° عن ابن عباس ضى: "أن الوليد بن المغيرة جاء رسول الله - ﷺ -، فقرأ عليه القرانَ، فكأنما رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمِّ، إن قومَك يريدون أن يَجمعوا لك مالًا. قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكَه، فإنك أتيتَ محمدًا لتعرضَ ما قِبلَهَ .. قال: قد عَلِمَتْ قريشٌ أني من أكثرِها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومَك أنك منكِرٌ له. قال: وماذا أقولُ؟ فواللهِ ما منكم رجلٌ أعوفُ بالْأشعار مني، ولا أعلم برَجَزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعارِ الجن، اللهِ ما يُشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللهِ إن لقوله الذي يقوله
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢١/ ٦٠، ٦١، ٦٢) بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٣٩ ]
لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنه لَمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفلُه، وإنه لَيعلو ولا يُعلَى، وإنه ليحطِمُ ما تحتَه. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.
قال: قِفْ عني حتى أُفكِّر فيه، فلما فكَّر قال: إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤثر يأثِرُه عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] " (^١).
° عن ابن عباس - ﵁ - قال: "دخل الوليدُ بُن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة - ﵁ -، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش، فقال: يا عَجَبًا لا يقول ابن أبي كَبْشة (^٢)، فوالله ما هو بشِعرٍ، ولا بسِحرٍ، ولا بهَذْيٍ من المجنون، وإنَّ قولَه لَمِن كلام الله، فلما سمع بذلك النَّفرُ من قريش ائتمروا، وقالوا: واللهِ لئِنْ صبأ الوليد، لتَصبأَنَّ قريش. فلما سَمع بذلك أبو جهل قال: أنا والله أكْفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تَرَ قومَك قد جمعوا لك الصدقة؟ قال: ألستُ أكثرَهم مالًا وولدًا؟ فقال له أبو جهل: يتحدَّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتُصيب من طعامه .. قال الوليد: قد تَحَدَّث بهذا عشيرتي؟! فلَا يْمُ جابر بن قَصيٍّ، لا أقربُ أبا بكر، ولا عُمرَ ولا ابن أبي كبشة، وما قولُه إلا سِحرٌ يؤثَر. فأنزل الله على نبيه - ﷺ -: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ هو إلى قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ ".
_________________
(١) صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٥٠٧)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه وأقره الذهبي، ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (١/ ٥٥٦)، وأورده ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/ ٦٠) عن عكرمة مرسلًا.
(٢) يقصد النبيﷺ -.
[ ١ / ٢٤٠ ]
° وعن ابن عباس - ﵁ - قال: "أنزل الله -﷿- في الوليد بن المغيرة المخزوميِّ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْاَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ " إلى آخرها [الحجر: ٩٢] ".
له وعن مجاهد قال: "نزلت في الوليد بن المغيرة -وكذلك الخَلْقِ كلهم-، خلقتُه وحدَه، ليس معه مالٌ ولا وَلَد".
وهو قول قتادة، وابن زيد، والضحاك.
° ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدودًا﴾: قال مجاهد وسعيد بن جبير: "كان مالُه ألفَ دينار".
° وقال سفيان: "بلغني أنه أربعةُ آلاف دينار".
° وعن عمر - ﵁ - في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدودًا﴾ قال: "غَلَّةُ شهرٍ بشهر".
° قال ابن جرير الطبري: "هو الكثير، الممدودُ عددُه أو مساحته".
° ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، قال مجاهد: "كان بنوه عشرةً" (^١).
° ﴿وَمَهَّدتُّ لَه تَمْهِيدًا﴾، قال ابن جرير: "وبَسَطتُ له في العيش بَسْطًا".
° قال سفيان: "بُسِط له".
° وعن مجاهد: قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ قال: "من المال والولد".
_________________
(١) قال الرازي في "مفاتيح الغيب": نزلت في الوليد بن المغيرة وكان له عشرة من البنين، وكان يقول لهم وما قاربهم: لئن تَبعَ دينَ محمدٍ منكم أحدٌ لا أنفعُه بشيءٍ أبدًا، فمَنَعهم الإسلام.
[ ١ / ٢٤١ ]
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾، يقول تعالى ذكره: ثم يأملُ ويرجو أن أزيده من المال والولد، على ما أعطيته .. ﴿كَلاَّ﴾: يقول: ليس ذلك كما يأمَلُ ويرجو، مِن أن أزيدَه مالًا وولدًا وتمهيدًا في الدنيا.
﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنا عَنِيدًا﴾: إن هذا الذي خلقتُه وحيدًا كان لآياتنا؛ -وهي حُجَجُ اللهِ على خلقه من الكتب والرسل- معاندًا.
° قال ابن عباس - ﵁ -: "لآيتنا جحودًا".
° وقال مجاهد: "معاندًا للحق مجانبًا".
° وقال قتادة: "كفورًا بآيات الله، جَحُودًا بها".
° وقال سفيان: "مُشَاقًّا".
﴿سَاُرْهِقُهُ صَعُوًا﴾ يقول تعالى ذكره: سأُكلِّفه مشقةً من العذاب لا راحةَ له فيها.
° قال مجاهد: "مشقةً من العذاب".
° وعن قتادة: "عذابًا لا راحةَ فيه".
° قال الطبري: "إن هذا الذي خلقتُه وحيدًا، فكَّر فيما أنزله اللهُ على عبده محمد - ﷺ - من القرآن، وقدَّر ما يقول فيه، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾: فلُعِن كيف قدَّر، ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ يقول: ثم لعِن كيف قدَّر القولَ فيه، ﴿ثُمَّ نَظَر﴾ يقول: ثم تَرَوَّى في ذلك، ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾: ثم قَبَض ما بين عينيه، ﴿وَبسَرَ﴾، يقول: كَلَح وكَرُه وجهه.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾: ثم ولَّى عن الإيمان بما أنزل الله من كتابه والتصديق به، والاستكبار عن الإِقرار بالحق، ﴿فَقَالَ إِن هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ
[ ١ / ٢٤٢ ]
يُؤْثَرُ﴾ يقول تعالى ذكره: فقال: إن هذا الذي يتلوه محمدٌ، إلاَّ سحرٌ يَأْثِرهُ عن غيره.
° قال أبو رَزين: "يأخذُه عن غيره".
﴿سَاُصْلِيهِ سَقَرَ﴾: سأورده بابًا من أبواب جهنم.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾: لا تُبقِي مَن فيها حيًّا، ولا تَذَرُ مَن فيها ميتًا، ولكنها تحرقُهم كلَّما جُدَّد خَلْقُهم.
° قال مجاهد: "لا تُميت ولا تُحْيي".
﴿لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ﴾: يعني جلَّ ثناؤه: مُغيّرَةً لبَشْرَة أهلها.
° قال ابن عباس: "تَحْرِق بَشْرة الإِنسان" (^١).
° قال قتادة: "حَراَّقةً للجلد".
كان الوليدُ شيخَ أهلِ الكفر وأشدَّ الناسِ عداوة لرسول الله - ﷺ -، وقد رُويت عنه مواقفُ كثيرةٌ في الكيد لرسول الله - ﷺ - وإنذارِ أصحابه، والوقوفِ في وجهِ الدعوة، والصَّدِّ عن سبيل الله.
° قال القاسمي: "اتفق المفسِّرون أن هذه الآيات نزلت في الوليدِ بن المغيرةِ المخزومي، أحدِ رؤساء قريش -لعنه الله-" (^٢).
° قال محمد الطاهر بن عاشور: "كان الوليدُ بنُ المغيرة، يُلقَّبُ في قريش بـ "الوحيد"، لِتوحُّدِه وتفرُّده باجتماع مزايا له، لم تجتمعْ لغيره من طَبَقته؛ وهي كثرةُ الولد، وسَعَةُ المال، ومَجدِه، ومجدِ أبيه مِن قبلِه، وكان
_________________
(١) انظر "تفسير الطبري" (٢٣/ ٤٢١ - ٤٣٥) باختصار.
(٢) "محاسن التأويل" للقاسمي (١٥/ ٥٩٧٨).
[ ١ / ٢٤٣ ]
مرجعَ قريشٍ في أمورهم؛ لأنه كان أسن من أبي جَميل وأبي سفيان، فلما اشتُهر بلقب " الوحيد"، كان هذا الكلام إيماءً إلى الوليد بن المغيرة المشتهر به، وجاء هذا الوصفُ بعد فعل: "خَلقتُ"، ليُصرف هذا الوصفُ عما كان مرادًا به؛ أي أوجدتُه وحيدًا عن المال والبنين والبَسْطة، فيُغيَّر عن غرض المدح والثناء الذي كانوا يخصُّونه به إلى غرضِ الافتقار إلى الله؛ الذي هو حالُ كل مخلوق.
° عن ابن عباس: "كان مالُ الوليد بين مكةَ والطائفِ من الإبل، والغنم، والعبيد، والجواري، والجِنان، وكانت غَلَّةُ مالِهِ ألفَ دينارٍ في السَّنة".
﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾؛ تيسيرَ أموره، ونفاذَ كلمته في قومه؛ بحيث لا يَعسر عليه مَطْلَبٌ، ولا يستعصي عليه أمرٌ".
° ثم قال الشيخ الطاهر بن عاشور: "الصَّعود: العقبةُ الشديدةُ التصعُّد الشاقةُ على الماشي؛ وهي " فَعول"، مبالغةً من "صَعِد"، فإن العقبة صَعْدة، فإذا كانت عقبةٌ أشدُّ تصعُّدًا من العقبات المعتادة قيل لها: صَعُود.
وقوله: ﴿سَاُرْهِقُهُ صَغودًا﴾، تمثيلٌ لضدِّ الحالة المُجمَّلةِ في قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، أي: سينقلبُ حالُه من حال راحةٍ وتنعُّم إلى حالةٍ سُوأى في الدنيا، ثم إلى العذاب الأليم في الآخرة، وكلُّ ذلك إرهاقٌ له" (^١).
° قال البِقاعي في "نظم الدرر": "أكملتُ له من سعادة الدنيا ما أوجب التفردَ في زمانه من أهل بيته وفخِذه؛ بحيث كان يسمَّى: "الوحيد،
_________________
(١) "التحرير والتنوير" (٢٩/ ٣٠٧).
[ ١ / ٢٤٤ ]
وريحانة قريش"، فلم يَرْعَ هذه النعمة العظيمة، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كلاَّ﴾، لم يُزَدْ بعد ذلك شيئًا؛ بل لم يزل في نقصان حتى هلك، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]، ليرتدع عن هذا الطمع، وليزدجرَ وليرتجع، فإنه حُمقٌ محض، وزخرفٌ بحت، وغُرور صِرف.
﴿إِنَّه كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، أي: بالغَ العنادِ على وجهٍ لا يُعَدُّ عنادُه لغيرها؛ بسب مزيد قبحِه عنادًا.
والعناد، كما قال المَلَوي: مِن كِبْرٍ في النفس، أو يُبْسٍ في الطبع، أو شراسةٍ في الخُلق، أو خَبَلٍ في العقل، وقد جُمع ذلك كلُّه لإبليس.
لما كان العناد غِلظةً في الطبع، أو شكاسةً في الخُلق، يُوجِبُ النكدَ والمشقَّةَ، جُعل جزاؤه من جِنسه، فقال: ﴿سَأرْهِقة صَعُودًا﴾، أي: أُلحِقُه بعُنفٍ وغِلظةٍ وقهو، إلحاقًا يَغشاه ويُحيطُ به، وعيدًا لا خُلْفَ فيه.
﴿صَعُودًا﴾، أي: شيئًا من الدواهي والأنكار؛ كأنه عَقَبة.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، حادَ عن وجه الأفكار إلى أقفائِها، سكت ألفًا، ونطق خلفًا، فكان شبيهًا من بعض الوجوه بما قاله بعضهم:
لَوْ قِيلَ كَمْ خَمْسٌ وَخَمْسٌ لَاغْتَدَى … يَوْمًا وَلَيْلَتَهُ يَعُدُّ وَيَحْسِبُ
وَيَقُولُ مُعْضِلَةٌ عَجِيبٌ أمرُهَا … ولَئِنْ عَجِبْتُ لَها لأمْرِى أَعْجَبُ
حَتَّى إِذَا خَدَرَتْ يَدَاهُ وغُوِّرتْ … عَيناهُ مِمَّا قَدْ يَخُطُّ وَيَكْتُبُ
أَوْفَى عَلَى شَرَفٍ وَقَالَ أَلا انْظُرُوا … وَيَكَادُ مِنْ فَرَع يُجَنُّ ويُسْلَبُ
خَمْسٌ وَخَمْسٌ سِتَةٌ أوْ سَبْعَةٌ … قَوْلَانِ قَالَهُمَا الْخِليلُ وَثَعْلَبُ
[ ١ / ٢٤٥ ]
* قال قالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، أي: الدَّرَكَة النارية؛ التي تَفعل في الأدمغةِ من شدَّةِ حموِّها ما يَجِلُّ عن الوصف، فأدخله إياها، وأُلْوِحُه في شدائد حرِّها، وأُذيب دماغَه بها، وأُسيل ذِهنَه وكل عصارته بشديدِ حرِّها .. جزاءً على تفكيره هذا، الذي قدَّره، وتخيَّله وصَوَّره بإرادته في طبقاتِ دماغه؛ ليحرقَ أكبادَ أولياءِ الله وأصفيائه" (^١).
° " ﴿سَاُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾: التصعيدُ في الطريق: هو أشق السَّير وأشدُّه، فإذا كان دَفعًا من غير إرادةٍ من المُصعَد كان أكثَرَ مشقةً وأعظمَ إرهاقًا، وهو في الوقت ذاتِه تعبير عن الحقيقة؛ فالذي ينحرفُ عن طريقِ الإيمان السهل الميسَّرِ الوُرودِ، يَندبُّ في طريقٍ وعرٍ شاقٍّ مبتوت، ويقطعُ الحياةَ في قلق وشدةٍ وكُربةٍ وضِيق، كأنما يصَّعَد في السماء، أو يصَّعَّد في وعْرٍ صلد، لا رِيَّ فيه ولا زاد، ولا راحةَ ولا أملَ في نهاية الطريق!.
ثم يرسمُ تلك الصورةَ المُبدعةَ المثيرةَ للسخرية، والرجلُ يُكِدُّ ذِهنَه، ويَعصِرُ أعصابَه، ويَقبضُ جَبينه، وتَكْلَحُ ملامحُه وقَسَماتُه، كل ذلك لِيجدَ عيبًا يَعيبُ به هذا القرآن، وليجدَ قولًا يقولُه فيه، جِدَّ مُصطَنَع، متكلَّف يُوحي بالسخرية منه والاستهزاء، وبعد هذا المَخاض كلِّه؛ وهذا الحزَق كله، لا يُفتحُ عليه بشيء، إنما يُدبِرُ عن النور، ويستكبرُ عن الحق.
إنها لَمَحاتٌ تدعُ صاحبَها سخريةَ الساخرين أبدَ الدهر، وتُثبِتُ صورتَه الرزيَّةَ في صُلْب الوجود، تتملاَّها الأجيالُ بعد الأجيال.
فإذا انتهى عَرضُ هذه اللمحات، عَقَّب عليها بالوعيد المفزع:
_________________
(١) "نظم الدرر" للبقاعي (٢١/ ٥١ - ٥٩).
[ ١ / ٢٤٦ ]
﴿سَأصْلِيهِ سَقَرَ﴾ .. وزاد هذا الوعيدَ تهويلًا بتجهيل سقر، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾، إنها شيءٌ أعظمُ وأهولُ من الإدراك، ثم عَقَّب على التجهيل بشيءٍ من صفاتها أشدَّ هولًا: ﴿لا تبْقِي وَلا تَذَرُ﴾، فهي تَكنِس كنسًا، وتَبلعُ بلعًَا، وتمحو محوًا، فلا يقفُ لها شيء، ولا يقفُ وراءَها شيء، ولا يبقَى وراءَها شيء، ولا يفضلُ منها شيء" (^١).
هذا دين رفيع، لا يُعْرِضُ عنه إلاَّ مطموس، ولا يَعيبُه إلاَّ منكوس.
* وقال تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقرْآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ﴾ [الزخرف: ٣١].
° قال ابن عباس: "يعني بالعظيم: الوليد بن المغيرة القرشي، وحبيب ابن عمرو بن عمير الثقفي .. وبالقريتيْن: مكة والطائف".
° وقال قتادة: "الرجل: الوليد بن المغيرة قال: لو كان ما يقول محمدٌ حقًّا، أُنزل عليَّ هذا أو على ابن مسعود الثقفي" (^٢).
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾.
° يقول -جَلَّ وعَزَّ-: أهؤلاء القائلون يا محمدُ، يَقسِمون رحمةَ ربِّك بين خَلْقه، فيجعلون كرامتَه لمن شاؤوا، وفَضْلَه عند مَن أرادوا، أم اللهُ الذي يَقسِمُ ذلك، فيُعطِيه مَن أحبَّ، ويَحرمُه من شاء؟.
قال: ﴿ونَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا﴾ يقول -﷿-: بل نحن نقسمُ رَحمتَنا وكرامتَنا بين مَن شِئنا من خَلْقِنا، فنجعلُ مَن
_________________
(١) "الظلال" (٦/ ٣٧٥٦).
(٢) هو عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف.
[ ١ / ٢٤٧ ]
شِئنا رسولًا، ومَنْ أردْنا صِدِّيقًا". ونتَّخذ من أردنا خليلًا، كما قَسَمْنا بينهم معيشتَهم التي يعيشون بها في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات، فجعلنا بعضَهم فيها أرفعَ من بعض درجةً بأنْ جَعَلنا هذا غنيًّا وهذا فقيرًا، وهذا مَلِكًا وهذا مملوكًا؛ ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضا سُخْرِيًّا﴾، يعني بذلك العبيدَ والخَدَم سَخَّرهم لهم.
° قال قتادة: " ﴿وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعونَ﴾، يعني: الجنة" (^١).
* قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ".
﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْث يَجْعَل رِسَالَتَهُ﴾، وقد جَعَلها حيث عَلِم، واختار لها أكرمَ خَلقِه وأخلَصَهم، وجعل الرسلَ هم ذلك الرَّهْطَ الكريمَ، حتى انتهت إلى محمدٍ خيرِ خلقِ الله وخاتمِ النبيين ..
تتباهى بك العصورُ وتسمو … بِك عَلياءٌ دونها علياءُ
أنت مصباحُ كلِّ فضلٍ فما … يَصدُرُ إلاَّ عن ضوئك الأضواءُ
﴿سَيُصيِبُ الَّذِينَ أَجْرَموا صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكرُونَ﴾، والصَّغار هو: أشدُّ الذُّلِّ، يُقابِلُ الاستعلاءَ عند الأتباع، والاستكبارَ عن الحق، والتطاولَ إلى مقامِ رسل الله! والعذابُ الشديد يُقابل الكرَ الشديد، فالعِداء للرسل، والأذى للمؤمنين، وصَدَق الله إذ يقول:
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢٠/ ٥٨٠ - ٥٨٦) مختصرًا.
[ ١ / ٢٤٨ ]
﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
والرِّجس هو: النَّجَس الذي لا خيرَ فيه، وهو الشيطان، كما قال ابن عباس:
لواءُ ضلالٍ قاد إبليسُ أهلَه … فخاسَ بهم إنَّ الخبيث إلى غَدْرِ
ومن معاني الرجس: العذاب، ومن معانيه كذلك: الارتكاس، وكلاهما يُلَوِّن هذا العذابَ بمشهدِ الذي يرتكسُ في العذاب ويعودُ إليه ولا يفارقه.