هو مُمَخرِقٌ، ظَهر بالعراق بعد المائة في أوائل القرن الثاني من الهجرة، يُسمَّى بيان بن سمعان النَّهْديُّ التميميَّ اليمنيَّ.
ادَّعى أصحابهُ انتقالَ الإمامةِ من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إليه،
_________________
(١) "تلبيس إبليس" (ص ٤٢٩)، و"البداية والنهاية" (٩/ ٢٨).
(٢) "البداية والنهاية" (٩/ ٢٨ - ٢٩)، و"تلبيس إبليس" (ص ٤٣٠).
(٣) "البداية والنهاية" (٩/ ٢٧ - ٢٨)، و"تلبيس إبليس" (ص ٤٥٧)، و"معجم البلدان" (٣٢٣/ ٢ - ٣٢٤).
[ ١ / ٣٩٧ ]
وكان يزعمُ أن جُزءً إِلهيًّا حَلَّ في عليِّ بن أبي طالب - ﵁ -، ثم انتقل إليه الجزءُ الإِلهيُّ بنوع من التناسخٌ (^١)، وكان يزعم أنه يعرفُ الاسم الأعظم، وأنه يَهزمُ به العسكرَ، وأنه يدعو به الزُّهرة فتجيبه (^٢)، ثم زعم أنه هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال: "أنا البيان، وأنا الهدى، والموعظة".
زعم بعض أتباعه أنه كان نبيًّا، وأنه نَسَخ بعضَ شريعةِ محمد - ﷺ - (^٣)، بل هو كان يزعم أنه نبيٌّ، ولهذا فقد كَتب كتابًا إلى محمد بن علي بن الحسين الباقر - ﵁ - ودعاه إلى نفسه، وفي كتابه: "أسلم تَسْلَمْ وتَرْتَقِ في سُلَّم، فإنك لا تدري حيث يجعل الله النبوة" .. فأمر الباقر أن يأكلَ الرسولُ قِرطاسَه الذي جاء به، فأكله فمات في الحال، وقد اجتمعت طائفةٌ على بيان ابن سَمعان، ودانوا به وبمذهبه (^٤) .. وطائفتُه الخارجة عن الإسلام تُسمَّى "البَيَانية"، واختلف هؤلاء في "بَيَانٍ" زعيمِهم، فمنهم: مَن زعم أنه كان نَبِيًّا، وأنه نَسَخ بعضَ شريعةِ محمد. ومنهم: مَن زعم أنه كان إلهًا، وذَكر هؤلاء أن بيانًا قال لهم: "إن رُوحَ الإلهِ تناسخت في الأنبياء والأئمةِ حتى صارت إلى أبي هاشم عبدِ الله بن محمد بن الحنفية، ثم انتقلت منه إليه -يعني نفسه-"، فادَّعى لنفسه الربوبيةَ على مذاهِب الحلولية.
_________________
(١) "الملل والنحل" (١/ ١٥٢).
(٢) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٢٨)، و"مقالات الإسلاميين" للأشعري (١/ ٦٧).
(٣) "الفرق بين الفِرَق" (ص ٢٣٧).
(٤) "الملل والنِّحل (١/ ١٥٣)، و"ميزان الاعتدال" (١/ ٣٥٧)، و"فِرَق الشيعة" للنُّوبختي (ص ٥٠ - ٥١).
[ ١ / ٣٩٨ ]
ومِن عقائد هذا الزِّنديق زَعْمُه أنَّ الإلهَ الأزليَّ رَجُلٌ من نور، وأنه يَفنَى كلُّه غيرُ وجهه، وتأوَّل على زعمه قولَه تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] (^١).
ولو كان له أدنى عقلٍ أو فَهمٍ لَعَلِم أنَّ الله تعالى إنما أخبر بالفَناء عمَّا في الأرض فقط بنصِّ قوله الصادق ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (^٢).
ورفع خبرُ بيانٍ هذا إلى خالد بن عبد الله القَسْريِّ في زمانِ ولايته في العراق، فاحتال على بيان حتى ظَفِر به وصَلَبه، وقَال له: "إنْ كنتَ تَهزمُ الجيوش بالاسم الذي تعرفُه، فاهزمْ به أعواني عنك" (^٣).
° وقال الشَّهرستاني: "صَلَبه وأحرَقه خالدُ بن عبد الله القَسْريّ مع المغيرة بن سعيد في يوم واحد، وجَبُنَ المغيرةُ بن سعيد عن اعتناق حِزمةِ الحطب جبنًا شديدًا حتى ضُمَّ إليها قَهرًا، وبادر بيانُ بنُ سمعان إلى الحِزمة فاحتضنها من غير إكراه، ولم يظهر منه جَزعَ، فقال خالد لأصحابهما: في كلِّ شيءٍ أنتم مجانين، هذا كان ينبغي أن يكون رئيسُكم لا هذا الفَسْل" (^٤).
وذهب بيان إلى ذاتِ السلاسل والنَّكال، تُشيِّعُه لعناتُ الصادقين إلى يوم الدين.
_________________
(١) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٧).
(٢) "الفصل في الملل والنحل" (٥/ ٤٤).
(٣) "الفرق بين الفرق" (ص ٢٣٧).
(٤) "الفصل في الملل والنحل" لابن حزم (٥/ ٤٤).
[ ١ / ٣٩٩ ]