كان يهودُ بني قريظة إِلبًا على المسلمين مع المشركين، بتحريضٍ من زعماءِ بني النصير، وحُيَيُّ بنُ أخطب على رأسهم، وكان نَقضُ بني قريظةَ لعهدهم مع رسول الله - ﷺ - في هذا الظرف أشقَّ على المسلمين من هجومِ الأحزاب من خارج المدينة .. ولذلك قصةٌ نَقَصُّها: قد كان للمسلمين حِلفٌ
[ ١ / ٣١٩ ]
مع بني قريظة قبل مَجيءِ الأحزاب، ولكنهم غَدَروا بالمسلمين، وقد كانوا خَلْفَهم، وقَوَّاهم على ذلك شيطانُ بني النضير حُيَيّ بنُ أخطب.
ذَهَب شيطانُ خيبر -حُييُّ بنُ أخطب - إلى حِصنِ بني قريظةَ قائلًا: "ويحكَ يا كعبُ، افتحْ لي، فقال له كعبٌ -وقد تَمنَّع-: يا حُيي، إنك امرؤٌ مشؤوم، وإني عاهدتُ محمدًا، فلستُ بناقضٍ ما بيني وبينه، ولم أرَ منه إلاَّ وفاءً وصِدقًا، فقال له حييٌّ: ويحك، افتحْ لي أُكلِّمْك، فقال: ما أنا بفاعل، فغاظَ ذلك حُييًّا، فقال لكعب: والله ما أغلقتَ دوني إلاَّ تخوُّفًا على حَشيشتك (^١) أن آكُل معك منها، فخَجِل منه كعبٌ، ففتح له.
فقال له حييٌّ: جئتُك بعِزِّ الدهر، جئتك بقريشٍ حتى بجمع الأسيال، وبغطفان حتى أنزلتهم بجانبِ "أُحُد"، قد عاهدوني وعاقدوني أنْ لا يَبْرَحوا حتى يستأصِلوا محمدًا ومَن معه، فقال له كعبٌ: جئتَني واللَّهِ بذُلِّ الدهر وكلِّ ما يُخْشى، فإني لم أرَ في محمدٍ إلاَّ صدقًا ووفاءً، جئتَني -يا حيي- بجهامٍ قد هَراق ماؤه، فهو يَرْعَدُ وَيبرُق ليس فيه شيء (^٢).
ثم أردف كعبٌ قائلًا: ويحَك يا حيي، فدَعني وما أنا عليه، فإني لم أرَ من محمدٍ إلاَّ صدقًا ووفاءٌ، وما زال به حييٌّ وبقومه، يَفْتِلُ في الذِّروةِ والغارب، حتى أجابوه إلى ما طَلب، فوافَقوا على نَقضِ العهد، والغَدْرِ بالمسلمين، والانضمام إلى جيش الأحزاب، ولم يَشُذَّ إلاَّ الزعيمُ القَرَظيُّ -عمرُو بن سُعدَى - وقال: واللَّهِ لا أغدِرُ بمحمدٍ أبدًا .. وَبقِيَ على عهدِه،
_________________
(١) البُرُّ يطحن غليظًا.
(٢) يعني بذلك كعب أن جيوش الأحزاب على كثرتها؛ ليست إلاَّ كالسحاب العظيم؛ الذي تَصُكُّ رعودُه الآذان، ويَخطِف برقه الأبصار، وليس فيه قطرة ماء.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وسانَده في موقفِه النبيلِ هذا ثلاثة من اليهود وهمِ: ثعلبةُ، وأُسيد -ابنا سَعْيه- وأسدُ بنُ عبيد، وأخذ كعبُ بنُ أسد الصحيفةَ ومزَّقها.
غدروا برسول الله - ﷺ - وجيوشُ الأحزاب تُوشِكُ الفَتْكَ بالمدينة، وبَلَغتِ القلوبُ الحناجر.
أوفَدَ إليهم النبيُّ - ﷺ - وفدًا من الأنصار، على رأسه سعدُ بن معاذ، وسعدُ بن عبادة، فقالوا للوفد -وقد تملَّكهم الغرورُ-: الآن جئتُم تطلبون منا الوفاءَ بالعهد الذي بيننا وبين محمد، وهو الذي كَسَر جَناحنا، وأخرج إخوانَنا بني النضير، اذهبوا، لا عهدَ بيننا وبين محمد ولا عَقْدَ، مَن هو رسولُ الله هذا؟! فغضب سيِّدُ الخزرج، وأخذ يُشاتِمُ اليهودَ، فشاتموه، وأغضبوه كثيرًا.
غيرَ أن سَيِّدَ الأوسِ سعدَ بن معاذ -وهو حليفُ هؤلاء اليهود- قد دخل في الأمر، وقال لسعدِ بن عبادة: دعْ عنك مُشاتَمَتَهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، وأقبل عليهم ناصحًا ومحذِّرًا: إنكم قد عَلِمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا أخافُ عليكم مِثلَ يوم بني النضير أو أَمَرَّ منه، فقالوا لسعدٍ: أكلتَ أَيْرَ أبيك، فقال لهم سعدُ -وكان حليمًا-: غيرَ هذا من القول كان أجملَ بكم وأحسنَ يا بني قريظة .. فتمادى بنو قريظة في غَيِّهم، وصاروا ينالون من النبيّ - ﷺ - ويَقَعون فيه، وهنا يئس سعد بنُ معاذ من عَودةِ حلفائه إلى جادَّةِ الصواب، فعاد الوفدُ يحمِلُ إلى النبي - ﷺ - بواسطةِ كلمةِ سرٍّ: "عَضَل والقارَة"، أن القوم قد غدروا، دون أن يعلمَ أحد مِن المعسكر هذا الخبرَ المزعجَ.
[ ١ / ٣٢١ ]
وحين أخزى اللهُ الأحزابَ، أتى وقتُ حساب بني قريظة:
عن عائشة - ﵂ - قالت: "لَمَّا رَجع النبيُّ - ﷺ - من الخندق ووَضَع السلاحَ واغتَسَل، أتاه جبريلُ ﵇، فقال: قد وضعتَ السلاح! واللهِ ما وضعناه، فاخرجْ إليهم. قال: "فإلى أين"؟ قال: ها هنا -وأشار إلى قريظة-، فخرج النبي - ﷺ - إليهم" (^١).
وكان توجُّهُ النبي - ﷺ - إليهم لسبع بَقِينَ من ذي القَعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثةِ آلاف (^٢).
وعن أنسٍ - ﵁ - قال: "كأني انظر إلى الغُبار ساطعًا (^٣) في زُقاقِ بني غَنْم، مَوْكب جبريل حين سار رسولُ الله - ﷺ - إلى بني قرِيظة" (^٤).
وعن عُبيدِ الله بنِ كعب: "أن رسول الله - ﷺ - لَمَّا رجع من طَلَبِ الأحزاب وجَمَع عليه اللأْمَةَ واغتسل واستجمر، تَبدَّى له جبريلُ، فقال: عذيرك من مُحارب، فوثب فَزِعًا، فعَزَم على الناس ألاَّ يُصلُّوا العصرَ حتى يأتوا بني قريظة، فلَبسَ الناسُ السلاحَ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربتِ الشمسُ، قال: فاختصموا عند غروب الشمس، فصلَّتْ طائفةٌ العصرَ، وتركتها طائفةٌ، وقالت: إنا في عَزْمة رسول الله - ﷺ -، فليس علينا إثمٌ، فلم يُعنِّف واحدًا من الفريقين" (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" -كتاب المغازي- بادٍ مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة حديث (٤١١٧).
(٢) "فتح الباري" (٧/ ٤٧١).
(٣) ساطعًا: مرتفعًا.
(٤) رواه البخاري (٧/ ٤٧٠) "فتح" حديث رقم (٤١١٨).
(٥) أخرجه الطبراني والبيهقي بإسناد صحيح عن عبيد الله بن كعب، وأخرجه الطبراني =
[ ١ / ٣٢٢ ]
• وعن ابن عمر -﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - يوم الأحزاب: "لا يُصَلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلاَّ في بني قريظة"، فأدرك بعضُهم العصرَ في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلِّي حتى نأتيَهم، وقال بعضُهم: بل نُصلِّي، لم يُرِدْ مِنَا ذلك، فذُكر ذلك للنبي - ﷺ -، فلم يُعَنَف واحدًا منهم" (^١).
• وفي حديث عائشة - ﵂ -: " .. فلما رَجَع رسول الله - ﷺ - من الخندق وَضع السلاحَ واغتسل، فأتاه جبريل - ﵇ - وهو يَنفُضُ رأسَه من الغُبار، فقال: وقد وضعتَ السلاح! واللهِ ما وَضَعتُه، اخرجْ إليهم. قال النبي - ﷺ -: "فأين؟ "، فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله - ﷺ - فنزلوا على حُكمِه، فرَدَّ الحُكمَ إلى سعدٍ. قال: فإني أحكمُ فيهم أن تُقتَلَ المقاتِلةُ، وأن تُسبَى النساء والذُّرِّيةُ، وأن تُقَسَّم أموالُهم " (^٢).
° وعن أبي سعيد الخُدْري - ﵁ - قال: نزل أهلُ قريظةَ على حُكمِ سعدِ ابنِ معاذ، فأرسل النبيُّ - ﷺ - إلى سعد، فأتى على حمارٍ، فلما دَنا من المسجد قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم -أو خَيركم-"، فقال: "هؤلاء نَزَلوا على حُكمك"، فقال: تُقتَل مُقاتِلُتهم، وتُسبَى ذَراريُّهم. قال: "قَضَيتَ بحُكمِ الله" .. وربما قال: "بحُكم المَلِك" (^٣).
ولقد نَصَح عمرُو بنُ سُعدى -وهو من كبارِ زعماء بني قريظة-
_________________
(١) = موصولًا بذكر كعب بن مالك، قاله الحافظ في "فتح الباري" (٧/ ٤٧٢).
(٢) رواه البخاري بلفظ "العصر" (٤١١٩)، ومسلم، وأبو يعلى، وابن سعد، وابن حبان. بلفظ "الظهر"، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" بلفظ "العصر"، اتفق أصحاب المغازي على أنها العصر.
(٣) رواه البخاري (٤١٢٢).
(٤) رواه البخاري (٤١٢١).
[ ١ / ٣٢٣ ]
قومَه، وأَنَّبهم ووبَّخهم على نقضِهم العهدَ الذي بينهم وبين المسلمين، ونَصَحهم: "يا بني قريظة، لقد رأيتُ عِبَرًا، رأيتُ دارَ إخوانِنا خاليةً بعد العزِّ والشرفِ والرأسِ الفاضل، تركوا أموالَهم قد تَمَلَكها غيرُهم، وخَرجوا خُروج ذُلٍّ".
ثم أكَّد لهم -كعالم من علماء التوراة- أنه لا يُعادِي أحدٌ محمدًا - ﷺ - إلاَّ كان مصيرُه الخُسران، فقال: "لا والتوراة، ما سُلِّط هذا (^١) على قومٍ قطُّ ولله بهم حاجةٌ، وقد أوقع ببني قينقاع، وكانوا أهلَ عُدَّةٍ وسلاح ونخوة، فلم يُخرجْ أحدٌ منهم رأسَه حتى سباهم، فكُلِّم فيهم فتركهم على إجلائِهم من يثرب".
ثم دعا عمرو بن سُعْدى قومَه إلى الدخول في الإسلام، ليحقِنوا دماءَهم، ويتَّبعوا الحق، قائلًا: "يا قوم، قد رأيتُم ما رأيتم، فأطيعوني، وتعالَوا نتَّبعْ محمدًا، فواللهِ إنكم لَتعلمون أنه نبي، وقد بَشَّرَنا به علماؤنا".
° ثم لا زال ابنُ سُعدى يخوِّفهم بالحربِ والسَّبي، وأقبل على سيدهم كعبِ بنِ أسد، وقال له: "والتوراةِ التي أُنزلت على موسى - ﵇ - يومَ طورِ سيناء، إنه العزُّ والشرف في الدنيا".
° وبينما عمرُو بن سعْدَى يتحدَّثُ إلى قومه في ذلك الاجتماع، إذا بطلائع الجيش النبويِّ تظهرُ عليهم زَاحفةً نحو حُصونهم، وهنا قَطَع الزعيمُ اليهوديُّ ابنُ سعدى حديثه قائلًا: "هذا الذي قلتُ لكم".
° ومع هذا فقد رفض بنو قريظة نصيحةَ عمرِو بنِ سُعدى -الذي دعاهم إلى الدخول في الإِسلام-، فتقدَّم إليهم بمحاولةٍ أخيرة، باقتراح
_________________
(١) يعني: النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٣٢٤ ]
آخر، فقال لهم: "لقد خالفتم محمدًا، ولم أُشرِككم في غَدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه في دينه، فاثْبُتوا على اليهودية، وأعطُوا الجزيةَ، فواللهِ، ما أدري أيقبلُها منكم أم لا؟ "، ولكنهم رفضوا أيضًا هذا الاقتراح؛ حيث كان جوابُهم -والغرور لَمَّا يزل يشحن رؤوسهم-: "نحن لا نُقِرُّ للعرب بخَراج في رقابنا يأخذونه، القتلُ خير من ذلك".
وهنا أعلن عمرو بن سعدى مفارقتَه لقومه، وخرج من حصون قومه بني قريظة، بعد أن طوَّقها الجيشُ الإسلاميُّ من كلِّ مكان، وكان خروجُه ليلًا.
وعندما خرج هذا الزعيمُ اليهودي من حصون قومه، مفارقًا لهم -وكان خروجه ليلًا - التقى به رجالُ الحَرَس النبوي، الذين كانوا يقومون بأعمال الدورية: فأتَوا به إلى قائِدِهم محمدِ بنِ مَسْلَمةَ الأنصاري. قال ابن إسحاق: "خرج عمرُو بنُ سُعدى القُرظيُّ، فمر بحَرَسِ رسول الله - ﷺ - وعليه محمدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ تلك الليلة، فلما رآه ابنُ مسلمة استوقفه قائلًا: مَن هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى -وكان عمرو قد أبى أن يدخلَ مع بني قريظة في غَدْرهم برسول الله - ﷺ - وقال: لا أغدِرُ بمحمدٍ أبدًا-. فقال ابنُ مسلمة -حين عرف أنه ابن سعدى-: اللهم لا تَحرِمْني إقالةَ عثراتِ الكرام، ثم خَلَّى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات- مستأمَنًا - في مسجد رسول الله - ﷺ - تلك الليلةَ بالمدينة، ثم خرج فلم يُدْرَ أين توجَّه من الأرض".
• ولقد وصف النبي - ﷺ - عمرو بن سعدى بالوفاءِ، وذلك أنه لَمَّا ذُكرت له قِصةُ إلقاءِ الحرس القبضَ عليه، ثم إخلاءِ محمدِ بنِ مسلمةَ
[ ١ / ٣٢٥ ]
سبيله، قال: "ذلك رجلٌ نجاه الله بوفائه" (^١).
° أما يهودُ بني قريظة، فإنهم لَمَّا نظروا إلى طلائع الجيش النبويِّ تتقدم -بقيادةِ عليِّ بن أبي طالب- فاضت نفوسُهم الشريرةُ ببعض ما تختزِنُه من خُبثٍ ودناءةٍ ووَضاعة، وأَسْمَعوا ابنَ عمِّ رسولِ الله - ﷺ - في نبيِّ الله - ﷺ - ونسائه الطاهراتِ الطيباتِ من السبّ والشتم والقذف، ما لم يَسْمَحْ أحدٌ من المؤرِّخين لنفسه أن يُورِدَ نصَّه؛ لفظاعته وبشاعته، وكلُّ الجواب الذي سَمِعوه من عليٍّ: "السيفُ بيننا وبينكم"، وأشفق عليٌّ -وهو أولُ مَن سَبَق باللواء إلى بني قريظة- مِن أن يَسمعَ الرسولُ - ﷺ - في نفسه وفي نسائه ذلك السبَّ القبيح.
وأناب عليٌّ في حَمل اللواء أبا قتادةَ الأنصاري، وانطلق مسرِعًا نحو رسول الله - ﷺ -، واستوقفه عَلَى بُعدٍ من حصون اليهود، وطلب منه أن يقفَ بعيدًا عن هذه الحصون؛ لئلاَّ يتأذَّى بسماع ما فاه به اليهودُ من سبٍّ وقذف، فقال عليٌّ: لا عليك يا رسول الله أن تدنوَ من هؤلاء الأخابث، فقال النبي - ﷺ -: "لعلَّك سمعتَ منهم فيَّ أذًى؟ " قال: نعم يا رسول الله، فقال - ﷺ -: "لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا".
ثم واصل الرسولُ القائدُ - ﷺ - تقدُّمَه نحوَ حصونِ اليهود، حتى إذا دنا من حصونِ قريظةَ الغادرة، نادى نَفَرًا من قادتهم، فلمَّا ظَهروا في أبراج حصونهم قال لهم: "يا إخوانَ القردة وعَبَدَةَ الطاغوت، هل أخزاكم الله، لأُنزل بكم نِقمتَه؟! "، وهنا أُسقط في أيدي اليهود، فأنكروا أن يكونوا
_________________
(١) "سلسلة معارك الإسلام الفاصلة" لبشاميل، و"البداية والنهاية".
[ ١ / ٣٢٦ ]
شَتموه ونساءَه، وانطلقوا يَحلِفون كذبًا، أنهم ما فاهوا بشيءٍ مما بَلَغه بهذا الشأن، ثم اندفعوا في لُيونةِ الأفاعي يُسمِعون رسولَ الله - ﷺ - من ليِّن القول، وطيبِ الكلام، وجميل الإطراء، ما ظنوا أنه سيُساهم في تخفيفِ عقوبةِ خيانتهم العظمى، فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ جهولًا.
واشتدَّ حصارُ المسلمين لليهود، وطلبوا المفاوضةَ والسماحَ لهم بالخروج من يثربَ مع نسائهم وذراريِّهم، وما تَقْدرُ الإبل على حَمْله من متاع -سوى السلاح- على أن يتركوا بقيةَ كلَّ ما يملكون في يثربَ للمسلمين .. ورُفض طلبهم.
وحاصَرَهم المسلمون خمْسَ عشْرةَ ليلةً -كما يقول ابن سعد- أو خمسًا وعشرين ليلةً -كما يقول ابن إسحاق-: حاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً حتى أجهَدَهم الحصارُ، وقُذف في قلوبهم الرعب، فعَرض عليهم رئيسُهم كعبُ ابنُ أسد أن يؤمِنوا، أو يَقتلوا نساءَهم وأبناءَهم ويخرجوا مستقتلين، أو يُبيِّتوا المسلمين ليلة السبت. فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلةَ السبت، وأيُّ عيشٍ لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟!.
وقَرر الصحابةُ اقتحامَ حصونِ اليهود، مهما كان الثمن، وصاح عليُّ اَبن أبي طالب حاملُ لواء الجيش، وابنُ عمِّه الزبير بنُ العوام، صاح: واللهِ "لأذوقَنَّ ما ذاقَ حمزةُ، ولأفتَحَن حِصنَهم".
ولما سمع اليهود هذا الإنذارَ من حامل لواءِ الجيش علي بن أبي طالب - ﵁ -، وأيقنوا أن الهجومَ على حصونهم أمرٌ لا مفرَّ منه، طلبوا إيقافَ الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزولَ على حكم الرسول - ﷺ - دونما قَيدٍ أو شرط.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وسارع اليهود إلى فتح أبواب معاقِلهم وحُصونهم فورًا، بعد أن ألقَوا سلاحَهم، وأخذوا في مغادرة الحصنِ مستسلمين، وأمر النبيّ - ﷺ - باعتقالِ الرجال ووَضْع القيود في أيديهم، وقد تم ذلك تحتَ إشرافِ محمدِ بنِ مَسْلمة -قائدِ الحرسِ النبوي-، وقد حَبس الرجال من بني قريظة، وعددهم حوالَي ثمانمِئةِ مُقاتِل في دارِ أسامةَ بنِ زيد (^١)، وذكر ابن إسحاقَ أنهم حُبسوا في دار بنتِ الحارث، وفي رواية عُروة: في دارِ أسامة بن زيد، ويجَمَع بينهما بأنهم جُعِلوا في بيتيْن (^٢). وعند ابن إسحاق أنهم كانوا سِتَّمئة، وبه جَزَم أبو عمر في ترجمة "سعد بن معاذ"، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حِبَّانَ بإسنادٍ صحيحَ أنهم كانوا أرْبَعَمئةِ مُقاتِل، فيَحتمل في طريق الجمع أن يقال: إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابنُ إسحاقَ أنه قيل: إنهم كانوا تِسْعَمئة (^٣) أمَّا النساء والأطفال؛ فقد رأى النبيُّ - ﷺ - بعد أن أَوْكَلَ أمرَهم إلى عبد الله بن سَلَام، أن يحفظوا في مكانٍ ليس فيه صِفةُ الحبس والتضييق، وأُنزلوا دارَ الضيافة؛ وهي دارُ ابنةٍ الحارث النجَّارية المُعدًّةُ لنزول الوفود التي تقصِدُ المدينة، وكان عددُ هؤلاء النساء والذراريِّ يناهزُ الألف.
وشَفَع الأوسُ لحلفائهم يهودِ بني قريظة عند رسول الله - ﷺ -، ففوَّض أمرَ هؤلاء اليهود إلى سيِّد الأوس سعد بن معاذ، قال رسول - ﷺ -: "ألا
_________________
(١) "الكامل" لابن الأثير (٢/ ١٢٧).
(٢) "فتح الباري" (٧/ ٤٧٨).
(٣) "فتح الباري" (٧/ ٤٧٨).
[ ١ / ٣٢٨ ]
تَرضَون -يا معشرَ الأوس- أن يحكمَ فيهم رجلٌ منكم؟ ". قالوا: بلى، قال: "فذاك سعدُ بن معاذ".
وروى الإِمام أحمد في "مسنده" عن جابر بن عبد الله - ﷺ - أنه قال: "رُمي سعدُ بن معاذ، فقطعوا أكْحَلَه، فحَسَمه رسولُ الله - ﷺ - بالنار، فانتفخت يدُه، فحَسَمه أخرى فانتفخت يدُه فنزف، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تُخرجْ نَفْسي حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظة .. فاستَمسَك عِرقُه فما قَطَر، حتى نزلوا على حُكم سعد، فحَكَم أن تُقتلَ رجالُهم، وتُسَبى نساؤهم وذراريُّهم، فلما فَرغ منهم انفتق عِرقُه فمات.
رضي اليهود، ونزلوا على حكم اللهِ أولًا، ثم على حكم سعدِ بنِ معاذٍ ثانيًا، لَمَّا قال لهم: أترضون بحُكمي، قالوا: نعم، قال سعد: فإني أحكمُ فيهم أن تُقتَلَ المقاتلة، وتُسبَى النساءُ والذرية، وأن تُقسَمَ أموالُهم.
فأخذهم من الغمِّ ما أخَذَهم، وصُعق اليهودُ لهذا الحُكم الصارم، وعلاهم الذهول، وخَيَّم عليهمُ الوجوم.
وأُمر بحَفرِ خنادقَ عميقةٍ في سوق المدينة، وأَمر رسول الله - ﷺ - بإحضارِ الرجال المحكوم عليهم، وأمَرَ بإعدامهم، فأُعدموا دَفْعةً بعد دفعة، حتى لم يَبْقَ منهم أحدٌ، وكان الصحابةُ كلَّما تَمَّ إعدامُ دفعةٍ من هؤلاء اليهود قُذفوا في الخنادق، ووارَوهم بالتراب.
واختلف المؤرِّخون في عدد اليهود الذين تَمَّ إعدامُهم، فالبعض يقول: إنهم ما بين سِتِّمئة إلى سَبْعِمئة، والبعض الآخر يقول: إنهم ما بين الثمانمئة إلى التِّسعمئة.
ولقد أُعدم هؤلاء اليهودُ في ليلةٍ واحدة، وجَرَت عمليةُ الإعدام على
[ ١ / ٣٢٩ ]
ضَوءِ مشاعل سَعَفِ النخيل (^١)، وتولى عمليةَ قتل اليهود الْخَوَنَةِ عليُّ بنُ أبي طالب، والزبيرُ بنُ العوام، وكان بنو قريظةَ المحتَجَزون في السِّجن مع سيِّدهم كعبِ بنِ أسد، كلما استدعى الحرسُ جماعةً منهم لإعدامهم، لاذُوا بسيِّدهم كعبٍ يسألونه في جزع وارتباك: "ما تراه يُصنع بنا؟ فيجيبهم: أفي كلِّ موطنٍ لا تعقِلون؟! هو اللهِ القتلُ".
فكان جزاؤهم من جنسِ ما أرادوا للمسلمين.
وأبى اللهُ إلاَّ أن يَصِلوا هم إلى النهاية المريبة، التي أرادوا للمسلمين الوصولَ إليها، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
وهنا أمر آخر: أن الحكم الذي أصدره سعدُ بنُ معاذ على يهودٍ بني قريظة، وأقرَّه النبيُّ - ﷺ - وقام بتنفيذه، قد جاء تمامًا وِفق الشريعةِ المُوسَوِية عند اليهود أنفسِهم، كما في التوراة عندهم، فقد نصَّ "الإِصحاح العشرون" من "سِفْر التثنية": "وإن تُسالمِك أيُّ قرية، بل حاربتك فحاصِرْها، وإذا دَفَعَها الربُّ إلهُك إلى يَدِك، فاضربْ جميعَ ذكورِهم بحدِّ السيف، وأما النساءُ والأطفالُ والبهائمُ وكل ما في المدينة كلّ غنيمتها، فتَغتنِمُها لنفسك، وتأكلُ غنيمةَ أعدائك التي أعطاك الربُّ إلهك" (^٢).
وهذا النصُّ الصريحُ في كتابِ اليهود المقدَّس، يجعل هؤلاء يَرَون أن مِن حقهم تنفيذَ حُكمِ الإعدام فيمَن وَقع في أيديهم من أعدائهم الرجال،
_________________
(١) "السيرة الحلبية" (٢/ ١٢٠).
(٢) "سفر التثنية" (٢٠/ ١٣ - ١٤).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وسَبْيَ نسائهم وذراريِّهم، ومصادرةَ كل ممتلكاتهم، وهذا يعني أن اليهودَ لو نَجحوا في مؤامرتهم، وتم لهم ولأحلافِهم التغلُّبُ على المسلمين، لَمَا تردَّدوا لحظةً في إبادةِ المُحارِبين منهم، وسَبْي نسائهم وذراريهم، ومصادرةِ أموالِهم تمشيًا مع حُكم كتابهم المقدس، الذي جاء صريحًا في "سِفْر التثنية".
وهكذا جاءت العقوبةُ التي أنزلها المسلمون باليهود، هي نَفسُ العقوبةِ التي كان هؤلاء اليهودُ يَنوُون إنزالَها بالمسلمين، لو وَقعوا في أيديهم.
فالحكمُ النازل باليهود إنما جاء وِفقًا لشريعتهم، فهو إذًا جزاءٌ وفاقٌ (^١).
* وصَدَق اللهُ إذ يقول: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب ٢٦ - ٢٧].