° بَوَّب البخاريُّ في كتاب "المغازي": "باب حديث بني النضير، ومَخْرَج رسولِ الله - ﷺ - في ديَةِ الرَّجُلين، وما أرادوا مِن الغَدر برسول الله - ﷺ -".
° قال الزهريُّ عن عُروة: "كانت على رأسِ سِتةِ أشهرٍ من وقعةِ "بدر"
_________________
(١) "فتح الباري" (٧/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
[ ١ / ٣١٥ ]
قبلَ وقعة "أُحُد"، وجَعَله ابنُ إسحاقَ بعد "بئر معونة وأُحُد".
° عن ابن عمرَ - ﵁ - قال: "حاربت قريظةُ والنَّضيرُ، فأجلى بني النَّضِير، وأَقَرَّ قريظةَ ومَنَّ عليهم حتى حارَبت قُريظةُ، فقَتل رجالَهم، وقَسَمَ نساءَهم وأولادَهم وأموالَهم بين المسلمين، إلاَّ بعضُهم لَحِقوا بالنبي - ﷺ -، فأمّنَهم وأسلموا، وأجلى يهودَ المدينة كلَّهم: بني قينقاع -وهم رَهط عبد الله ابن سلام-، ويهودِ بني حارثة، وكلِّ يهود المدينة" (^١).
° خرَج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير (^٢) يستعينهم في دِيَةِ رجُليْنِ قَتَلهما عمر بن أميَّة الضَّمْرِيُّ، قال ابنُ إسحاق: "فلمَّا أتاهم يستعينهم قالوا: نعم. ثم خلا بعضُهم ببعضٍ، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالسًا إلى جانبِ جِدارٍ لهم، فقالوا: مَن رجلٌ يعلو على هذا البيتِ فيُلَقِيَ هذه الصخرةَ عليه فيقتلَه ويُريحَنا منه؟ فانتدب لذلك عمرُو بن جِحاشِ بنِ كعب، فأتى النبيَّ الخبرُ من السماء، فقام فظهرًا أنه يَقضِي حاجة، وقال لأصحابه: لا تَبْرَحوا، ورجع مُسرِعًا إلى المدينة، واستبطأه أصحابُه، فأُخبِروا أنه توجَّه إلى المدينة، فلحِقوا به، فأمر بحَربهم والمسير إليهم، فتحصَّنوا، فأمر بقَطع النخيل والتحريق".
° وذكر ابنُ إسحاق: "أنه حاصَرهم سِتَّ ليالٍ، وكان ناسٌ من المنافقين بَعثوا إليهم أنِ اثبتوا وتمنَّعوا، فإنْ قُوتلتم قاتلنا معكم، فتربَّصوا،
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" كتاب المغازي -باب حديث بني النضير- حديث رقم (٤٠٢٨) "الفتح" (٧/ ٣٨٢).
(٢) في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أُحُد وقَبْل غزوة الأحزاب ذهب رسول الله - ﷺ - مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي - ﵃ - إلى محلّة بني النضير.
[ ١ / ٣١٦ ]
فقَذَف اللهُ في قلوبهم الرعبَ فلم يَنصروهم، فسألوا أن يُجْلَوْا عن أرضهم على أنَّ لهم ما حَمَلتِ الإِبلُ، فصُولحوا على ذلك".
° وروى البيهقي في "الدلائل" من حديث محمد بن مَسْلمَة: "أن رسولَ الله - ﷺ - بَعَثه إلى بني النضير، وأمَرَه أن يُؤجِّلَهم في الجَلاء ثلاثةَ أيامِ، قال ابنُ إسحاق: فاحتَملوا إلى خيبرَ وإلى الشام. ولم يُسلِمْ منهم إلاَّ يامينُ بنُ عُمير، وأبو سعيد بن وهب، فأحرزَا أموالَهما".
• وروى ابنُ مردويه قصَّةَ بني النضير -بإسنادٍ صحيح إلى معمرِ عن الزهري-: "أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلِ من أصحابِ النبي - ﷺ - قال: كتب كفارُ قريش إلى عبد الله بن أُبيٍّ وغيرِه -ممن يَعبدُ الأوثانَ- قَبْل بدر يُهدِّدونهم بإيوائهم النبيَّ - ﷺ - وأصحابَه، ويتوعَّدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فَهَمَّ ابنُ أُبيٍّ ومَن معه بقتال
المسلمين، فأتاهم النبيُّ - ﷺ -، فقال: "ما كادكم أحدٌ بمثل ما كادتكم قريشٌ يُريدون أن تُلقوا بأسَكم بينكم"، فلما سَمِعوا ذلك عَرَفوا الحقَّ فتفرَّقوا. فلما كانت وقعةُ بدرٍ كَتبت كفارُ قريشٍ بعدَها إلى اليهود: إنكم أهلُ الحَلْقة والحُصون، يتهدَّدونهم، فأجمع بنو النضير على الغَدْر، فأرسلوا إلى النبي - ﷺ -: اخرجْ إلينا في ثلاثةٍ من أصحابك، ويَلقاك ثلاثةٌ من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل، فاشتمل اليهودُ الثلاثةُ على الخناجر، فأرسلَتِ أمرأةٌ من بني النضير إلى أخٍ لها من الأنصار مُسلمِ تخبرُه بأمرِ بني النضير، فأخبر أخوها النبيَّ - ﷺ - قبلَ أن يَصِلَ إليهم، فرجع، وصَبَّحهم بالكتائب، فحَصَرهم يومَه، ثم غَدَا على بنى قريظة، فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتَلَهم حتى نزلوا على الجَلاء، وعلى أنَّ لهم ما
[ ١ / ٣١٧ ]
أقلَّتِ الإِبلُ إلاَّ السلاح، فاحتَملوا حتى أبوابِ بيوتهم، فكانوا يُخرِبون بيوتَهم بأيديهم فيَهدمونها، ويَحمِلون ما يُوافقُهم من خَشَبها، وكان جَلاؤهم ذلك أولَ حشرِ الناسِ إلى الشام".
° قال ابنُ حجر: "فهذا أقوى مما ذَكر ابنُ إسحاقَ من أن سببَ غزوة بنى النضير طَلَبُه - ﷺ - أن يُعينوه في دِية الرجليْن، لكنْ وافق ابنَ إسحاق جُلُّ أهل المغازي، فالله أعلم" (^١).
° وقال ابنُ حجر أيضًا: "ذَكَر موسى بنُ عُقبة في "المغازي" قال: كانت النضيرُ قد دَسُّوا إلى قريشٍ وحَضُّوهم على قتالِ رسول الله - ﷺ -، ودَلُّوهم على العَوْرة .. ثم ذكر نحوًا مما تقدم عن ابن إسحاق من مَجيءِ النبي - ﷺ - فى قصَّة الرجليْن قال: وفي ذلك نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكَمْ إِذ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية [الائدة: ١١].
وعند ابن سعد أن رسول الله - ﷺ - أرسل إليهم محمدَ بنَ مَسْلَمة أنِ "اخرجوا من بَلَدي فلا تُساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغَدر، وقد أجَّلتُكم عَشْرًا" .. " (^٢).
° وفي "مغازي الواقدي" أن النبي - ﷺ - حاصَرهم خَمسةَ عَشَر يومًا، فأجلاهم رسولُ الله - ﷺ -، ووَلِيَ إخراجَهم محمدُ بنُ مَسلمة (^٣)، كما وَليَ قبضَ أموالهم وسِلاحهم (^٤).
_________________
(١) "فتح الباري" -كتاب المغازي (٧/ ٣٨٥).
(٢) "فتح الباري" (٧/ ٣٨٦).
(٣) "مغازي الواقدي" (١/ ٣٧٤).
(٤) "مغازى الواقدي" (١/ ٣٧٧).
[ ١ / ٣١٨ ]
وكان منهم مَن سار إلى خيبر، ومنهم مَن سار إلى الشام، وكان مِن أشرافهم ممَّن سار إلى خيبر سَلاَّمُ بن أبي الحقيق، وكِنانةُ بنُ الربيع بنِ أبي الحُقيق، وحُيَيُّ بنُ أخطبَ ممن ألَّبوا المشركين على المسلمين في غزوة الأحزاب ووقعة بني قريظة.
* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾ [الحشر: ٢ - ٤].
نكالٌ منَ الله، وإخراجٌ لهم في دار الدنيا، وعذاب النار ينتظرهم في الآخرة؛ لأنهم شاقُّوا اللهَ ورسولَه، فموقفُهم فيه تبجُّحٌ قبيحٌ حين تقفُ المخاليق الضئيلةُ الهزيلة تتعرَّضُ لغضبِ اللهِ وعِقابه وهو شديدُ العقاب.
وهكذا تستقر في القلوب حقيقةُ مصائرِ المشاقِّين لله ورسوله في كلِّ أرضِ وفي كلِّ وقت.