إن التاريخ كلَّه بعد رسول الله - ﷺ - متصلٌ به مرهونٌ بعمله .. كان التاريخُ شيئًا فأصبح شيئًا آخر .. لقد كان لعلوِّ همَّته أثرٌ في الأحداثِ العِظام في تاريخ بني الإِنسان .. بمِقدارِ ما في هذه الأحداث من فُتوحِ الرُّوح، لا بمِقدارِ ما فيها من فتوح البلدان، لقد تفتَّحت للإِنسان آفاقٌ جديدةٌ في عالَم الضمير، ارتفع بها فوقَ طِباق الحيوانِ السائم، ودنا به مرتبةً إلى الله.
لقد كانت فتوحُ رسول الله - ﷺ - فتوحَ إيمان، وكانت قُوَّته قوةَ إيمان، وما من سِمَةٍ لعمله أوضحُ من هذه السِّمَة.
لقد حَكَم التاريخُ لرسول الله - ﷺ - أنه كان في نفسِه قدوةَ المهذَّبين، وكان في عملِه أعظمَ الرجالِ أثرًا في الدنيا، وكان في عقيدته أفضلَ الناس
[ ١ / ١١٨ ]
إيمانًا، وصاحبَ الدين الحقِّ، الذي يبقى ما بَقِيَ في الأرض دِين. سيطلُع في الأُفقِ هلالٌ ويَغيب هلال، وتُقبِلُ السَّنةُ القمريةُ بعد السَّنةِ القمرية بمَعْلَمٍ من معالم السماء، يُوميء إلى بقعةٍ من الأرض هي غارُ يوم الهجرة، ويومئُ إلى يومٍ لرسول الله - ﷺ - هو أجملُ أيامه؛ لأنه أدلُّ الأيامِ على عُلوِّ همَّته، وأخلصُها لعقيدته ورجاءُ سريرته .. يومَ أن تَرك رسولُ الله وراءَه كلَّ شيء من أجل دينه ودعوته.
إن مِن سَعةِ نفْسه - ﷺ -، وآفاقِ نفْسِه الواسعة: أنها شَملت كلَّ ناحيةٍ من نواحي العاطفةِ الإنسانية، وهي المقياسُ الذي يُبدي من العظمةِ ما يُبديه الجِدُّ في أعظمِ الأعمال .. لقد نَهَض رسولُنا - ﷺ - بأعظم الأمور؛ وهو إقامةُ دينِ اللهِ وإصلاحُ الثقليْن، وتحويلُ مجرى التاريخ، ثم يَطيبُ نَفسًا في مُزاحٍ مع إخوانه أو مع أولاده أو مع عَبيده، فكان المثالَ الفذَّ في كلِّ هذا .. وأريحيَّةً لا تُدانيها أريحية، تدلُّ على منتهى نقاءِ السريرة في بني الإنسان.