُ بَعْدهُ … طرائقَ فِسْقٍ ليس يُحْسِنُها بعدي
وهؤلاء الشياطينُ في قبضةِ الله ﷿، لا يفعلون شيئًا من هذا كلِّه، ولا يَقدرون على شيءٍ من عداوةِ الأنبياء بقُدرةٍ ذاتيَّةٍ فيهم .. لا يَقدِرون على شيءٍ من ذلك إلاَّ بالقَدْرِ الذي يشاؤه الله، فإرادتُهم مقيدة بمشيئة الله، وقدرتُهم محدودةٌ بقَدَر الله، ومَردُّ الأمرِ كلِّه إلى الله، فانظر إلى هوانِ الشياطين من الإنس والجن، وهوانِ كيدِهم وأذاهم، هذا الكيدُ على ضخامته وتجمُّع قوى الشرِّ العالمية كلِّها عليه هو مقيَّدٌ مغلول، والمؤمنُ الذي يعلمُ أن ربَّه هو الذي يُقَدِّر، وهو الذي يأذَن، خليق أن يستهينَ بأعدائه من الشياطين؛ مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانُهم المُدَّعى.
﴿فَذَرْهُمْ وَمَما يَفْتَرُونَ﴾، فالله من ورائهم، قادر على أخذهم، مُدَّخَرٌ لهم جزاؤهم.
* وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
° قال ابن كثير: "وكفى بربك هاديًا ونصيرًا: أي لمن اتبع رسولَه وآمَنَ بكتابه وصَدَّقه واتَّبعه، فإن الله هاديه وناصرُه في الدنيا والآخرة، وإنما قال: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؛ لأن المشركين كانوا يصدُّون الناسَ عن اتِّباع القرآن لئلاَّ يهتديَ أحدٌ به ولِتغلبَ طريقتُهم طريقةَ القرآن".
ويكفي أن القرآنَ نَعَتهم بهذا النعتِ القبيح "المجرمين" وهم فاسدون
[ ١ / ١٩٢ ]
مفسِدون لا يعيشون إلاَّ على الإفساد، كالخنافس تختنقُ برائحةِ الأزهار العَبِقة، ولا تحيا إلاَّ على الرَّوَث، ولا تستطيعُ الحياةَ إلاَّ في المقاذر، وبعضُ الديدانِ يموتُ في الماءِ الطاهرِ الجاري، ولا يستطيعُ الحياةَ إلاَّ في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون.
ومَن كان اللهُ هاديَه وناصرَه فمَنْ عليه؟! لا يَضيرُه تكالبُ كلّ المجرمين والشياطين، فمكر أولئك هو يبور .. مَن وَجَد اللهَ فماذا فقد؟!.
* وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]:
° قال ابن كثير -﵀-: "يقول تعالى: "ومِن المنافقين قومٌ يؤذُون رسولَ الله - ﷺ - بالكلام فيه، ويقولون: "هو أُذُن"، أي: مَن قال له شيئًا صَدَّقه فينا، ومَن حدَّثه صَدَّقه، فإذا جئناه وحَلَفنا له صدَّقنا.
رُوي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة .. قال الله تعالى: ﴿قلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، أي: هو أُذُنُ خير يَعرِفُ الصادقَ من الكاذب، ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ويُصدّق المؤمنين، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، أي: وهو حجَّة على الكافرين؟ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ " (^١).
* من يُحادِّ اللهَ ورسولَه له الخِزيُ العظيم:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا
_________________
(١) "تفسير ابن كثير".
[ ١ / ١٩٣ ]
فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]:
° قال ابن كثير: "أي: ألم يتحقَّقُوا ويَعْلموا أنه مَن حادَّ اللهَ ﷿أي شاقَّه وحارَبَه وخالفه، وكان في حدٍّ والله ورسوله في حدٍّ- (فَأنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فيهَا﴾، أيْ: مهانًا مُعَذبًا!! و﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾، أي: وهذا هو الذلُّ العظيمُ والشقاءُ الكبير" (^١).
° وقال ابن القيم: "جَعَلهم بهذا محادِّين، ومعلوم قطعًا أنَّ مَن أظهر مَسَبَّةَ اللهِ ورسوله، والطعنَ في دينه أعظمُ محادةً له ولرسوله، وإذا ثبت أنه محادٌّ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠]، و"الأذلُّ" أبلغُ منَ "الذليل"، ولا يكونُ أذلَّ حتى يخافَ على نفسه ومالِه؛ لأن مَن كان دمُه ومالُه معصومًا لا يُستباحُ فليس بأذلَّ؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاس﴾ [آل عمران: ١١٢]، فبيَّن سبحانه أنهم أينما ثُقِفوا فعليهم الذِّلةُ إلاَّ مع العهد، فعُلِم أنَّ مَن له عهد وحَبل يأمنُ به على نفسه وماله لا ذِلَّةَ عليه، وإنْ كانت عليه المسكنةُ؛ فإنَّ المسكنة قد تكون مع عدم الذلَّة، كما دلَّت عليه الآية، وهذا ظاهرٌ، فإن الأذلَّ ليس له قوةٌ يَمتنعُ بها ممَّن أراده بسُوء، فإذا كان من المسلمين عَهدٌ يجبُ عليهم به نَصرُه ومنعُه فليس بأذَلَّ، فثَبَت أن المحادَّ لله ورسوله لا يكونُ له عهدٌ يعصمه" (^٢).
* ﴿قُل أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾:
* قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَاَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ
_________________
(١) "تفسير ابن كثير".
(٢) "أحكام أهل الذمة" لابن القيم (٢/ ٨٢٥ - ٨٢٦).
[ ١ / ١٩٤ ]
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
• عن عبد الله بن عمر﵁- قال: "قال رجل في غزوة "تبوك" في مجلس يومًا: ما رأيتُ مثلَ قُرَّائنا هؤلاء لا أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسِنةً ولا أجبنَ عند اللقاء، فقال رجلٌ في المجلس: كذبتَ، ولكنك مُنافق، لأُخبِرَنَّ رسولَ الله - ﷺ - فبَلَغ ذلك- النبيَّ - ﷺ - ونزل القرآن، قال عبدُ الله، فأنا رأيتُه متعلِّقًا بحَقَب (^١) ناقةِ رسول الله تَنَكبهُ الحجارةُ وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوضُ ونلعب، ورسول الله - ﷺ - يقول: ﴿أَبالله وَآيَاته وَرَسُوله كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ " (^٢).
مقالةٌ فاجرةٌ كافرة خاطئةٌ منحرفةٌ ضالةٌ يَكفُرُ صاحبهُا.