المغيرةُ بن سعيد العِجلي (^١) مولى خالد بن عبد الله القَسْري (^٢) وهو من أهل الكوفة (^٣).
ادَّعى أنه الإمامُ بعد محمدِ بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية (^٤)، ثم زَعَم بعد ذلك أنه رسولٌ نبيٌّ وأن جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله (^٥)، وادَّعى علمَه بالاسم الأعظم، وزَعَم أنه يُحيي به الموتى، ويهزم به الجيوش (^٦).
° ومن عقائده: أنه زعم أن معبودَه رجلٌ من نور، وله أعضاءٌ وقلبٌ
_________________
(١) "الملل والنحل" (١/ ١٧٦).
(٢) "الملل والنحل" (١/ ١٧٦)، و"فرق الشيعة" (ص ٧٥).
(٣) "ميزان الاعتدال" للذهبي (٤/ ١٦١).
(٤) قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد محقق كتاب "الفرق بين الفرق" على هامش (ص ٢٣٨ - ٢٣٩): "محمد هذا هو المعروف "بالنفس الزكية"، وقد كانت وفاته في سنة ١٤٥ هـ، ولهذا نقرّر أنه لا يتم ادعاء أن المغيرة بن سعيد العجلي -الذي قدّمنا أنه مات محروقًا على يد خالد بن عبد الله القسري في سنة ١١٩ - كان يدعو لمحمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية، ونرجح أن الضال المغيرة بن سعيد ما كان يدعو ولا ينتسب لاحد بعينه من العلويين، وإنما كان يدعو إلى المهدي المنتظر "مهدي الشيعة" ولم تكن دعوته هذه صادرة عن نية وعزيمة صادقتيْن، وإنما كان يتخذها ستارًا للمخرقة والتضليل، وهو في نفسه كان يضمر الكفر أو يسعى لنقض عرى الدولة والرجوع إلى الجاهلية الجهلاء، وكذلك خيَم هؤلاء الضالُّون المفسدون".
(٥) "فرق الشيعة" (ص ٧٥)، و"الملل والنحل" (١/ ١٧٧)، و"شرح النووي على مسلم" (١٠٠/ ١)، و"ميزان الاعتدال" (٤/ ١٦١)، و"الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٩).
(٦) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٩).
[ ١ / ٤٠٠ ]
ينبعُ منه الحكمةُ، وأن أعضاءَه على صورِ حروفِ الهجاء، وأن "الألف" منها مِثالُ قدمَيه، و"العين" على صورةِ عينه، وشَبَّه "الهاء" بالفَرْج (^١).
وله في بَدءِ الخَلق كلامٌ عجيب وهذيانٌ غريب، كزعمه أن الله تعالى لمَا أراد أن يخلقَ العالَمَ تكلمَ باسمِه الأعظم، فطار ذلك الاسم ووقع تاجًا على رأسه، وتأوَّل على ذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، وزعَم أنَّ الاسم الأعلى إنما هو ذلك التاجُ، ثم إنهَ بعد وقوع التاج على رأسه كتب بإصبَعه على كفِّه أعمالَ عباده، ثم نظر فيها فغَضب من معاصيهم، فعَرِق، فاجتمع من عَرَقه بَحْران، أحدهما مُظلِمٌ مالحٌ، والآخرُ عَذبٌ نيّر، ثم اطَّلَع في البحر فأبصَرَ ظِلَّه، فذهب ليأخذَه، فطار، فانتزع عيني ظِلِّه، فخَلَق منهما الشمسَ والقمرَ، وأفنى باقيَ ظِلِّه، وقال: "لا ينبغي أن يكون معي إلهٌ غيري .. " (^٢)، إلى آخر ذلك الكلام الذي يَعجبُ منه كلُّ من قرأه أو سمعه، ولا يُصدِّقُ أن لقائله مُسْكةً من عقل، بَلْهَ أن يكون نبيًّا رسولًا.
وزَعم كذلك أن الله تعالى خَلق الناسَ قبل أجسادهمِ، فكان أولَ ما خَلَق ظِلَّ محمدٍ .. قال: فذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، قال: ثم أرسل ظِلَّ محمدٍ إلى أظلال الناس (^٣) .. إلخ ما ذكره من ذلك الهراء.
ومن تُرَّهاته أنه كان يُحرِّمُ ماءَ الفرات، وكلَّ ماءِ نهرٍ أو عينٍ أو بئرٍ
_________________
(١) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٩).
(٢) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٩ - ٢٤٥)، و"مقالات الإسلاميين" (٦٩، ٧٢، ٧٣).
(٣) "الملل والنحل" (٤/ ١٧٥).
[ ١ / ٤٠١ ]
وقعت فيه نجاسة، وكان من تشريعاته كذلك استحلالُ المحارم (^١).
وكان يزعمُ أنه "لو أراد أن يحييَ عادًا وثمودَ وقرونًا بين ذلك كثيرًا لأحياهم" (^٢).
حَكى ذلك عنه الأعمشُ (^٣).
وعندما اطلع عليه خالدُ بن عبد الله القَسريّ قَبض عليه، وأوقد له نارًا، وأمره أن يعتنقَها، فأبى، فقتله خالدٌ وقتل أصحابَه (^٤).
وقيل: بل أُحرق بالنار، أمَرَ خالدٌ بالقصب والنِّفط فأُحضِر، ثم أجَّج النارَ وأحرقه ومَن معه، وذلك في سنة ١١٩ (^٥).
° قال عبد القاهر البغدادي عن المغيرة بن سعيد وطائفته "المغيرية" الغلاة الخارجة عن فرق الإسلام: "وكان جابرٌ الجُعْفيّ على هذا المذهب، وادَّعى وَصِيَّة المغيرةُ بنُ سعيد إليه بذلك .. ".
° قال عبد القاهر: "كيف يعَدّ في فِرَق الإسلام قومٌ شبَّهوا معبودَهم بحروفِ الهجاء، وادَّعوا نُبُوَّة زعيمهم؟ لو كان هؤلاء من الأُمَّة لصَحَّ قولُ مَن يزعمُ أن القائلين بنبُوَّة مسيلِمة وطُليحةَ كانوا من الأمة" (^٦).
_________________
(١) "الفِصل" (١٧٥/ ٤).
(٢) "تاريخ ابن جرير" (٧/ ١٢٨)، و"فرق الشيعة" (ص ٧٥).
(٣) هامش "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٨).
(٤) "البداية والنهاية" (٩/ ٣٢٣)، و"تاريخ الطبري" (٧/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٥) "تاريخ الطبري" (٧/ ١٢٨)، و"فوق الشيعة" (ص ٧٥)، وهامش (ص ٢٣٨) من كتاب "الفرق بين الفرق".
(٦) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٤٢).
[ ١ / ٤٠٢ ]