° يقول العقاد: "إذا كان الرجلُ مُحِبًّا للناس، أهلًا لحبِّهم إياه، فقد تمَّتْ له أداةُ الصداقةِ من طرَفَيْها .. وإنما تتمُ له أداةُ الصداقة بمقدارٍ ما رُزق من سَعَة العاطفة الإِنسانية، ومِن سلامة الذَّوْق، ومتانةِ الخُلُق، وطبيعةِ الوفاء .. وقد كان محمد - ﷺ - في هذه الخصالِ جميعًا مَثَلًا عاليًا بين صفوةِ خَلْق الله.
[ ١ / ١١٤ ]
° كان عطوفًا يرأمُ مَن حوْله ويُوَدُّهم ويدومُ لهم على المودَّة طولَ حياته .. وليس في سجلِّ المودةِ الإِنسانية أجملُ ولا أكرمُ من حنانه على مُرضعته "حليمة"، ومن حفاوته بها وقد جاوز الأربعين؛ فيلقاها هاتفًا بها: "أُمِّي، أُمِّي"، ويَفرشُ لها رِداءَه، ويُعطيها من الإِبل والشاءِ ما يُغنيها في السَّنة الجَدْباء.
° ولقد وفدتْ عليه "هوازنُ" وهي مهزومةٌ في وقعة "حُنين"، وفيها عمٌّ له من الرضاعة؛ لأجل هذا العمِّ من الرضاعة تشفَّع النبيُّ إلى المسلمين أن يردُّوا السَّبْي من نساءٍ وأبناء، واشترى السَّبْي ممن أبَوْا رَدَّه إلا بمال.
وحضنتْه في طفولته جاريةٌ عَجماء، فلم يَنْسَ لها مودَّتها بقيَّة حياته.
• وشَغَله أن يَنْعَمَ بالحياة الزوجية ما يشغلُ الأبَ من أمر بناته ورَحِمِه، فقال لأصحابه: "مَن سرَّه أن يتزوَّج امرأةً من أهل الجنة فليتزوَّجْ أمَّ أيمن" .. وما زال يُناديها: "يا أُمَّهْ، يا أُمَّه"؛ كلما رآها وتحدَّث إليها، وربما رآها في واقعةِ قتالٍ تدعو اللهَ وهي لا تدري كيف تدعو بلكنتها الأعجميَّة، فلا تُنسيه الواقعةُ الحازبةُ أن يُصغيَ إليها ويَعطِفَ عليها.
وقد اتسع عطفُه حتى بَسَطه للأحياء كافَّة، فـ "كان يُصغي للهرَّة الإِناءَ فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها" (^١).
وكان يواسي في موت طائرٍ يلهو به أخو خادمِه (^٢)، ويُوصي المسلمين
_________________
(١) صحيح: رواه الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية" عن عائشة، ورواه أبو داود وابن ماجه والطحاوي، والدارقطني في "الأفراد"، والبيهقي في "السنن"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٤٨٣٤).
(٢) "يا أبا عُمير، ما فعَل النُّغير؟ ".
[ ١ / ١١٥ ]
بالدوابِّ، وكرَّر الوِصايةَ بها.
بل شَمِل عطفُه الأحياءَ والجمادَ كأنَّه من الأحياء؛ فكانت له قَصْعَة يُقال لها "الغرَّاء"، وكان له سَيْفٌ مُحلَّى يسمى "ذا الفقار"، وكانت له دِرْعٌ موشَّحةٌ بنُحاسٍ تُسمَّى "ذات الفضول"، وكان له سَرْجٌ يسمَّى "الداج"، وبِساطٌ يسمَّى "الكز"، ورَكْوة تسمَّى "الصادر"، ومِرآةٌ تسمَّى "المدلة"، ومقراضٌ يسمَّى "الجامع"، وقضيب يسمَّى "الممشوق".
وفي تسميته تلك الأشياءَ بالأسماء معنَى الألفة، التي تجعلُها أشبَهَ بالأحياءِ المعروفين، مِمَّن لهم السِّماتُ والعناوين، كأن لها "شخصيةً" مقرَّبةً تُميِّزُها بين مثيلاتها، كما يتميز الأحبابُ بالوجوه والملامح والكُنَى والألقاب.
° وكان له - ﷺ - مع هذه العاطفة الجيَّاشةِ والرحمةِ الشاملة: ذَوق سليم يُضارعُها رِفعةً ونُبلًا في رعايةِ شعور الناس أتمَّ رعايةٍ وأدلَّها على الكرَمَ والجود؛ "كان إذا لَقِيه أحدٌ من أصحابه فقام معه؛ قام معه، فلم ينصرف حتى يكونَ الرجلُ هو الذي ينصرف عنه، وإذا لَقِيَه أحدٌ من أصحابه فتناول يَدَه، ناوَله إيَّاها، فلم يَنزعْ يَدَه منه حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَنزعُ منه .. وكان إذا وَدَّع رجلًا أخذ بيده، فلا يَدَعُها حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَدَعُ يده".
° "وانظرْ إلى زيد بن حارثة - ﵁ - الذي خُطِف من أهله وهو صغير، ثم اهتدى إليه أبوه واهتدى هو إلى أبيه على لهْفَةِ الشوقِ بعد يأسٍ طويل، فلما وجب أن يختارَ بين الرَّجْعةِ إلى آله وبين البقاءِ مع رسول الله - ﷺ -،
[ ١ / ١١٦ ]
اختار البقاءَ مع السيِّد على الرجْعة مع الوالد" (^١).
° لقد اعتلى رسولُ الله - ﷺ - الذِّروةَ الساميةَ في السماحة، بسماحةِ الكريم، وما أحدٌ أرحمَ ممَّن يرحمُ المفتَرين على سُمْعةِ أهلِه وهناءةِ بيتهِ وأمانِ سِربه.
ولقد كان رسولُ الله - ﷺ - خيرَ الناس لأهله وزوجاتِه أمهاتِ المؤمنين - ﵁ -.
بأبي هو وأمِّي رسول الله - ﷺ - حين تتسعُ نواحي العظمة، وهو الذي يحملُ همَّ دعوةِ الثقلَيْن إلى الله -﷿- .. لا يَشغلُه شأنٌ عن شأنٍ حتى يسابِق زوجاته .. واللهِ، هذه فُتوة الرُّوح قبل فُتوةِ الأوصال.