حالَفَهم رسولُ الله - ﷺ - عند قدومه المدينة فيمن حالَفَ من اليهود، وكانوا أشجعَ يهود، وقد حَقَدوا على المسلمين انتصارَهم ببدر، وأخذوا يتحرَّشون ويتنكَرون للعهدِ الذي بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، خِيفةً أن يَستفحِلَ أمرة فلا يَعودون يملِكون مقاومتَه، بعدما انتصر على قريشٍ في أولِ اشتباكٍ بينه وبينهم.
° وذكر الواقديُّ أن إجلاءَهم كان في شوالٍ سنهَ اثنتيْن، يعني بعد بدر بشهر .. ويؤيِّدُه ما رواه أبنُ إسحاق -بإسنادٍ حسن- عن ابن عباسٍ قال: "لمَاَّ أصاب رسولُ اللَّه - ﷺ - قريشًا يومَ بدر جَمع يهودَ في سوقِ بني قينُقاع،
_________________
(١) = يُمني: مضارع هذا الفعل.
(٢) "مغازي الواقدي" (١/ ١٧٤، ١٧٥)، و"سيرة ابن هشام" (٤/ ٣١٢، ٣١٣)، و"طبقات ابن سعد" (٢/ ٢٨).
[ ١ / ٣١٣ ]
فقال: "يا يهودُ، أسلِموا قبل أن يُصيبَكم ما أصاب قريشًا يوم بدر"، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتَلْتَنا لعرفت أَنَّا الرجالُ .. فأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِّلَذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَالله يؤَيِّد بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣] " (^١).
° وذكر ابنُ هشام من طريقِ عبدِ الله بن جعفر قال: "كان من أمرِ بني قينقاع أن امرأةً من العرب قَدِمت بجَلَبٍ لها، فباعَتُه بسُوقِ بني قينقاع، وجَلَست إلى صائغٍ بها، فجعلوا يريدونها على كشفِ وجهها فأبت، فعَمَد الصائغُ إلى طَرَفِ ثوبها، فعَقَده إلى ظَهرها، فلما قامت انكشفت سوءتُها، فضحِكوا بها، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله -وكان يهوديًّا-، وشَدَّت يهودُ على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشرُّ بينهم وبين بني قينقاع".
° وأكمل ابنُ إسحاق سياقَ الحادث قال: "فحاصَرَهم رسولُ الله - ﷺ - حتى نَزَلوا على حُكمه، فقام عبدُ الله بن أبيِّ بنِ سَلول -حين أمكنه اللهُ منهم-، فقال: يا محمدُ، أحسِنْ إليَّ في مَوَالىَّ -وكانوا حلفاءَ الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسولُ الله - ﷺ -، فقال: يا محمدُ، أحسِنْ إليَّ في مَواليَّ قال: فأعرَضَ عنه، فأدخل يَدَه في جَيبِ درع رسول الله - ﷺ -، فقال له
_________________
(١) "فتح الباري" (٧/ ٣٨٦) - كتاب المغازي- باب حديث بني النضير.
[ ١ / ٣١٤ ]
رسولُ الله - ﷺ -: "أرسلني" -وغضب رسول الله - ﷺ - حتى رأوا لوجهه ظللًا-.
ثم قال: "ويحك! أَرسِلني". قال: لا واللهِ لا أُرسِلُك حتى تحسِنَ في مَواليَّ: أربَعُمئةِ حاسِر، وثلاثُمئة دارع، قد مَنَعوني من الأحمر والأسود، تحصُدُهم في غداةٍ واحدة!!، إني واللهِ امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسولُ الله - ﷺ -:"هُم لك". وكان عبدُ الله بن أُبيٍّ لا يزالُ صاحبَ شأنٍ في قومه، فقَبِل رسولُ الله - ﷺ - شفاعتَه في يهودِ بني قينقاع على أن يَجلُوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالَهم عدا السلاح".
وبذلك تَخلَّصت المدينةُ من قِطاع يهوديٍّ خبيثٍ ذي قوةٍ عظيمةٍ أساؤوا الأدب مع رسول الله - ﷺ -، فأدَّبهم اللهُ أدبًا يَليقُ بهم في الدنيا وبأمثالهم، ومآلهم في النهاية إلى أمِّهم الهاوية.
° قال ابن حجر: "أولُ مَن نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوالٍ بعد وقعة بدر، فنزلوا على حُكمه، وأراد قتلهم، فاستوهبهم منه عبدُ اللهِ بن أُبيٍّ وكانوا حلفاءَه، فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرِعات" (^١).