° قال الشيخ عائض القرني بأسلوبه الرقراق الذي يَسيلُ منه دَمعُ كلِّ مُشتاق إلى سيد الرسل عظيم الأخلاق - ﷺ -:
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى … واسْتَبْشَرَت بِقُدُومِكَ الأَيَّامُ
هَتَفَتْ لَكَ الأرْوَاحُ مِنْ أَشْوَاقِهَا … وَازَّيَّنتْ بِحَدِيثِكَ الأقْلامُ
ما أحسنَ الاسمَ والمسمَّى! وهو النبيُّ العظيم في سورة "عمَّ"، إذا ذَكَرتُه هَلَّت الدموعُ السواكب، وإذا تذكرته أقبلت الذكريات من كل جانب ..
وَكُنْتُ إذَا ما اشْتَدَّ بِي الشَّوْقُ وَالجَوى … وَكَادَتْ عُرَى الصَّبْرِ الجَمِيل تَفْصِمُ
أُعَلِّلُ نَفْسِي بِالتَّلاقِي وَقُرْبِه … وَأُوهِمُهَا لَكِنَّهَا تَتَوَهَّمُ
المتعبِّدُ في غارِ حراء، صاحبُ الشريعة الغرَّاء، والمِلَّةِ السَّمْحاء، والحنيفيةِ البيضاء، وصاحبُ الشفاعة والإِسراء، له المقامُ المحمود، واللواءُ المعقود، والحوضُ الورود، هو المذكورُ في التوراة والإنجيل، وصاحبُ الغُرَّة والتَّحجيل، والمؤيَّدُ بجبريل، خاتمُ الأنبياء، وصاحبُ صفوةِ الأولياء، إمامُ الصالحين، وقدوةُ المفلحين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
[ ١ / ٩٤ ]
السَّمَاوَاتُ شَيِّقَاتٌ ظمَاءُ … وَالفَضَا والنُّجُومُ والأضْوَاءُ
كُلُّهَا لَهْفَةٌ إلَى العَلَمِ الْهَا … دِي وشَوْقٌ لِذَاتِهِ وَاحْتِفَاءُ
تنظَم في مَدحه الأشعار، وتُدبَّج فيه المَقاماتُ الكبار، وتُنقل في الثناء عليه السِّيرُ والأخبار، ثم يَبقى كنزًا محفوظًا لا يُوفِّيه حقَّه الكلام، وعَلَمًا شامخًا لا تُنصِفُه الأقلام، إذا تحدَّثنا عن غيره عَصَرْنا الذكريات، وبَحَثْنا عن الكلمات، وإذا تَحدَّثْنا عنه تَدَفَّقَ الخاطرُ، بكل حديث عاطر، وجاش الفؤادُ بالحبِّ والوِداد، ونَسِيَتِ النفسُ همومَها، وأغفَلَتِ الروح غمومَها، وسَبَّح العقلُ في ملكوتِ الحُبِّ، وطاف القلب بكعبةِ القرب، هو الرمزُ لكل فضيلة، وهو قبَّةُ الفَلَكِ خِصالٌ جميلة، وهو ذُروةُ سَنام المجدِ لكلِّ خلالٍ جليلة.
مرحبًا بالحبيب والأريب والنجيب، الذي إذا تحدَّثتُ عنه تزاحمت الذكريات، وتسابقت المشاهدُ والمقالات.
صلى الله على ذاك القدوة ما أحلاه! وسَلَّمَ الله ذاك الوجهَ ما أبهاه! وبارك اللهُ على ذاك الأُسوةِ ما أكمَلَه وأعلاه! عَلَّمَ الأُمةَ الصِّدقَ وكانت في صحراءِ الكذبِ هائمة، وأرشَدَها إلى الحقِّ وكانت في ظُلماتِ الباطل عائمة، وقادها إلى النور وكانت في دياجيرِ الزور قائمة ..
وَشَبَّ طِفْلُ الهُدَى المَحْبُوبُ مُتَّشحًا … بِالخَيرِ مُتَّزِرًا بِالنُّورِ وَالنَّارِ
[ ١ / ٩٥ ]
فِي كَفِّهِ شُعْلَة تَهْدِي وَفِي دَمِه … عَقِيدَةٌ تَتَحَدَّى كُلَّ جَبَّارِ
كانت الأمةُ قبلَه في سُباتٍ عميق، وفي حضيضٍ من الجهل سحيق، فبَعَثه اللهُ على فترةٍ من المرسلين، وانقطاعٍ من النبيين، فأقام اللهُ به الميزان، وأنزل عليه القرآن، وفَرَّق به الكفرَ والبهتان، وحُطِّمت به الأوثان والصلبان، للأمم رموزٌ يُخطؤون ويُصيبون، ويُسدَّدون ويَغلِطون، لكنَّ رسولَنا - ﷺ - معصومٌ من الزلل، محفوظٌ من الخلل، سليمٌ من العلل، عُصم قلبُه من الزيغ والهوى، فما ضَلَّ أبدًا وما غوى، إنْ هو إلاَّ وحيٌ يوحى.
للشعوب قاداتٌ لكنهم ليسوا بمعصومين، ولهم ساداتٌ لكنهم ليسوا بالنبوة مَوسومين، أمَّا قائدُنا وسيِّدُنا فمعصومٌ من الانحراف، محفوفٌ بالعناية والألطاف.
قُصارى ما يَطلبُه ساداتُ الدنيا قصورٌ مشيَّدة، وعساكرُ تَرفعُ الولاءَ مؤيَّدة، وخُيول مُسَوَّمة في مُلكِهم مُقيَّدة، وقناطيرُ مقنطَرةٌ في خزائنهم مخلَّدة، وخَدَمٌ في راحتهم مُعَبَّدة.
أما محمَّد - ﷺ - فغايةٌ مطلوبه، ونهايةٌ مرغوبه، أن يُعبَدَ اللهُ فلا يُشركُ معه أحد؛ لأنه فَردٌ صمد، لم يَلِدْ ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
يسكنُ بيتًا من الطين، وأتباعُه يجتاحون قصورَ كسرى وقيصر فاتِحين، يَلبسُ القميصَ المرقوع، ويَربِطُ على بطنِه حَجَرين من الجوع، والمدائنُ تُفتح بدعوته، والخزائنُ تُقسم لأمته ..
إِنَّ البَرِيَّةَ يَوْم مَبْعَثِ أحْمَد … نَظَرَ الإِلَهُ لَهَا فَبَدَّلَ حَالَهَا
[ ١ / ٩٦ ]
بَلْ كَرَّمَ الإنْسَانَ حِينَ اخْتَارَ منْ … خَيْرِ البَرِيَّةِ نَجْمَهَا وَهِلالَهَا
لَبِسَ المُرَقَّعَ وَهْوَ قَائِدُ أَمَّةٍ … جَبَت الكُنُوزَ فَكَسَّرَت أعْلامَهَا
لَمَا رآهَا اللهُ تَمْشِي نَحْوَه … لا تَبْتَغِي إلاَّ رِضَاهُ سَعَى لَهَا
ماذا أقولُ في النبي الرسول؟ هل أقولُ للبَدْر: حُيِّيتَ يا قمرَ السماء؟ أم أقولُ للشمس: أهلًا يا كاشفةَ الظلماء؟ أم أقولُ للسحاب: سَلِمْتَ يا حامل الماء؟! ..
يَا مَنْ تَضَوَّعَ بِالرِّضْوَانِ أعْظُمُهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبِهِ تِلكَ القَاعُ وَالأَكَمُ
نَفْسِي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أنتَ سَاكِنُهُ … فِيه العَفَافُ وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ
اسلُكْ معه حيثُما سَلَك، فإنَّ سُنَّته سفينةُ نوحٍ، مَن رَكِب فيها نجا، ومَن تَخلَّف عنها هَلَك، نَزَل بَزُّ رسالته في غارِ حراء، وبِيع في المدينة، وفُصِل في بدر، فلَبِسه كلُّ مؤمنٍ، فيا سعادةَ مَن لَبِس، ويا خَسارةَ من خَلَعه فقد تَعِس وانتكَس، إذا لم يكنِ الماءُ مِن نهرِ رسالته فلا تشربْ، وإذا لم يكنِ الفَرَسُ مُسوَّمًا على علامتِه فلا تركبْ، بلالُ بنُ رباح صار باتِّباعِهِ سَيدًا بلا نَسَب، وماجدًا بلا حَسَب، وغنيًّا بلا فِضةٍ ولا ذَهَب، أبو لهب عمُّه لما عصاه خَسِر وتبَّ، سيَصلى نارًا ذات لهب ..
[ ١ / ٩٧ ]
الفُرْسُ وَالرومُ وَاليُونَانُ إنْ ذُكِرُوا … فعندَ ذكرِكَ أسْمَالٌ عَلَى قَزَمِ
هُمْ نَمَّقُوا لَوْحَةً بِالرِّقِ هَائِمَةً … وَأَنْتَ لَوْحُكَ مَحْفُوظٌ مِنَ التُّهَمِ
وإنك لَتهدي إلى صراط مستقيم، وإنك لعلى خلق عظيم، وإنك لعلى نهجٍ قويم، ما ضَلَّ، وما زلَّ، وما ذلَّ، وما غَلَّ، وما مَلَّ، وما كَلَّ.
فما ضَلَّ؛ لأن اللهَ هادِيه، وجبريلَ يُكلِّمُه ويناديه.
وما زَلَّ؛ لأن العِصمة ترعاه، واللهُ أيَّده وهداه.
وما ذَلَّ؛ لأن النصرَ حليفُه، والفوز رديفه.
وما غَلَّ؛ لأنه صاحبُ أمانة، وصيانة، وديانة.
وما مَلَّ؛ لأنه أُعطي الصبر، وشُرح له الصدر.
وما كَلَّ؛ لأن له عزيمةً، وهمةً كريمة، ونفسًا طاهرةً مستقيمة ..
كَأنَّكَ فِي الكِتَابِ وَجَدت لاءً … مُحَرَّمَةً عَلَيْكَ فَلا تَحِلُّ
إِذَا حَضَرَ الشتَاءُ فَأَنْتَ شَمْسٌ … وَإنْ حَلَّ المصِيفُ فَأنْتَ ظِلُّ
ﷺ، ما كان أشرحَ صدرَه! وأرفَعَ ذكرَه! وأعظمَ قَدرَه! وأنفذَ أمرَه! وأعلى شرَفَه! وأربح صَدَقةَ مَن آمَنَ به وعرفه! ومع سَعَة الفِناء، وعظم الآناء، وكرم الآباء، فهو محمدٌ الممجَّد، كريمُ المَحْتِد، سخيُّ اليد، كأنَّ الألسِنةَ والقلوب ريضت على حُبِّه، وأَنِست بقُربه، فما تنعقدُ إلاَّ
[ ١ / ٩٨ ]
تنعقدُ إلاَّ على وُدِّه، ولا تَنطقُ إلاَّ بحمده، ولا تَسبحُ إلاَّ في بحرِ مجده ..
نُورُ العَرَارَةِ نُورُه وَنَسِيمُهُ … نَشْرُ الخُزَامَى فِي اخْضِرَارِ الآسِي
وَعَلَيْهِ تَاجُ مَحَبَّة مِنْ ربِّهِ … مَا صِيغَ مِنْ ذَهَبٍ وَلا مِنْ مَاسِي
إنَّ للِفطَرِ السليمة، والقلوبِ المستقيمة حُبًّا لمنهاجه، ورغبةً عارمةً لسلوك فِجاجه، فهو القدوةُ الإمام، الذي يُهدى به مَنِ اتبع رضوانه سُبُلَ السلام.
ﷺ، عَلَّم اللسانَ الذِّكر، والقلبَ الشكر، والجسدَ الصبر، والنفسَ الطُّهْر، وعَلَّم القادةَ الإنصاف، والرعيةَ العفاف، وحَبَّبَ للناس عَيشَ الكفاف، صَبَر على الفقر؛ لأنه عاش فقيرًا، وصَبَر على جُموع الغنى لأنه مَلَك مُلكًا كبيرًا، بُعِث بالرسالة، وحَكم بالعدالة، وعَلَّم من الجهالة، وهَدَى من الضلالة، ارتقى في درجاتِ الكمال حتى بَلَغ الوسيلة، وصَعِد في سلَّمِ الفضل حتى حاز كلَّ فضيلة ..
أَتَاكَ رَسُولُ المَكْرُمَاتِ مُسْلِّمًا … يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ أَعْظَمَ مُتَّقِي
فَأقْبَل يَسْعَى فِي البِساطِ فَمَا درَى … إِلى البَحْرِ يَسْعَى أَمْ إلَى الشَّمْسِ يَرْتَقِي
هذا هو النورُ المبارَكُ يا مَن أبصر، هذا هو الحجَّةُ القائمةُ يا من أدبر، هذا الذي أنذَر وأعذَر، وبَشَّر وحَذَّر، وسَهَّل ويَسَّر، كانت الشهادةُ صعبةً
[ ١ / ٩٩ ]
فسهَّلَها من أتباعه مُصعَب، فصار كلُّ بطلٍ بعدَه إلى حِيَاضِهِ يرغب، ومِن مَوْرِدِهِ يشرب، وكان الكذبُ قبلَه في كلِّ طريق، فأباده بالصديق، مِن طُلاَّبه أبو بكر الصديق، وكان الظُّلمُ قبلَ أن يُبعثَ متراكِمًا كالسحاب، فزحزحه بالعدلِ من تلاميذِه عمرُ بن الخطاب، وهو الذي ربَّى عثمانَ ذا النورين، وصاحبَ البيعتين، والمتصدِّقَ بكلِّ ماله مرَّتين، وهو إمامُ عليٍّ حَيْدَرة، فكم من كافرٍ عَقَرَه، وكم من مُحارِبٍ نَحَره، وكم من لواءٍ للباطل كَسَره، كأن المشركين أمامَه حُمُرٌ مستنفِرة، فَرَّت من قسورة!! ..
إِذَا كَانَ هَذَا الجِيلُ أتْبَاعَ نَهْجِه … وَقَدْ حَكَمُوا السَّادَاتِ فِي البَدْوِ وَالحَضَرْ
فَقُلْ كَيْفَ كَانَ المُصْطَفَى وَهْوَ رَمْزُهُمْ … مَعَ نُورِه لا تُذْكَرُ الشَّمْسُ والقَمَرْ!
كانت الدنيا في بلابلِ الفتنة نائمة، في خَسارةٍ لا تعرفُ الربحَ وفي اللهوِ هائمة، فأذَّن بلالُ بن رباح، بـ "حيَّ على الفلاح"، فاهتزَّتِ القلوب، بتوحيد علاَّمِ الغيوب، فطارت المُهَجُ تطلبُ الشهادة، وسَبَّحَتِ الأرواحُ في مِحراب العبادة، وشَهِدَتِ المعمورةُ لهم بالسيادة ..
كُلُّ المشَاربِ غَيْرُ النِّيلِ آسِنَةٌ … وَكُل أرْضٍ سِوَى الزَّهْرَاءِ قِيعَانُ
لا تُنْحَرُ النفْسُ إِلاَّ عِنْدَ خَيْمَتِهِ … فَالمَوْتُ فَوْقَ بَلاطِ الحُبِّ رِضْوَانُ
أرسله اللهُ على الظَّلماء كشمسِ النهار، وعلى الظمأ كالغَيث المِدرار،
[ ١ / ١٠٠ ]
فهزَّ بسيوفه رؤوسَ المشركين هَزَّا؛ لأن في الرؤوس مساميرَ اللات والعزى، عَظُمت بدعوته المِنَن، فإرسالُه إلينا أعظُم مِنَّة، وأحيا اللهُ برسالته السُّنن، فأعظمُ طريقٍ للنجاة اتباعُ تلك السنة .. تعلَّم اليهودُ العلمَ فعطَّلوه عن العمل، ووقعوا في الزيغ والزلل، وعَمِل النصارى بضلال، فعَملهم عليهم وبال، وبُعث ﵊ بالعلم المفيد، والعمل الصالح الرشيد ..
أخُوكَ عيسَى دَعَا مَيْتًا فَقَامَ لَهُ … وَأنْتَ أحْيَيْتَ أجْيَالًا مِنَ الرِّمَمِ
أَنْصِتْ لِمِيمِيَّةٍ مِنْ أمَمٍ … مِدَادُهَا مِنْ مَعَانِي "نُون وَالقْلَمِ"
* * *
سَالَتْ قَرِيحةُ صَبٍّ فِي مَحَبتِكُم … فَيْضًا تَدَفقَ مِثْلَ الهَاطِلِ العَمَمِ
كَالسَّيْلِ كَاللَّيْلِ كَالفَجْرِ اللَّحُوحِ غَدا … يَطوِي الرَّوابِي وَلا يَلوِي عَلَى الأكَمِ
أَجَشَّ عَلَيَّ كَالرَّعْدِ فِي لَيَالِي السَّعُود وَلا … يُشَابِهُ الرَّعْدَ فِي بَطشٍ وَفِي غَشَمِ
كَدَمْع عَيْنِي إِذَا مَا عِشْتُ ذِكْرَكُمْ … أَوْ خَفَقَ قَلبٌ بِنَارِ الشَّوْقِ مُضْطَرَمِ
يَزْرِي بِنَابِغَةِ النُّعْمَانِ رَوْنَقُهَا … وَمِنْ زهُير وَمَاذَا قَالَ فِي هَرِمِ؟
[ ١ / ١٠١ ]
دع سَيْفَ ذِي يَزن صَفْحًا وَمَادِحَهُ … وَتُبَّعًا وَبَنِي شدَّاد فِي إرَمِ
وَلا تَعْرُجْ عَلَى كِسْرَى وَدَوْلَتِه … وَكُلِّ أصيدٍ أَوْ ذِي هَالَةٍ وَكمِي
وانْسَخْ مَدَائحَ أَرْبَابِ المَديحِ كَمَا … كَانَتْ شريعتُه نَسْخًا لِدِينِهم
رَصِّعْ بِهَا هَامَةَ التَارِيخِ رَائِعَةً … كَالتَّاجِ فِي مَفْرقٍ بِالمَجْدِ مُرْتَسِمِ
فَالهَجرُ وَالوَصْلُ وَالدُّنْيَا وَمَا حَمَلَت … وَحُبُّ مَجْنُونِ لَيْلَى ضَلَّةٌ لَعَمِي
دع المَغَانِي وَأَطلالَ الحَبيبِ وَلا … تَلمَح بِعَيْنَيْكَ بَرْقًا لاحَ فِي أَضِمِ
وَأنسُ الخَمَائِلِ وَالأفْنَانُ مَائِلةٌ … وَخَيْمَةٌ وَشُوَيْهَاتٌ بِذِي سَلَمِ
هُنَا ضِيَاءٌ هُنَا رِيٌّ هُنَا أَمَلٌ … هُنَا رَوَاءٌ هُنْا الرِّضْوَانُ فَاسْتَلِمِ
لو زينتْ لامرئٍ القَيسِ انْزَوى خَجَلًا … وَلوْ رآهَا لَبيدُ الشِّعْرِ لمْ يَقُمِ
مِيمِيَّةٌ لَوْ فتَى بُوصِيرَ أَبْصَرَهَا … لَعَوَّذوه بِرَبِّ الحِلِّ وَالحَرَمِ
[ ١ / ١٠٢ ]
سَلْ شِعْرَ شَوْقي أَيَرْوِي مِثْلَ قافِيَتي … أوْ أَحْمَدَ بنِ حُسيْنٍ فِي بَنِي حَكَمِ
مَا زَارَ سُوقَ عُكَاظٍ مِثْلُ طَلعَتِهَا … هَامَتْ قُلُوبٌ بِهَا مَنْ أَهْدَيْتُهُ كلمِي
أُثْنِي عَلَى مَنْ؟ أَتَدْرِي مَنْ أُبَجِّلُهُ؟ … أمَا عَلِمْتَ بِمَنِ اهْتَدَيْتُهُ كَلِمِي
فِي أَشجَع النَّاسِ قَلبًا غَيْر مُنْتَقِمٍ … وَأصْدَقِ الخَلقِ طُرًّا عيْرِ مُتَّهِمِ
أَبْهَى مِنَ البَدْرِ فِي قَلبِ التَّمَامِ وَقُلْ … أسْخَى مِنَ البَحْرِ بَلْ أَرْسَى مِنَ العلمِ
أصْفَى مِنَ الشَّمْسِ فِي نُطقٍ وَمَوْعِظَةٍ … أَمْضَى مِنَ السَّيْفِ فِي حُكْمٍ وفِي حِكَمِ
أَغَرٌّ تُشْرِقُ مِنْ عَيْنَيْهِ مَلحَمَةٌ … مِنَ الضَياءِ لِتَجْلُو الظُّلْمَ والظُّلَمِ
فِي هِمَّة عَصَفَتْ كالدَّهْرِ واتَقَدَت … كَمْ مَزَّقَتْ مِنْ أَبِي جَهْلٍ وَمِنْ صَنَمِ
أَتَى اليَتِيمُ أَبُو الأيْتامِ فِي قَدَرٍ … أَنْهَى لأمَّتِهِ مَا كانَ مِنْ يُتْمِ
مُحَرِّرُ العَقْلِ بَانِي المَجْدِ بَاعِثُنَا … مِنْ رَقْدَةٍ فِي دِثَارِ الشِّرْكِ وَاللَّمَمِ
[ ١ / ١٠٣ ]
بنُورِ هَدْيكَ كَحَّلنَا مَحَاجِرَنا … لَمَّا كَتَبْنَا حُرُوفًا صُغْتُهَا بِدَمِ
مَنْ نَحْنُ قَبْلَكَ إِلا نُقْطَةٌ غَرِقَتْ … فِي اليَمِّ بَلْ دَمْعَةٌ خَرْسَاءُ فِي القِدَمِ
أكَادُ أَقْتَلِعُ الآهَاتِ مِنْ حرْقِي … إِذَا ذَكَرْتُكَ أَوْ أَرْتَاعُ مِنْ نَدَمِي
لَمَّا مَدَحْتُكَ خِلتُ النَّجْمَ يَحْمِلُنِي … وَخَاطِرِي بِالسَّنَا كَالجَيْشِ مَحْتَدِمِ
شَجَّعْتُ قَلبِي أَنْ يَشْدُو بِقَافِيَةٍ … فِيكَ القَرِيضُ كوَجْهِ الصُّبْحِ مُبتَسِمِ
صَهْ شِكِسْبِيرُ مِنَ التَّهْرِيجِ أَسْعَدَنَا … عَنْ كُلِّ إِليَاذَةٍ مَا جَاءَ فِي الحِكَمِ
الفُرْسُ وَالرومُ وَاليُونَانُ إِنْ ذُكِرُوا … فَعنْدَ ذِكْرَاهُ أَسْمَالٌ عَلَى قَزَمِ
هُمْ نَمَّقُوا لَوْحَةً للرِّقِّ هَائِمَة … وَأنْتَ لَوْحُكَ مَحْفُوط مِنَ التُّهَمِ
أَهْدَيْتَنَا مِنْبَرَ الدُّنْيَا وغَارَ حرَا … وَلَيْلَةَ القَدْرِ والإِسْرَاءَ لِلقِمَمِ
وَالحَوْضَ وَالكوْثَرَ الرَّقرَاقَ جِئْتَ بهِ … أنْتَ المُزَّمِّلُ فِي ثَوْبِ الْهُدَى فَقُمِ
[ ١ / ١٠٤ ]
الكَوْنُ يَسْألُ وَالأفْلاكُ ذاهلَةٌ … وَالجِنُّ وَالإنْس بَيْنَ اللاء والنَّعَمِ
وَالدَّهْرُ مُخْتَلِقٌ وَالجَوُّ مُبتَهِجٌ … وَالبَدْرُ يَنْشَقُّ وَالأيَّامُ فِي حُلُمِ
سِرْبُ الشَّياطينِ لَمَّا جِئْتَنَا احْتَرَقَتْ … وَنَارُ فَارِسَ تَخْبُو مِنْكَ فِي نَدَمِ
وَصُفِّدَ الظُّلمُ وَالأوْثَانُ قَدْ سَقَطَتْ … وَمَاءُ سَاوَةَ لَمَّا جِئتَ كَالحِمَمِ
قَحْطَانُ عَدْنَانُ حَازُوا مِنْكَ عِزَّتهم … بِكَ التَّشَرُّفُ للتَّارِيخِ لا بِهمِ
عَقُودُ نَصْرِكَ فِي بَدْرٍ وَفِي أُحُدٍ … وَعَدْلًا فِيكَ لا فِي هَيْئةِ الأُمَمِ
شَادُوا بِعِلمِكِ حَمْرَاءَ وَقُرْطُبَة … لِنَهْرِكَ الْعَذْبِ هَبَّ الجِيلُ وَهْوَ ظَمِي
وَمِنْ عِمَامَتِكَ البَيْضَاءِ قَدْ لَبِسَت … دِمِشْقُ تَاجَ سَنَاهَا غَيْرَ مُنْثَلِمِ
رِدَاءُ بَغَدَادَ مِنْ بُرْدَيْكَ تَنْسِجُهُ … أيْدِي رَشِيدٍ وَمَأمُونٍ وَمُعْتَصِمِ
وَسِدْرَةُ المنتَهَى أوْلَتْكَ بَهْجَتَهَا … عَلَى بِسَاطٍ مِنَ التَّبْجِيلِ مُحْتَرَمِ
[ ١ / ١٠٥ ]
دَارَسْتَ جِبْرِيلَ آيَاتِ الكِتَابِ فَلَمْ … يَنْسَ المُعَلِّمُ أَوْ يَسْهُو وَلَمْ يَهِمِ
اقْرَأ وَدَفْتَرُكَ الأيَّامُ خُطَّ بِهِ … وَثِيقَةُ العَهْدِ يَا مَنْ بَرِّ فِي القَسَمِ
قَرَّبْتَ لِلعَالَم العُلوِي أَنْفُسَنَا … مَسَّكْتَنَا حبلًا غَيْرَ منصَرِمِ
نُصِرْتَ بِالرُّعْبِ شَهْرًا قَبْلَ مَوْقِعَةٍ … كَأَن خَصْمَكَ قَبْلَ الحَرْبِ فِي صَمَمِ
إِذَا رَأَوْا طِفْلًا فِي الجَوِّ أَذْهَلَهُمْ … ظَنوكَ بَيْنَ بُنُودِ الجَيْشِ وَالحَشَمِ
بِكَ اسْتَفَقْنَا عَلَى صُبحٍ يُؤرِّقهُ … بِلالٌ بِالنَّغَمَةِ الحَرَّا عَلَى الأُطُمِ
إِنْ كَانَ أَحْبَبْتُ بَعْدَ الله مِثْلَكَ فِي … بَدْوٍ وَحَضَرٍ وَمِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
فَلا اشتَفَى نَاظِرِي مِنْ مَنْظَرٍ حَسَنٍ … وَلا تَفَوَّه بِالقَوْلِ السَّدِيدِ فَمِي (^١)
* * *
_________________
(١) "مقامات عائض القرني - المقامة النبوية" (ص ٣٨ - ٥٣) - مكتبة الصحابة - الإمارات.
[ ١ / ١٠٦ ]
° لله درُّ أمهاتِ المؤمنين حين يَصِفْنَ علوَّ همَّةِ نبينا - ﷺ - للصحابة!!
تقول إحداهن: "وأيُّكم يطيق ما كان يُطيق؟ ".
° وتقول الأخرى: "ما لكم وصلاتِه - ﷺ -؟! ".
فأيُّ همَّةٍ كانت همَّةَ سيِّد البشر؟! هذا المُترَعُ عَظمةً وعلوَّ همةٍ وسُمُوًّا!!.
أَلا إن الذين بَهَرتهم عظمته لَمعذورون ..
بأبي وأمي رسولُ الله إلى الناسِ في قَيْظ الحياة ..
أيُّ سرٍّ توفَّر له فجَعَل منه إنسانًا يُشرِّف بني الإِنسان ..؟.
وبأيَّة يدٍ طولَى، بَسَطها شطْرَ السماء، فإذا كلُّ أبواب رحمتِها، ونِعمتِها وهداها، مفتوحةٌ على الرحاب؟.
أيُّ إيمان، وأيُّ عزْم؟ وأيُّ مَضاءٍ؟!
أيُّ صِدق، وأيُّ طهْر، وأيُّ نقاءٍ ..؟!
أيُّ تواضع .. أيُّ حُبٍّ، أيُّ وفاء؟!.
أيُّ احترام للحياة وللأحياء؟!.
ومهما تتبارَى القرائحُ والإِلهامُ والأقلامُ متحدثةً عنه، عازفةً أناشيدَ عَظَمَته؛ فستظلُّ جميعًا كأنْ لم تَبْرَحْ مكانها، ولم تحرِّك بالقوْل لسانها ..
ولهُ كمالُ الدينِ أعلى همَّةٍ … يعلُو ويسمُو أن يُقاسَ بثاني
لمَّا أضاءَ على البريَّة زانَها … وعلا بها فإذا هو الثَّقَلانِ
فوجدتُ كلَّ الصيْدِ في جَوْف الفِرا … ولقيتُ كلَّ الناسِ في إنسانِ
[ ١ / ١٠٧ ]
ومهما سُطِّرتِ المجلداتُ في علوِّ همته، فليست غيرَ "بَنان" تومئُ على استحياءٍ إلى بعض ما فيه.
وعلى تفنُّنِ مادحيهِ بوصْفهِ … يَفنى الزمانُ وفيهِ ما لم يُوصَفِ
فلِعُلُوِّ همته - ﷺ - في السَّير فهو المُفرَدُ السابق، فلِسَبْقه لم يُوقفْ له على أثرٍ في الطريق .. والمشمِّر بعدَه قد يرى آثارَ نيرانه على بُعْدٍ عظيم، كما يرى الكواكب، ويَسْتخبرُ ممَّن رآهم: أين رآهم؛ فحالُه كما قيل:
أُسائِلُ عنكم كل غادٍ ورائحٍ … وأومي إلى أوطانكم وأسلِّمُ
° ولله درُّ حسَّانَ حين يصفُ رسولَ الله - ﷺ - ومَن ربَّاهم الرسول - ﷺ - من قومه على عيْنه!! يقول:
لو كانَ في الناسِ سَبَّاقونَ بعدَهُمُ … فكلُّ سبْقٍ لأدنى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
° يقول ابن القيم في "مدارج السالكين" (٣/ ١٤٧ - ١٤٨): "انظر إلى همَّة رسول الله - ﷺ -، حين عُرضت عليه مفاتيحُ كنوز الأرض فأباها، ومعلومٌ أنه لو أخَذها لأنفقها في طاعةِ ربِّه تعالى، فأبتْ له تلكَ الهِمَّةُ العاليةُ أن يتعلَّق منها بشيء مما سوى الله ومَحابِّه، وعُرِض عليه أن يتصرَّف بالمُلْكِ فأباه .. واختار التصرُّفَ بالعبودية المحْضَة .. فلا إلهَ إلاَّ اللهُ خالقُ هذه الهمَّة، وخالقُ نفْسٍ تَحمِلها، وخالقُ هِممٍ لا تعدو هممَ أخسِّ الحيوانات!! ".