* قال تعالى في وصف أدبه - ﷺ -: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، أُفُقٌ وضيءٌ طليقٌ مرفرِف، عاش فيه قلبُ رسولنا - ﷺ - وبصرُه .. لحظاتٌ خُصَّ بها القلبُ المصفَّى، وأدبٌ مِن بَصَرِ رسولِ الله - ﷺ -، لم يتجاوزْ رُتبَتَه وكُلُّه شَوْق، فأعطاه الله ما لم يُعطِ أحدًا غيره.
° قال ابن القيم: "إن هذا وصْفٌ لأدبه - ﷺ - في ذلك المَقام؛ إذْ لم
[ ١ / ٦٤ ]
يَلتفتْ جانبًا، ولا تجاوَزَ ما رآه، وهذا كمالُ الأدب .. والإِخلالُ به أن يلتفتَ الناظرُ عن يمينه وعن شماله، أو يتطلَّعِ أمامَ المنظور، فالالتفاتُ زَيْغ، والتطلُّعُ إلى ما أمامَ المنظور طغيانٌ ومجاوزَة؛ فكمالُ إقبالِ الناظرِ على المنظور: أن لا يَصْرِفَ بَصَرَه عنه يَمنة ولا يَسْرةً، ولا يتجاوزه.
وهذا معنى ما حصَّلْتُه عن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه-.
وفي هذه الآيةِ أسرارٌ عجيبة، وهي من غوامضِ الآداب اللائقةِ بأكمل البَشَر - ﷺ -؛ تواطأ هناك بَصَرُه وبَصيرتُه، وتوافَقَا وتصادقَا فيما شاهَدَه بصرُه، فالبصيرةُ مواطئةٌ له، وما شاهَدَته بصيرتُه فهو أيضًا حقٌّ مشهودٌ بالبصر، فتواطأ في حقهَ مَشهَدُ البصر والبصيرة.
* ولهذا قال ﷾: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١١، ١٢]، أي: ما كَذَب الفؤادُ ما رآه ببصره.
ولهذا قرأها أبو جعفر: "ما كَذَّب الفؤادُ ما رأى" -بتشديد الذال-، أي: لم يُكذِّب الفؤادُ البصرَ، بل صَدَّقَه وواطأه؛ لصحَّةِ الفؤادِ والبصر، أو لاستقامةِ البصيرةِ والبصر، وكوْنِ المرئيِّ المشاهَد بالبصر والبصيرة حقًّا.
وقرأ الجمهور ﴿ما كذَب الفؤاد﴾ -بالتخفيف-، وهو مُتَعَدٍّ، و"ما رأى" مفعوله؛ أي: ما كَذَّب قلبُه ما رأته عيناه؛ بل واطأه ووافَقَه، فلمواطأةِ قلبهِ لقالَبه، وظاهرِه لباطنه، وبصره لبصيرته؛ لم يُكذِّبِ الفؤادُ البصرَ، ولم يتجاوزِ البصرُ حدَّه فيطغى، ولم يَمِلْ عن المَرْئيِّ فيَزيغ؛ بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئي، ما جاوَزَه ولا مال عنه، كما اعتَدَل القلبُ في الإِقبالِ على الله
[ ١ / ٦٥ ]
والأعراضِ عَمَّا سواه؛ فإنه أقبل على الله بِكُلِّيَّتِهِ.
وللقلب زَيْغ وطغيان، كما للبصر زَيْغ وطُغيان، وكلاهما مُنتفٍ عن قلبه وبصره، فلم يَزغْ قلبُه الْتفاتًا عن الله إلى غيره، ولم يَطْغَ بمجاوزتِه، وهذا غايةُ الكمالِ والأدبِ مع الله، الذي لا يَلحقُه فيه سواه، فإن عادةَ النفوسِ إذا أُقيمتْ في مقامٍ عالٍ رفيع: أن تتطلَّع إلى ما هو أعلى منه وفوقه؛ ألَا ترى أن موسى - ﷺ - لَمَّا أُقيم في مقامِ التكليم والمناجاة طَلبت نفسُه الرؤية؟! ونبينا - ﷺ - لَمَّا أُقيم في ذلك المقام، وفَّاه حقَّه، فلم يلتفتْ بصرُه ولا قلبُه إلى غيرِ ما أُقيم فيه ألبتة؟! ولأجل هذا ما عاقَه عائقٌ، ولا وَقَف به مرادٌ، ولَم تَقِفْ به دونَ كمال العبودية هِمَّةٌ، ولهذا كان مركوبُه في مَسْرَاه يَسبقُ خَطْوُهُ الطرْفَ، فيضع قدمَه عند منتهى طرْفه، مُشاكِلًا لحال راكبه وبُعْدِ شأوه، الذي سَبَق العالَمَ أجمعَ في سَيْره، فكان قَدَمُ البُراق لا يَختلفُ عن موضع نظَرِه، كما كان قَدَمُه - ﷺ - لا يتأخَّر عن محلِّ معرفته.
فلم يزلْ - ﷺ - في خِفارةِ كمالِ أدبه مع الله سبحانه، وتكميلِ مراتب عبوديته له، حتى خَرَق حُجُبَ السموات، وجاوَزَ السبْعَ الطِّباق، وجاوَزَ سِدْرةَ المنتهى، ووصل إلى محلٍّ منَ القُرْب سَبَق به الأوَّلين والآخرين، فانصبّتْ إليه هناك أقسامُ القُرْب انصبابًا، وانقَشَعت عنه سَحائبُ الحجُب -ظاهرًا وباطنًا- حِجابًا حجابًا، وأُقيم مقامًا غَبَطَهُ به الأنبياءُ والمرسلْون؛ فإذا كان في المعاد، أُقيم مقامًا مِن القرْب ثانيًا، يَغبِطُه به الأوَّلون والآخرون ..
واستقام هناك على صراطٍ مستقيم مِن كمالِ أدبهِ مع الله، ما زاغ البصر عنه وما طغى، فأقامه في هذا العالَم على أقومِ صراطٍ من الحقِّ والهدى، وأقسم بكلامِه على ذلك في الذِّكر الحكيم، فقال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ
[ ١ / ٦٦ ]
الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]، فإذا كان يومُ المعاد، أقامه على الصراطِ يَسألُه السلامةَ لأتباعه وأهل سُنَّته، حتى يَجُوزَه إلى جنَّاتِ النعيم، وذلك فَضْلُ الله يؤتيه مَنْ يشاء، والله ذو الفضل العظيم" (^١).
وكلُّ الآداب تُتَلَقَّى من رسولِ الله - ﷺ -؛ فإنه - ﵇ - مجْمعُ الآداب ظاهرًا وباطنًا.