كانت هذه السَّريةُ المباركة -كما قال ابن سعد (^٢) - في رمضانَ سنةَ سِتٍّ على الرأي الأرجح، وهي من أبطال الخزرج، وقائدها هو عبد الله بن عَتيك ابنِ قيس الخَزْرجيِّ من بني غَنْم بن سلمة.
وبقيَّةُ أبطالِ السَّرِية هم:
عبد الله بن أُنيس الجُهَني حليفُ بني سلمة من الخزرج، وحليفُ بني سَوَاد بن سلمة على الأخصّ.
وعبدُ الله بن عتبة.
ومَسعود بن سِنَان الأسلمي حليف بني سلمة.
وأبو قتادة الحارث بن رِبعي.
وخُزاعي بن أسود (^٣).
° قال ابنُ حجر "فإنْ كان عبدُ الله بنُ عتبة محفوظًا (^٤) فقد كانوا ستةً.
وأكثر أصحاب المغازي والسِّير -وعلى رأسِهم إمامُهم محمدُ بن
_________________
(١) الذي سماه عبد الله هو عبد الله بن أنيس كما أخرجه الحاكم في "الإكليل" من حديثه مُطَولًا.
(٢) "طبقات ابن سعد" (٢/ ٩١).
(٣) ويُقال أسود بن خزاعي أو أسود بن حرام انظر "فتح الباري" (٧/ ٣٩٨).
(٤) نص عليه البخاري في الحديث رقم (٤٠٤٠)، ولم يُذكر إلا في هذا الطريق، وزعم ابن الأثير في "جامع الأصول" أنه ابن عِنَبة -بكسر العين وفتح النون-، وهو غلط منه فإنه خولاني لا أنصاري، ومتأخِّر الإسلام لا مُتَقدِّمه وهذه القصة مُتَقدمة .. قاله ابن حجر في "الفتح" (٣٩٧/ ٧).
[ ١ / ٣٣٦ ]
إسحاقَ- يَرَون أن الفدائيِّين الخمسة أو السِّتة كلُّهم اشتركوا مع قائدِهم عبدِ الله ابن عَتيك في القضاء على الطاغيةِ اليهودي، وأن الذي أثبَتَ أبا رافع وقَضَى عليه هو "عبدُ الله بن أُنيْس"، وكلُّ أصحابِ الكتب السِّتةِ والسير -ما عدا الأمام البخاري- يتَّفقون مع ابنِ إسحاق في رأيه، إلاَّ أن الإمامَ البخاريَّ يختلفُ مع أصحاب الكتب السِّتة وأصحابِ السِّير، فرَوى أن قاتلَ أبي رافع هو قائدُ الفدائيين عبدُ الله بنُ عَتيك لا عبد الله بن أنيس (^١).
° عن البَرَاء بنِ عازب - ﵁ - قال: "بَعث رسولُ الله - ﷺ - رهْطًا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبدُ الله بن عَتيكٍ بيتَه ليلًا وهو نائم فقَتَله" (^٢).
° وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: "بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع اليهوديِّ رجالًا من الأنصار، فأَمَّر -عليهم عبدَ الله بن عَتِيك، وكان أبو رافع يُؤْذي رسولَ الله ويُعين عليه، وكان في حِصنٍ له بأرضِ الحجاز، فلمَّا دَنَوا منه وقد غَرَبَت الشمسُ ورَاحَ الناس بِسَرحِهم (^٣)، فقال عبد الله لأصحابه: اجلِسوا مَكانَكم، فإني منْطَلِقٌ ومُتَلَطِّفٌ للبَوَّابِ لعَلِّي أن أدخلَ، فأقبلَ حتى دَنا من الباب، ثم تَقَنَّعَ (^٤) بثوبه كأنه يَقضي حاجةً -وقد دخلَ الناسُ-، فهتف به البوابُ: يا عبدَ الله، إِن كنتَ تريدُ أن تدخلَ فأدخل، فإني أريدُ أن أغلِقَ
_________________
(١) انظر "سيرة ابن هشام" (٣/ ٣١٤ - ٣١٦)، و"صلح الحديبية" لبشاميل (ص ٨٧)، و"البداية والنهاية" (٤/ ١٣٩)، و"فتح الباري" (٥/ ٢١٠ - ٢١٢).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" -كتاب المغازى- باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحُقَيْق، ويُقال سلاّم بن أبي الحقيق كان بخيبر، ويقال في حصنٍ له بأرض الحجاز (٧/ ٣٩٥ - فتح الباري) حديث رقم (٤٠٣٨).
(٣) راح الناس بسرحهم: أي رجعوا بمواشيهم التي ترعى.
(٤) تقنَّع بثوبه: أي تغطى به ليخفى شخصه لئلا يُعرَف.
[ ١ / ٣٣٧ ]
البابَ، فدخلتُ، فكَمُنْتُ (^١)، فلما دخل الناسُ أَغلقَ البابَ ثم عَلَّقَ الأغاليق على وَدٍّ (^٢). قال: فقمتُ إلى الأقاليد (^٣) فأخذتُها ففتحتُ الباب، وكان أبو رافع يُسْمَرُ عندَه (^٤)، وكان في عَلاليَّ (^٥) له، فلما ذهب عنه أهل سَمَرِهِ صَعِدتُ إليه، فجعلتُ كلما فَتحتُ بابًا أَغلقتُ عليَّ من داخل، قلتُ: إن القوم إن نَذِرُوا (^٦) بي لم يَخلُصوا إلي حتى أقتلَه، فانتهيتُ إليه، فإذا هو في بيتٍ مُظلِم وَسَطَ عياله لا أدري أينَ هَو من البيت، فقلت: أبا رافع. قال: مَن هذا؟ فأهوَيْتُ نحوَ الصوتِ (^٧) فأضربُه ضربةً بالسيف وأنا دهِشٌ، فما أغنيتُ (^٨) شيئًا، وصاحَ فخرجتُ من البيت، فأمكثُ غيرَ بعيدِ، ثم دخلت إليه فقلتُ: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ (^٩) فقال: لأُمِّكَ الوَيلُ (^١٠)،
_________________
(١) كمنت: أي: اختبأت.
(٢) الأغاليق: جمع غَلق بفتح أوله: ما يغلق به الباب والمُراد بها المفاتيح. كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره بالعين المهملة وهو المفتاح بلا إشكال. الوَدّ: بفتح الواو وتشديد الدال هو الوتد. وفي رواية: "وضع مفتاح الحصين في كَوة". والكَوّة بالفتح وقد تُضَمّ وقيل: بالفتح: غير النافذة، وبالضمّ: النافذة.
(٣) الأقاليد: جمع إقليد وهو المفتاح.
(٤) يسمر عنده: أي: يتحدثون ليلًا.
(٥) علاليّ: جمع علية بتشديد التحتانية وهي الغرفة.
(٦) نذروا بي: أي: علموا، وأصله من الإنذار وهو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه.
(٧) أهويت نحو الصوت: أي قصدتُ نحو صاحب الصوت.
(٨) فما أغنيت شيئًا أيْ لم أقتله.
(٩) في حديث عبد الله بن أنيس: "فقالت امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك فقال: ثكلتكِ أمكِ وأين عبد الله بن عتيك؟.
(١٠) في حديث عبد الله بن أنيس: "فقالت امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك فقال: ثكلتكِ أمكِ وأين عبد الله بن عتيك؟.
[ ١ / ٣٣٨ ]
إن رجلًا في البيت ضَرَبني قَبْلُ بالسيف. قال: فأضربه ضربةٌ أثخنَتْهُ ولم أقتُله، ثم وضعت ضبِيب (^١) السيف في بطنه حتى أخذ في ظَهِره؛ فَعَرفت أَني قَتلته، فجعلت أفتح الأبوابَ بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجةٍ له، فوضعتُ رجلي وأنا أُرى (^٢) أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلةٍ مقمرة، فانكسرَت ساقي (^٣) فعَصَبْتها بعمامة، ثم انطلقتُ حتى جلستُ على الباب، فقلت: لا أخرج الليلةَ حتى أعلمَ أقتَلته؟ فلما صاحَ الدِّيكُ قام الناعي عَلَى السُّور، فقال: أنعَى (^٤) أبا رافع تاجرَ أهل الحجاز، فانطلقتُ إلى أصحابي، فقلت: النَّجاءَ النجاءَ (^٥)، فقد قَتل اللهُ أبا رافع، فانتهيتُ إلى النبي - ﷺ - فحدَّثته، فقال لي: "ابسُطْ رِجلَك"، فبسطتُ رِجلي، فمَسَحَهَا فكأني لم أشتَكِها قط" (^٦).
_________________
(١) = وفي رواية: "وغيّرت صوتي كهيئة المستغيث فإذا هو مستلق على ظهره"، وفي رواية ابن إسحاق: "فصاحت امرأته فنوّهت بنا، فجعلنا نرفع السيف عليها ثم نذكر نهي رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء فنكفُّ عنها.
(٢) قال الخطابي: هكذا يُروى، وما أراه محفوظًا، وإنما هو "ظُبَة السيف" وهو حرف حد السيف وُيجمع على ظبات. قال: والضبيب لا معنى له هنا؛ لأنه سيلان الدم من الفم. قال عياض: هو في رواية أبي ذر بالصاد المهملة، وكذا ذكره الحربي وقال: أظنه طرفه. وفي رواية غير أبي ذر بالمعجمة وهو طرف السيف.
(٣) أُرى: أي أظن. وذكر ابن إسحاق في روايته أنه كان سيء البصر.
(٤) فانكسرت ساقي: وفي رواية: "فانخلعت رجلي عصبتها". ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت من الساق.
(٥) أنعَى: بفتح العين، كذا ثبت في الروايات، قال ابن التين: هي لغة والمعروف أنعو، والنعي: خبر الموت، والاسم: الناعي.
(٦) النَّجاء: أى: أسرعوا.
(٧) رواه البخاري (٤٠٣٩).
[ ١ / ٣٣٩ ]
° وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: "بَعَث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع عبدَ اللَّه بنَ عَتيك وعبدَ الله بن عتبة في ناسٍ مَعهم، فانطلقوا حتى دَنَوا مِن الحِصن، فقال لهم عبدُ الله بنُ عَتيك: امكُثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر … قال: فتَلَطَّفُتُ أن أدخلَ الحِصنَ، ففَقُدوا حِمارًا لهم، قال: فخرجوا بقبَسٍ يطلبونه قال: فخشيتُ أن أُعرَفَ، قال: فغَطّيت رأسي كأني أقضِي حاجةً، ثم نادى صاحبُ الباب: مَن أراد أن يدخلَ فَلْيَدْخُل قبل أن أُغلِقه. فدخلتُ، ثم اختبأتُ في مَربط حِمارٍ عند بابِ الحصن، فتعشَّوا عند أبي رافع وتحدَّثوا حتى ذهبت ساعةٌ مَن الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلمَّا هدأت الأصواتُ ولا أسمعُ حَركةً خرجتُ، قال: ورأيتُ صاحبَ الباب حيث وَضَع مفتاحَ الحصين في كُوَّة، فأخذتُه ففتحتُ به بابَ الحصن، قال: قلت: إن نَذِر بي القومُ انطلقتُ على مَهَل، ثم عَمَدتُ إلى أبوابِ بيوتهم، فغلَّقتُها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سُلَّم، فإذا البيتُ مُظلم قد طُفِيء سِراجُه، فلم أدرِ أين الرَّجُلُ.
فقلت: يا أبا رافع. قال: مَن هذا؟ قال: فعمدتُ نحوَ الصوت فأضربُه، وصاحَ، فلم تُغْنِ شيئًا. قال: ثم جئتُ كأني أُغيثُه، فقلت: ما لكَ يا أبا رافع -وغيَّرتُ صوتي-؟. فقال: ألا أُعجِبك، لأمِّكَ الوَيْل، دخل علي رَجُل فضربني بالسيف. قال. فعمدتُ له أيضًا فأضربُه أخرَى، فلم تُغْنِ شيئًا فصاح، وقام أهله، قال: ثم سمعت صوتَ العَظْم، ثمَّ خرجت دَهِشًا حتى أتيتُ السلَّم أُريدُ أن أنزل، فأسقطُ منه، فانخلعَتْ رِجلي، فعصَبْتُها، ثم أتيتُ أصحابي أحجُل، فقلت: انطلقوا فبَشَروا رسولَ الله - ﷺ -، فإني لا أبرَحُ حتى أسمعَ الناعية. فلمَّا كان في وجه الصُّبح صَعِد
[ ١ / ٣٤٠ ]
الناعيةُ فقال: أنعَى أبا رافع. قال: فقمتُ أمشي ما بي قَلَبة (^١)، فأدركتُ أصحابي قبل أن يأتوا النبي - ﷺ -، فبَشَّرتُه" (^٢).
° قال اللواء محمود شيت خَطَّاب عن هذه السَّرِيَّة: "وأمَّر رسولُ الله - ﷺ - عليهم عبدَ الله بن عَتِيك، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان، فنهضوا حتى أتَوا خيبرَ ليلًا.
وكان سَلاَّمٌ ساكنًا في دارٍ في جماعة من يهود، فلم يَدَعُوا بيتًا في الدار إلا أغلَقوه على أهلِه، وكان سَلامٌ في عِلِّيةٍ له إليها عَجَلَة (^٣)، فأسندوا فيها (^٤) حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا عليه، فخرجت إليهم امرأتُه، فقالت: "مَنْ أنتم؟ "، قالوا: "ناسٌ من العَرَب نلتمسُ المِيْرَة"، قالت: "ذاكم صاحبُكم، فادخلوا عليه".
فلما دخلوا أغلَقوا البابَ على أنفُسهم تخوُّفًا أن تكون دونَه مُجَاولة (^٥) تَحول بينهم وبينه، فصاحت امرأتُه فهمُّوا بقَتلها، ثم ذَكَروا نَهْيَ النبي - ﷺ - عن قتل النساء، فأمسَكوا عنها، ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقدٌ على فراشه، أبيضَ في سوادِ الليل كأنه قُبْطِيةٌ (^٦) مُلْقَاة، ووضع عبدُ الله بنُ عَتِيك
_________________
(١) قَلْبَة: أي: عِلَّة انقلب بها.
(٢) رواه البخاري- حديث رقم (٤٠٤٠).
(٣) له إليها عجلة: المراد بالعجلة هنا: جذع النخلة، كانوا ينقرون في مواضع منه نقرًا بعضها فوق بعض، ثم يجعلونه، كالسلَّم يصعدون عليه إلى الغرف والأماكن العالية.
(٤) أسندوا فيها: علوا وارتفعوا، وتقول: أسند فلان إلى الجبل: إذا علا فيه وارتفع.
(٥) المجاولة: الحركة تكون بينه وبينهم.
(٦) القبطيَّة: ثوب يصنع بمصر أبيض من الكتان الرقيق، وهي منسوبة إلى القبط على غير قياس.
[ ١ / ٣٤١ ]
سيفَه في بطنِه حتى أنفذه، كما تحامَلَ عليه بالسيف عبدُ الله بنُ أُنيس في بطنه حتى أنفذه، وسلامٌ يقول: قَطْنِي .. قَطْنِي، أي حَسْبي حَسْبي.
وخرج أفرادُ السَّرية من حُجرة سَلام، وكان عبدُ الله بن عَتِيك سَيِّئ البصر، فوقع من الدرجة فَوُثِئَتْ (^١) رِجلُه وثئًا شديدًا، فحَمَله أصحابُه حتى أتوا منْهَرًا من مناهِرِهم (^٢)، فدخلوا فيه واستتروا.
وخَرَج أهلُ الآطام، وأوقدوا النيرانَ في كلِّ وجهٍ، فلما يئِسوا رجعوا إلى آطامهم.
وقال أفرادُ السَّرية: "كيف لنا بأنْ نعلمَ بأنَّ عدوَّ اللهِ قد مات؟ "، فرجع أحدُهم ودخل بين الناس، فوجد امرأتَه ورجالَ يهود حولَه، وفي يدها المصباح تنظرُ في وجهه وتحدَثهم وتقول: "أمَا واللهِ لقد سمعتُ صوتَ ابنِ عَتِيك، ثم أكذبتُ نفسي وقلت: أنَّى ابنُ عَتِيك بهذه البلاد؟ "، قال: "ثم أقبلَتْ عليه تنظرُ في وجهه، ثم قالت: فاظ (^٣) وإلهِ يهود! فما سمعتُ من كلمةٍ كانت ألذَّ إلى نفسِي منها".
وقد حَدَّث الذي ذهب يستطلعُ موتَ سَلام أصحابَه بحديثه هذا بعدَ عودته إليهم من مُهمته الاستطلاعية، فأيقنت السَّريةُ بهلاكه.
واحتمل أفرادُ السَّرية عبدَ الله بن عَتِيك، وقَدِموا على رسول الله
_________________
(١) وثئت رِجلُه: شبه الفسخ في المفصل، أصاب العظم شيء ليس بالكسر. وقال بعض أهل اللغة: الوثء: تصدُّع في اللحم لا في العظم.
(٢) المنهر: مدخل الماء من خارج الحصن إلى داخله.
(٣) فاظ: مات، قال الراجز: "لا يَدْفِنون عنهم مَنْ فاظا".
[ ١ / ٣٤٢ ]
- ﷺ -، فأخبروه بقتل سَلام، واختلفوا عنده في قتله، فكلُّهم يدعيه، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "هاتوا أسيافَكم"، فانظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أُنَيْس: "هذا قَتَله، أرى فيه أثرَ الطعام" (^١).
° قال حَسَّانُ بنُ ثابت وهو يَذكُر قتلَ كعبِ بنِ الأشرف وَقتْلَ سَلاَّم بنِ أبي الحُقَيْق:
لِلِه دَر عِصَابةٍ (^٢) لاقَيْتَهُمْ يا ابنَ الحُقَيْقِ وأنْتَ يا ابنَ الأشْرَفِ
يَسْرون بالبِيضِ الخفَافِ إليكُمُ مَرَحًا كأُسد في عَرِيْنٍ مُغْرِفِ (^٣)
حتى أتوكُم في مَحَل بلادِكُمْ فَسَقَوْكُمُ حَتْفًا بِبِيضٍ ذُفَّفِ (^٤)
مُسْتَنْصِرِينَ لِنَصْر دِينِ نَبِيِّهم مُسْتَصْغِرين لكل أمرٍ مُجْحِفِ (^٥)
وهكذا تخلَّص المسلمون مِن عدوٍّ لدود (^٦)، وكان إقدامُ عبد الله
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (٣/ ٣١٤ - ٣١٦)، و"الدرر" (١٩٥، ١٩٦)، "جوامع السيرة" (١٩٨ - ٢٠٠)، و"طبقات ابن سعد" (٢/ ٩٠، ٩١)، وانظر: "مغازي الواقدي" (١/ ٣٩١ - ٣٩٥)، وابن الأثير (٢/ ١٤٦ - ١٤٨).
(٢) العصابة: الجماعة.
(٣) يَسْرُون: يسيرون ليلًا. والبيضِ الرقاق: السيوف. ومرحًا: يروى بفتح الميم والراء جميعًا، وهو مصدر قولك: مَرحَ فلان فهو مَرَحٌ، أي: نشط، وَالْمَرَحُ: النشاط، ويروى بضمِّ الميم وسكون الراء، فهو جمع مَرح - بِزِنَةِ كَتِف-، وهو النَّشيط. والأُسْدُ: جمع أَسَد بفتحتين. العرين: الغابة، وهي: موضع الأسد. والمغرف: الذي الْتَفَّتْ أغصانه.
(٤) ذُفَّف -بضم الذال وتشديد الفاء مفتوحة-: السريعة القتل، تقول: ذففت على الجريح: إذا أسرعت في قتله ولم تمهله.
(٥) الأمر المجحف: الذي يذهب بالنفوس والأموال.
(٦) "سيرة ابن هشام" (٣/ ٣١٦، ٣١٧).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وإقدامُ سَرِيَّتِه إقدامًا فذًّا بمعنى الكلمة.
وكما قلنا من قبل: إن أكثرَ أصحابِ المغازي والسِّير -وعلى رأسهم محمدُ بن إسحاق- يَرَون أن الفدائيين الخمسةَ كلَّهم اشتركوا مع قائدهم عبدِ الله بنِ عتيك في القضاء على الشيطان اليهودي، وأن الذي أثبت أبا رافع وقَضى عليه هو عبدُ الله بن أُنيْس.
وعلى هذا كلُّ أصحابِ الكتبِ السِّتة والسِّير عدا البخاريَّ الذي ذَكر أن قاتل أبي رافع هو عبدُ الله بن عتيك، لا عبدُ الله بن أنيس، ولم يذكر البخاريّ أن بقيةَ الفدائيين لم يدخلوا الحصن.
وليس هناك تناقضٌ بين الروايتين في اشتراك الفدائيين الخمسة في قتله "أما ما جاء في "صحيح البخاري" من أن ابنَ عَتيك قال لبقيةِ رجاله: "ابقُوا مكانَكم حتى انظر"، فليس فيه ما يَنفي اشتراكَهم معه في العملية، إذ يَحتملُ أنه بعدَ أن نظرَ وقام بالاستكشاف رَجَع وأخذَهم معه كقائدٍ مسؤول، وأنه كان يَتحدَّثُ بلسانِ القائد الذي يُنسَبُ إليه فِعلُ كلِّ شيءٍ -حتى وإن لم يكن هو الذي فَعَل كلَّ شيء-.
كما أنَّ عدمَ ذِكرِ دَورِ بقيةِ الفدائيين في روايةِ البخاري لا يَنفي اشتراكَهم، إذ يحتمل أن يكونوا ظلُّوا كالحرس يَحْمُون ظَهرَ قائدِهم حتى قام بالقضاءِ على أبي رافع.
أما قول ابن عتيك في رواية البخاري: "ثم أتيتُ أصحابي أحجل .. " إلخ، فلا ينفي -أيضًا- اشتراكَهم مع قائدِهم في العملية؛ إذ لا يُستبعد أن يكونوا قد سَبَقوه، فخرجوا قبلَه وتأخَّر هو بسب ما حَدَث له من كَسرٍ في
[ ١ / ٣٤٤ ]
رجله، ولأن القائدَ عند الانسحاب عادة يكونُ آخِرَ مَن ينسحب.
بهذا يتَّضحُ أنه لا تناقضَ ولا تباينَ يُذْكر بين الروايتين" (^١) إلاَّ في اسمِ قاتل أبي رافع؛ أي: مَن أجهز عليه في النهاية.
° قال ابنُ سعد يَصفُ مطاردةَ اليهود للفدائيين الخمسة: "وصاحت امرأتُه، فتصايَحَ أهلُ الدار، واختبأ القومُ في بعضِ مناهِرِ خيبر .. وخرج الحارثُ أبو زينب (^٢) في ثلاثةِ آلافٍ في آثارهم يطلبونهم بالنيران -أي: بالمشاعل في ظلام الليل-، فلم يروهم، فرجعوا، ومَكَث القومُ -أي الفدائيون- في مكانهم يومين حتى سَكن الطلب، ثم خرجوا مُقبِلين إلى المدينة" (^٣).
أبَا رافع لا يَرفعُ اللهُ طاغيًا ولا يَدَعُ الخَصْمَ المُشاغِبَ نَاجيَا
جمعتَ من الأحزابِ ما شِئتَ تَبتغي لنفسِكَ من تلكَ العقابيلِ شَافيا (^٤)
ورُحتَ تَصُبُّ المالَ في غيرِ هِينةٍ تُرِيدُ بدِينِ المسلمين الدواهيا (^٥)
هو ابنُ عتيكٍ إنْ جَهِلتَ وصَحبُه فلستَ بلاقٍ من حمامِكَ واقيا (^٦)
يَدُبُّ وقد جَنَّ الظلامُ مُقنعًا يُريدُك مُغتالًا وَيلقاكَ غازيا
كأن حِمارَ الحصنِ أُوتيَ رُشدَهُ فأجمعَ ألاَّ يصحبَ الدهرَ غاويا
_________________
(١) "موسوعة معارك الإسلام- خيبر" لبشاميل (ص ٩٣، ٩٤).
(٢) الحارث أبو زينب هذا فارس يهودي شجاع مشهور .. كان أحد الفرسان الذين قُتِلُوا مبارزة أمام حصن مرحب.
(٣) "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ٩١).
(٤) العقابيل: الشدائد وبقايا العلة أو العداوة، جمع العقبول والعقبولة.
(٥) الهينة: السكينة والوقار.
(٦) الحمام: الموت.
[ ١ / ٣٤٥ ]
أعان عليكَ السيفَ يكرهُ أن يرى دمًا فاجرًا في مَسْبَح الكُفر جاريًا
يقول له البوابُ: ما لك جالسًا وقد دخل الرهطُ الذي كُنتَ رائيا؟ (^١)
إلى الحصنِ فادْخُلْ لَسْتُ تاركَ بابِه لأجلِكَ مفتوحًا ودَعْنِي لِمَا بيا
فقامَ ولو يدرِي خَبِئةَ نَفسه أعضَّ وَرِيدَيْهِ الحُسامَ اليمانيا (^٢)
ولاحت لِعيَنْيه الأقاليدُ فَانْتَحى يَضُمُّ عليها مِخلَبَ الليثِ ضَاريا (^٣)
فلما عَفا السُّمَّارُ أقبلَ صَاعِدًا إلى الأخرقِ المغرور يَعلو المَراقيا (^٤)
سَقاه بِحَدِّ الهَنْدوَانِي حَتْفَهُ فَبُورِكْتَ من سيفٍ وبُورِك ساقيا
* * *
هَوتْ رِجلُه من زَلةٍ قَذفت بهِ إلى الأرضِ في ظَلماءَ تُخفي الدرارِيا (^٥)
فما برحتْ حتى أُصِيبَ صَميمُها بِصَدْعٍ فأمَسى وَاهِنَ العَظم واهيا
وباتَ يُواري نَفسَهُ في مكانِه ويَزْوَر في بُردَيهِ يَخشَى الأعاديا (^٦)
_________________
(١) ظنَّه البواب من أهل الحصن، فقال له: إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الحصن، فدخل فاختبأ يتربص لحاجته.
(٢) يريد بواب الحصن. وَأَعَضَّهُ الْحُسَامَ: جَعَل الْحُسَامَ يَعضُّهُ.
(٣) الأقاليد: المفاتيح.
(٤) الأخرق: الأحمق. والمراقي: الدرجات، جمع المرقى والمرقاة.
(٥) قال ابن عتيك - ﵁ - يذكر ما حدث له بعد قتل أبي رافع: فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى الأرض؛ فوقعت، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، ثم خرجت، فكَمُنتُ في موضع، وأوقدت اليهود النيران، وذهبوا في كل وجه يطلبوني، حتى إذا آيسوا رجعوا، فلما صاح الديك صعد الناعي على السور ينعى أبا رافع، قال فأتيت أصحابي أحجل .. إلخ.
(٦) يزورُّ، أي: يميل وينكمش للاستخفاء.
[ ١ / ٣٤٦ ]
تَنادَوْا فقالوا: فاتكٌ من عَدُوِّنا رَمى السَّند الأعلى فلا كان راميا
مَتى جاءَ؟ كيفَ انسل في غَسَقِ الدجَى؟ وماذا جَرى مَن كان للحصنِ حاميا؟ (^١)
مِنَ الجِنِّ هذا أم من الإِنس يا لَهُ مُصابًا يُنسِّينا الخُطوبَ الخواليا؟
وراحوا سِراعًا مُهطِعينَ يَهيجُهم طِلاب الذي ما زال في الحِصْنِ ثاويا (^٢)
فما تركوا في أرضِ خَيبرَ بقعةً ولا غادروا مما هُنالكَ واديا
وعادُوا يَعَضُّونَ البنان ولو رَأَوْا مكانَ الردى المجتاحَ ألفَوْهُ جَاثيا
فما زالَ حتى أذَّنَ الديكُ وانْبَرى مِنَ القومِ داعٍ يَرفعُ الصوتَ ناعيا
هنالِك وافى صحبه فتحدَّبُوا عليه وكان الظنُّ أنْ لا تلاقيا (^٣)
فتًى يركبُ الأهوالَ لا يتَّقِي الردى ولا يتوقَّى الحتفَ يَلقاه عاديا
قُصارَاهُ أن يَرْعَى رَبَّه ويلقى رسولَ الله جَذْلانَ راضيا (^٤)
شَفَى رِجلَه مما بها فكأنها بِخَيبرَ لم تُكْسَرْ ولم يَكُ شاكِيا
* * *
أبا رافع ماذا لَقِيتَ بحُفرةٍ طَوَتْ منكَ جبارًا قضَى العُمر َعاتيا؟
عَكفتَ على البَغي المُذمَّم والأذَى فَذُبْ أسفًا واعْكُفْ على النارِ صَاليا
° قال الحافظ ابن حجر بعد ذِكره أحاديث قتل أبي رافع: "وفي هذا الحديث من الفوائد: جوازُ اغتيالِ المشرِك الذي بلَغَتهُ الدعوةُ وأَصَرَّ، وقتل
_________________
(١) غسق الدجى: ظلمة الليل.
(٢) المهطع: من ينظر في ذلٍّ وخضوع.
(٣) تحدَّب عليه: تعطَّف وحنا.
(٤) القُصارى: الجهد والغاية، وقصاراه أن يفعل كذا، أي: غاية جهده وآخر أمره وكل مستطاعه هو أن يفعل كذا.
[ ١ / ٣٤٧ ]
من أعان على رسول الله - ﷺ - بيده أو ماله لسانه، وجوازُ التجسُّس على أهل الحرب وتطلُّبِ غِرَّتهم، والأخذِ بالشدَّة في محاربة المشركين" (^١).
رضي الله عن بطلَيِ الإسلام -عبد الله بن عَتيك، وعبد الله بن أُنيس- وإخوانِهم الذين أراحوا المسلمين من اليهوديِّ الخبيث أبي رافع الطاغية اللعين.