° قال البخاري في باب قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
• عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كنَا في غزاة، فكَسَعَ (^١) رجلٌ من المهاجرين: رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المُهاجري: يا لَلمهاجرين. فسَمَّعَها اللهُ رسولَه - ﷺ - قال: "ما هذا؟ "، فقالوا: كَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقالﷺ -: "دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ".
قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قَدِم النبي - ﷺ - أكثرَ، ثم كَثُر المهاجرون بعدُ، فقال عبدُ الله بنُ أُبَي: أوَ قَدْ فعلوا؟! واللهِ لئن رَجَعْنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ" (^٢).
° وفي البخاري من حديث زيدِ بن أرقمَ قال: "كنتُ في غَزاةٍ، فسمعت عبدَ الله بن أُبي يقول: لا تُنفِقوا على من عندَ رسولِ الله حتى ينفضُّوا مِن حوله، ولئن رجعلنا ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ .. " الحديث.
كان ذلك في غزوة "بني المصطلِق" من خزاعة، وهي غزوة "المُريسيع"، وهو ماءٌ من مياهِهِم.
° قال ابنُ إسحاق: "فبينا الناسُ على ذلك الماء، وَرَدَتْ وأردةُ
_________________
(١) المشهور فيه ضرب الدبر باليد، أو بالرَّجل، وذلك عند أهل اليمن شديد.
(٢) رواه البخاري.
[ ١ / ٢٩٢ ]
الناس، ومع عمرَ بنِ الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار، يقال له: "جهجاه بن مسعود" يقودُ فَرَسَه، فازدحَمَ جهجاه وسِنان بن دبر الجهَنيُّ- حليفُ بني عوفٍ من الخزرج- على الماء، فاقتتلا، فَصَرخ الجهني: يا معشرَ الأنصار.
وصرخ جهجاه: يا معشرَ المهاجرين، فغضب عبدُ الله بن أبي بن سلول، وعنده رَهطٌ من قومه، فيهم زيدُ بنُ أرقم، غلامٌ حَدَث، فقال: أوَ قَدْ فعلوها؟! قد نافَرونا وكاثَرونا في بلادنا، واللهِ ما أُعِدُّنا وجلابيبَ قريش (^١) هذه إلا كما قال الأول: "سمِّنْ كَلْبَك يأكلْك"، أَما واللهِ لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ .. ثم أقبل على مَن حَضَره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسَمتموهم أموالكم، أَما واللهِ لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لَتحوَّلوا إلى غيرِ دارِكم، فسمع ذلك زيدُ بنُ أرقم، فمشى به إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبَرَ وعنده عمرُ بن اخطاب، فقال عمرُ: مُر به عبَّادَ بنَ بِشْر فلْيقتله، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "فكيف يا عمر إذا تَحدَّثَ الناسُ أن محمدًا يقتلُ أصحابه؟ لا، ولكن أَذِّنْ بالرحيل"، وذلك في ساعةٍ لم يكن رسولُ الله - ﷺ - يرتحلُ فيها، فارتحل الناسُ، وقد مَشى عبدُ الله بن أبي بن سَلول إلى رسول الله - ﷺ -، حين بلغه أن زيدَ بنَ أرقم بَلَّغه ما سمع منه، فحَلَف بالله: "ما قلتُ ما قال، ولا تكلمتُ به"، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضر رسولَ الله - ﷺ - من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلامُ أَوْهَمَ في حديثه، ولم يَحْفظ ما قال الرجلُ -حَدَبًا على ابنِ أُبيٍّ ودفعًا عنه-، فلما
_________________
(١) اسم كان يُلَقَّب به المنافقون أصحابَ رسول الله - ﷺ - من المهاجرين.
[ ١ / ٢٩٣ ]
استقلَّ رسولُ الله - ﷺ - وسار، لَقِيَه أُسيد بن حُضير، فحيَّاه بتحيةِ النبوة، وسَلَّم عليه، وقال: يا رسول الله، واللهِ لقد رُحتَ في ساعةٍ منكرة، ما كنتَ تروحُ في مِثلها!!.
فقال له رسولُ الله - ﷺ -: " أوَ ما بلغك ما قال صاحبك؟ "، فقال: أيّ صاحب يا رسول الله؟ قال: "عبد الله بن أبي"، قال: وما قال؟، قال: "زعم أنه إنْ رَجَع إلى المدينة أَخْرَجَ الأعزّ منها الأذلَّ"، قال: فأنتَ واللهِ يا رسول الله، تُخرِجُه إن شئتَ، هو واللهِ الذليل، وأنت العزيز، قال: يا رسول الله، ارفُقْ به، فواللهِ لقد جاءنا اللهُ بك، وإنا لَننظِمُ له الخَرْزَ لِنُتَوِّجَه، فإنه يرى أنْ قد سَلَبْتَه مُلكًا.
ثم مشى رسولُ الله - ﷺ - بالناس يومَهم ذلك حتىَ أَمسى، وليلتَهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومِهم ذلك حتى آذَتْهمُ الشمسُ، ثم نزل بالناس، فلمِ يَلبثوا أنْ وجَدوا مسَّ الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك؛ ليُشغِلَ الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي".