رأَوا طُهْرَه وعفَّتَه وأمانتَه واستقامتَه وشجاعته .. رأوا سُموَّه وحَنانه .. رأوا عقلَه وبيانَه .. رأوا الشمسَ تتألَّق تألُّقَ صِدْقِه وعَظَمةِ نفسه .. سمِعوا نمُوَّ الحياة يَسري في أوصال الحياة، عندما بدأ رسولُ الله - ﷺ - يَفيضُ عليها من وحي يومِه وأمسِه .. رأوا الكمالَ البشريَّ وعلوَّ الهمةِ ملْءَ كلِّ عيْنٍ وأُذنٍ وقلب ..
[ ١ / ١٠٩ ]
يروحُ بأرواح المحامِدِ حُسْنُها … فيرقى بها في سامياتِ المفاخرِ
وإن فُضَّ في الأكوانِ مِسْكُ ختامِها … تَعطَّر منها كلُّ نجدٍ وغائرِ
لقد كان رسولُ الله - ﷺ - سيدَ الأوَّابين العابدين المتبتِّلين، لم تتخلَّف نفْسُه عن أغراضِ حياتِه العظمى قِيْدَ شعْرة، ولم يُخْلِفْ موعدَه مع الله في عبادةٍ ولا في جهاد.
لقد كانت السِّنونَ الأُولى لرسالته سنواتٍ قلَّما نجدُ لها في تاريخ الثباتِ والصدقِ والعظمةِ نظيرًا، وتلك سنواتٌ كشفَتْ أكثرَ مِن سواها عن كلِّ مزايا معلِّم البشريةِ وهاديها!! وتلك سنواتٌ كانت فاتحةَ الكتاب الحيِّ؛ كتابِ حياته وبطولاته، بل كانت -قبلَ سواها وأكثرَ من سواها- مَهْدَ معجزاته.
لقد جهَرَ رسول الله - ﷺوهو الوحيد الأعْزَل- بدعوة الحق، وقام بدِينِ الله والدعوةِ إليه ما لم يقُمْ به أحد، وأُوذي في الله ما لم يُؤْذَ أحدٌ قبله، مخلِصًا أمينًا، وهذا لا يَقدِر عليه إلاَّ أولو العزْم من الأبرار والمرسلين.
بلَّغ وبَلَّغ في غيرِ مداراة وفي غير هروب .. واجَهَ الشركَ ورؤوسَه من اللحظةِ الأولى بجوْهر الرسالة ولُباب القضية، من اللحظة الأولى واجههم بكلماتِ التوحيد المُبِينة المُسْفِرة، وواجَهَ قومَه بدعوةٍ تتصدَّع مِن هَولِ وقعِها الجبال .. وتخرجُ الكلمات من فؤاده وفمه صادعةً رائعة، كأنما احتشدتْ فيها كلُّ قوى المستقبل وتصميمه .. كأنها قَدَرٌ يُذيع بيانَه.
ولقَّن رسول الله - ﷺ - قوى الشرك أولَ دروسِه في أستاذيَّةٍ خارقة،
[ ١ / ١١٠ ]
وتفانٍ عجيب، وكانت صورةُ المشهدِ تملأ الزمان والمكان، بل والتاريخ، وذوو الضمائر الحيَّة في مكةَ يَطْرَبون ويَعْجَبون من علوِّ همَّته .. رأوا رجلًا شاهقًا عليًّا .. لا يدرون: هل استطال رأسُه إلى السماءِ فلامَسَها .. أم اقتربت السماءُ من رأسه فتوَّجته؟!.
رأوا تفانيًا وصمودًا وعظمةً، ويقينًا ناهضًا فوق مِنَصَّةِ الأُستاذيَّة، يُلقِي على البشرية كلِّها أبلغَ الدروس، ويُلقِّنها أمضى مبادئها.
سَلُوا رجالَ مكة .. وسَلُوا الطائفَ عن سيِّد الرجال .. لقد كانت كلماتُه رجالًا.
أي ولاءٍ هذا الذي يحملُه الرسولُ - ﷺ - لدعوته!!
فرْدٌ أعزل .. تواجهُه المكائدُ أينما وَلَّى وسار!!
ليسَ هناك من أسبابِ الحياة الدنيا ما يشدُّ أزره، ثم هو يَحمِلُ كلَّ هذا الإصرار، وكلَّ هذا الصمود والولاء!!.
بأبي وأمي رسول الله - ﷺ - .. مَن ينطلقُ مهمومًا من أجل الدعوة بعد عودته من الطائف فلم يَستفقْ إلا وهو بـ "قرْن الثعالب" .. بأبي هو وأمي ..
وكيفَ يُسامَى خيرُ من وطئ الثرى … وفي كلِّ باعٍ عن عُلاهُ قُصورُ!
وكلُّ شريفٍ عندهُ متواضِعٌ … وكلُّ عظيمِ القريتيْنِ حقيرُ!
نعم ..
فلقد سَرَتْ مَسرى النجومِ هُمومُهُ … ومضتْ مُضِيَّ الباتراتِ عزائمُه
نعم ..
فاقَ أهلَ المعالي … وعَلا مَن عَلَاها
[ ١ / ١١١ ]
• قال رسول الله - ﷺ -: "مَثَلي في النبيين كَمثَل رجلٍ بني دارًا، فأحسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلها، وترَك فيها موضع لَبنةٍ لم يَضَعْها، فجعل الناسُ يطوفون بالبنيان ويَعْجَبون منه، ويقولون: لوْ تَمَّ موضعُ هذه اللِبنة!! .. فأنا في النبيين موضعُ تلك اللَّبِنة" (^١).
° "لقد كان ﵊ يعلم علْمَ اليقين أنه جاء الحياةَ الإنسانيةَ ليُغيِّرها، وأنه ليس رسولًا إلى قريشٍ وحدها، ولا إلى العربِ وحدهم .. بل رسولَ الله إلى الناس كافَّة.
وقد فَتح الله -سبحانه- بصيرتَه على المدى البعيد الذي ستَبْلُغُه دعوتُه، وتَخفِقُ عنده رايتُه.
ورأى رأيَ اليقينِ مستقبلَ الدينِ الذي بشَّر به .. ورغم ذلك كلِّه، لم يَر في نفسه، ولا في دينه، ولا في نجاحه -الذي لن تشهدَ الأرض له مثيلًا- أكثر من "لبنةٍ" في البناء .. !!.
كلُّ هذه الحياة التي عاشها .. كلُّ جهادِه وبطولاته .. كلُّ عظمتِه وطُهْره .. كلُّ هذا الفوز الذي حقَّقه دينُه في حياته، الفوزُ الذي كان يعلم أنه سيبلغه بعد مماته .. كلُّ ذلك ليس إلاَّ "لبنة"!! لبنةً واحدةً في بناءٍ شاهِقٍ عريق .. !!.
وهو الذي يُعلن هذا ويقولُه، وُيصِرُّ على توكيده!! ثم هو لا ينتحلُ بهذا القول تواضعًا، يُغذِّي به جُوعًا إلى العظمة في نفسه، بل هو يؤكِّد هذا الموقفَ
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي عن أبيٍّ، وأحمد والبخاري ومسلم عن جابر، وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة، وأحمد ومسلم عن أبي سعيد.
[ ١ / ١١٢ ]
باعتباره حقيقةً تشكِّل مسؤوليةُ تبليغها وإعلانها جُزءً من جوهر رسالته.
ذلك أن التواضعَ -على الرغم من أنه خُلُق من أخلاق الرسولِ - ﷺ - الأصيلة-، لم يكن الدليلَ الذي يدلُّ على عظمتِه وُيشير إليها؛ فإن عظمةَ الرسولِ بَلَغتْ من التفوُّق والأصالة ما جَعَلها آيةَ نفسِها، وبرهانَ ذاتِها .. ".
فرْدُ التواضعِ فرْدُ الجُودِ مكرمةً … فرْدُ الوجودِ عنِ الأشباه والنُّظَرَا
أعلى العلا في العُلا قدْرًا وأمنعُهُمْ … دارًا وجارًا واسمًا في السماءِ ذُرَا
وإذا كان التوحيدُ هو الغايةَ المطلوبة من جميع مقاماتِ الإيمان والأعمالِ والأحوال، وهو أولُ دعوةِ الرسل وآخرُها، وإذا كان أهلُ التوحيد يتفاوتون في توحيدِهم -عِلمًا ومعرفةً وحالًا- تفاوتًا لا يُحصيه إلا الله - فأكملُ الناسِ توحيدًا الأنبياءُ صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسَلون منهم أكملُ في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملُ توحيدًا، وأكملُهم توحيدًا الخليلانِ محمدٌ وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما؛ فإنهما قاما من التوحيد بما لم يَقُمْ به غيرُهما؛ عِلمًا ومعرفةً وحالًا، ودعوةً للخَلق وجهادًا، فلا توحيدَ أكملُ من الذي قامت به الرسلُ، ودعَوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه؛ ولهذا أمَر الله سبحانه نبيَّه - ﷺ - أن يقتديَ بهم فيه.
ولمَّا فاق رسولُ الله - ﷺ - النبيِّين والمرسَلِين، وقام بحقيقةِ التوحيد -عِلْمًا وعملًا ودعوةً وجهادًا-، جَعَله اللهُ إمامًا للخَلْق ورسولًا للناسِ كافَّةً، بل وللثقلَيْن من الجنِّ والإنس.
وتوحيده جُعل أعلى توحيدٍ، وخاصَّةَ الخاصَّةِ، مَن رَغِب عنه فهو من أسفهِ السفهاء.
[ ١ / ١١٣ ]