العيشُ مع محمد - ﷺ - يَسكُبُ في القلوب الطاهرةِ أجملَ ما يُسكَب ..
فأيُّ طمأنينةٍ وأيُّ سكينةٍ يُفيضُها على القلب؟! وأيُّ ثقةٍ في الحق والخيرِ والصلاح؟! وأيُّ قوةٍ واستعلاءٍ على الواقع الصغير يسكبُها في الضمير؟!.
العيشُ مع محمدٍ رسول الله - ﷺ - وسُنَّتِه نعمة ترفع العمرَ وتُباركه وتُزكِّيه، يَعيشُ المسلمُ هادئَ النفس .. مطمئنَّ السريرة، قريرَ الضمير، في ملاذٍ أمين، ونجوةٍ من الهواجس والوساوسِ والشياطين .. فعِشْ معه - ﷺ -، وفيه، ولا تَغِبْ عنه طرفةَ عين ..
تَضيقُ بنا الدُّنْيَا إذا غِبْتُمُو عَنَّا … وَتْزهَقُ بالأشواقِ أرواحُنا مِنَّا
بعادكمُ مَوْتٌ وقُرْبُكُمو حَيَا … وإِنْ غبْتُمو عَنَّا ولوْ نَفَسًا متْنَا
نعيشُ بذكْراكمْ إِذا لَمْ نَرَاكُمُو … أَلَا إِنَّ تِذْكارَ الأحِبَّةِ يُنْعشنَا
يُحَرِّكُنَا ذَكرُ الأحاديثِ عَنْكُمُو … ولولا هَواكُم في الحَشَا ما تَحَرَّكنَا
ولولا مَعَانِيكم تَرَاها قلوبُنا … إذا نحنُ أيقَاظٌ وفِي الليل إِنْ نِمْنَا
نموتُ أسًى من بُعْدِكُم وصَبابَةً … ولكنَّ في المعنى مَعَانِيكمُو مَعْنَا
إِذَا لم تَذُقْ ما ذاقتِ النَّاسُ فِي الهَوَى … فَبِاللَّهِ يا خاليَ الحَشَا لا تُعنِّفْنَا
أما تَنْظُرُ الطَّيْرَ المُقَفَّصَ يا فَتَى … إِذَا ذكَر الأوطانَ حَنَّ إلى المَغْنَى؟!
وَفَرَّجَ بالتَّغْرِيدِ مَا في فُؤادِهِ … فيُفْلِقُ أربابَ القُلوب إذا غَنَّى
كذلكَ أرواحُ المُحِبِّين يا فَتَى … تُهزْهزُها الأشواقُ لنبيِّنا الأسْنَى
° "فسبحان مَن جَعَل الرسولَ - ﷺ - لأدواءِ القلوب شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبديَّةِ والنعيمِ المقيمِ داعيًا، وإلى طريق الرشاد
[ ١ / ١٢٦ ]
هاديًا .. لقد أسمع منادي الإيمان - ﷺ - لو صادف آذانًا واعية، وشفت مواعظُ القرآن لو وافقت قلوبًا خالية، ولكن عَصَفَتْ على القلوب أَهوِيةُ الشبهاتِ والشهوات، فأطفأت مصابيحَها، وتمكَّنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبوابَ رُشدِها وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبُها فلم ينفعْ فيها الكلام، وسَكِرت بشهوات الغَيِّ وشبهاتِ الباطل، فلم تُصْغِ إلى الملام، ووُعِظت بمواعظَ أنكى فيها من الأسِنَّة والسِّهام، ولكن ماتت في بحرِ الجهل والغفلة، وأَسْرِ الهوى والشهوة، وما لِجُرحٍ بميت إيلام" (^١).
* * *
_________________
(١) "الوابل الصيب" لابن قيم الجوزية (ص ٦٨ - ٧٠).
[ ١ / ١٢٧ ]