° لَمَّا اتَّصل بكعْبِ بنِ الأشرف -وهو رجل يهودي من نَبْهانَ مِن طَيئ، وأمُّه من بني النَّضِير- قَتْلُ صناديدِ قريشٍ ببدرٍ قال: "بطنُ الأرض خير من ظهرها".
• ونَهَض ابن الأشرف إلى مكةَ، فجعل يَرْثي قَتلى قريش، ويُحرِّضُ على قتالِ النبيِّ - ﷺ -، ويُشبِّب بنساءِ المسلمين؛ قصدًا لإِيذاءِ أزواجِهنَّ، وكان شاعرًا، ثم عاد من مكةَ إلى المدينة، فلم يَزَلْ يُؤذي رسولَ الله - ﷺ - ويدعو إلى خلافِه، ويَسُبُّ المسلمين حتى آذاهم أعظمَ الأذى، فقال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ لي بابن الأشرف، فإنه يُؤذي اللهَ ورسولَه والمؤمنين؟ "، فقال له محمد بن مَسْلَمةَ: أنا له يا رسول الله، أنا أقتله إن شاء الله، فقال: "فافعل إنْ قَدَرْتَ على ذلك".
ومَكَث محمدُ بن مَسْلَمةَ أيامًا مشغولَ النفس بما وَعَد رسولَ الله - ﷺ - من نفسه في قتل أبن الأشرف، فانتدبه رسول اللَّه - ﷺ -، وانتدب معه سِلْكانَ
_________________
(١) "أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٣٧)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٢١٧).
(٢) رواه أحمد، ومسلم.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ابنَ سلَامةَ بنِ وَقْشٍ أبا نائلةَ -أحدَ بني عبد الأَشْهَل، وكان أخَا كعبِ بنِ الأشرف من الرضاعة-، وعَبَّادَ بنَ بِشْرِ بنِ وَقْش، والحارثَ بنَ أَوْسِ بنِ مُعَاذ -وهما من بني عبد الأشهل-، وأبا عَبْس بنَ جَبْر أخا بني حارثة (^١)، وأَذِن لهم رسولُ الله - ﷺأن يقولوا غيرَ ما يعتقدون (^٢)، على سبيل جوازِ ذلك في الحرب.
وقدَّموا إلى ابن الأشرف سِلْكَانَ بنَ سَلَامة، فقَصَد له وأظهَرَ له موافقتَه على الانحراف عن رسول الله - ﷺ -، وشكا إليه ضِيْق حالهم، وكَلَّمَه في أن يَبيعَه وأصحابَه طعامًا، فَيَرْهَنُوه سِلاحَهم، فأجابهم إلى ذلك.
ورجع سِلْكَانُ إلى أصحابه، فخرجوا إلى ابنِ الأشرف اليهوديِّ، وشيَّعهم رسولُ الله - ﷺ - إلى بَقيع الغَرْقَد (^٣) في ليلةٍ مُقْمِرَة، فأتَوا كعبًا، فخرج إليهم من حِضنِه، فَتَماشَوا، فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمدُ ابنُ مَسْلَمةَ مِغْوَلًا (^٤) كان معه في ثُنَّتِه (^٥) فقتله.
وصاح ابنُ الأشرف صيحةً شديدةً انذعر بها أهلُ الحصون حوالَيه، فأوقدوا النيرانَ دون جدوى.
_________________
(١) في عيون الأثر: أن اسمه عبد الرحمن.
(٢) أن يقولوا في الرسول - ﷺ - ما لا يعتقدون، خُدعةً للعدو على سبيل جواز ذلك مع الأعداء في الحرب.
(٣) بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة المنورة.
(٤) المغول: شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه. وقيل: هو حديدة دقيقة لها حدٌّ ماضٍ وقفًا، وقيل: هو سوط في جوفه سيف دقيق يشدُّه الفاتك على وسطه؛ ليغتال الناس.
(٥) الثُّنَّة من الإنسان: ما دون السرَّة، فوق العانة، أسفل البطن.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وجُرح الحارثُ بن أَوْسٍ في رِجْلِه ببعض سيوفِ أصحابه أو في رأسه، فَنَزَفَهُ الدمُ، وتأخَّر قليلًا عن أصحابه الذين سَلَكوا على بني أُمَية بن زيد إلى بني قُرَيْظَة، إلى "بُعَاث" (^١)، إلى "حَرَّة العُرَيْض" (^٢)، فانتظروا صاحبَهم الحارثَ هناك حتى وافاهم، فأتَوا به رسولَ الله - ﷺ - في آخِرِ الليل وهو يُصلِّي، فأخبروه بقتل ابن الأشرف؛ وكان ذلك في شهرِ ربيعٍ الأول من السَّنةِ الثالثةِ من الهجرة (٦٢٤ م).
وهكذا انتهت حياةُ أحدِ أعداء المسلمين الذين آذاهم وحَرَّض عليهم كثيرًا.
• عن سفيانَ، عن عمرِو قال: سمعت جابرَ بن عبد الله - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ لي بكعب بنِ الأشراف؟ فإنه قد آذى اللهَ ورسوله؟ " فقام محمدُ بنُ مسلمة فقالَ: يا رسولَ الله، أتحبُّ أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: فأْذَنْ لي أقل شيئًا. قال: "قل".
فأتاه محمد بنُ مَسْلَمةَ، فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سأَلَنا صدقةً، وإنه قد عنَّانا (^٣)، وإني قد أتيتُك أستسلفُك. قال: وأيضًا واللهِ لَتَمَلُّنَهُ. قال: إنا قد اتَّبعناه، فلا نحبُّ أن نَدَعَه حتى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ شأنُه، وقد أردنا أن تُسلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقَينِ -فقال: نعم، ارهَنوني. قالوا: أيَّ شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءَكم. قالوا: كيف نَرهنُك نساءَنا وأنت أجملُ العرب؟ قال:
_________________
(١) بعاث: موضع في نواحي المدينة كانت فيه وقائع بين الأوس الخزرج في الجاهلية، انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٢٢٣).
(٢) حرَّة العريض: حرَّة بالقرب من المدينة، لا ذكر لها في "معجم البلدان".
(٣) أي: أثقل كواهلنا وأتْعَبَبا بما يطلبُه من المال.
[ ١ / ٣٠٤ ]
فارْهَنوني أبناءَكم. قالوا: كيف نرهنُك أبناءَنا، فيُسَبَّ أحدُهم فيُقال: رُهِن بوَسْقٍ أو وسقَيْن!!، هذا عارٌ علينا، ولكنا نَرهنُك اللأْمَةَ -قال سفيان: يعني السلاح-، فواعَدَه أن يأتيَه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة-وهو أخو كعبٍ من الرضاعة-، فدعاهم إلى الحِصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأتُه: أين تخرجُ هذه الساعةَ؟ فقال: إنما هو محمدُ بن مَسلمةَ وأخي أبو نائلة -وفي رواية: قالت: أسمعُ صوتًا كأنه يَقْطُرُ منه الدم، فقال: إنما هو أخي محمد ابن مسلمة ورضيعي أبو نائلة-، إنَّ الكريمَ لو دُعي إلى طَعنةٍ بليلٍ لأجاب.
قال: ويدخلُ محمدُ بنُ مَسلمةَ ومعه أبو عبس بنُ جبر والحارثُ بن أوس وعَبَّادُ بنُ بشر. فقال محمدُ بن مَسْلمة: إذا ما جاء فإني قائلٌ بشَعره فأشمُّه، فإذا رأيتُموني استمكنتُ من رأسه، فدونَكم فاضرِبوه -وقال مرة: ثم أُشِمُّكم-.
فنزل إليهم متوشِّحًا وهو يَنفحُ منه ريحُ الطيب، فقال: ما رأيتُ كاليوم ريحًا -أيْ أطيب-. قال: عندي أعطرُ نساءِ العرب وأكملُ العرب. فقال محمدُ بن مَسْلمة: أتأذنُ لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم .. فشمه، ثم أشمَّ أصحابَه، ثم قال: أتأذنُ لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه قال: دونكم .. فقتلوه .. ثم أتوا النبي - ﷺ - فأخبروه" (^١).
° قال عَبَّادُ بنُ بِشر في هذه الواقعة -وفيها وصفُ شجاعةِ محمدِ بنِ مسلمة - ﵁ -:
صَرَخْتُ بِهِ فَلَمْ يَعْرِضْ لِصَوْتِي … وَوَافَى طَالعًا مِن رَأسِ خِدرِ (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٠٣٧) ومسلم (١٨٠١) وأبو داود (٢٧٦٨)، وعزاه المزي للنسائي.
(٢) في مصادر أخرى: رأس جدر، وعند الواقدي: صرخت به فلم يَجفَلْ لصوتي … وأوفى طالعًا من فوق قصر
[ ١ / ٣٠٥ ]
بَعَثْتُ لَهُ فَقَالَ: مَنِ المُنادِي؟ … فَقُلتُ: أخوكَ عَبَّادُ بنُ بشرِ (^١)
وَهَذِي دِرْعُنَا رُهُنًا فَخُذْهَا … لِشَهْر إِنْ وَفَى أَوْ نِصْفِ شَهْرِ
فَقَالَ: مَعَاشِرٌ سَغَبُوا وَجَاعُوا … وَمَا عُدِمُوا الغِنَى مِنْ غَيْرِ فَقْرِ
فَأقْبَلَ نَحْوَنَا يَهْوِي سَرِيعًا … وَقَالَ لنَا: لَقَدْ جئْتُم لأَمْرِ
وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ حِدَادٌ … مُجَربةٌ بهَا الكُفَّاَرَ نَفرِي
فَعَانَقَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ المُرَدَّى … بِهِ الكُفَّاَرُ كاللَّيْثِ الهِزِبْرِ
وَشَدَّ بسَيفِهِ صَلتًا عَلَيهِ … فَقَطَرَهُ أَبُو عَبْسِ بْنِ جَبرِ
وَكَانَ اللًّهُ سَادِسَنَا فَأُبنَا … بِأنْعَم نِعْمَة وَأَعَز نَصْرٍ
وَجَاءَ بِرَأسِهِ نَفَرٌ كِرَامٌ … هُمُو نَاهِيكً مِنْ صِدْقٍ وَبِرِّ
° وقال كعب بن مالك في قتل ابن الأشرف:
فغودرَ منْهمُ كَعْبٌ صَرِيعًا … فَذَلَّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِيرُ
عَلَى الكَفَّيْنِ ثُمَّ وَقَدْ عَلَتْهُ … بَأيْدِينَا مُشَهَرَةً ذُكُورُ
بِأَمْرِ مُحَمِّدٍ إِذْ دَسَّ لَيْلًا … إِلَى كعْبٍ أخَا كعْبٍ يَسِيرُ
فَمَا كَرْهِ فَأنْزَلَهُ بِمَكْرٍ … وَمَحْمُودٌ أخُو ثِقَةٍ جَسُورُ
° ولله دَرُّ من نظم هذه السَّرية شعرًا فقال:
يَا نَاقِضَ العَهدِ لَا شَكْوَى وَلَا أَسَفُ … اللهُ مُنتقِمٌ والسيفُ مُنتصِفُ
تَهْجُو النَّبِي وتُغرِي المُشرِكينَ به … مَهْلًا لكَ الويلُ مَاذَا أنتَ مُقترِفُ
كَمْ جِيفَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِيكَ مُنكَرَةٍ … لَمَّا تَرَدَّتْ بِبَدْرٍ تِلكُمُ الجِيَفُ
_________________
(١) وفى مصدر آخر: فعُدتُ فقال من هذا المنادي … فقلت أخوك عبَّاد بن بشر
[ ١ / ٣٠٦ ]
إِنَّ الوَلِيمةَ أخْزَى اللهُ صَانِعَها … كَانَتْ ضِرَارًا فَلَا وُدٌّ وَلَا لَطَفُ
أتحسَبونَ رسولَ اللهِ يَجهلُها … مَكِيدةٌ لا فَضَحَتْ أسرارَها السُّجُفُ (^١)
بل أظهرَ اللهُ مَا تُخفونَ فانكشفَتْ … يا وَيَلكم أيُّ خاف ليس يَنكشِفُ؟
لقد هَممتُمْ بمن لاحَيَّ يَعدِلُه … إن نُوزِعَ المجدُ بين الناسِ والشرفُ
يا ويلَ من ظن أن الله يَخذُلُه … أنه من يمينِ اللهِ يُختَطَفُ
يا كعبُ ما لَكَ تُؤذيهِ وتُنكِرُه … ما الوُلوعُ بقولِ الزورِ والشغَفُ
جعلتَ مالَكَ للأحبارِ مفسدةً … يُمتاحُ فيها الأذَى حينًا ويُغتَرفُ (^٢)
رَمَوْك بالحق لما رُحتَ تسألُهم … وأعلنوا من يقينِ الأمرِ ما عَرَفوا
فقلتَ: عُودوا فما عندِي لكم صِلَة … جَفَّ المَعِينُ فلا قَصْدٌ ولا سَرَفُ
حَسْبِي الحقوقُ فمالِي لا يجاوزُها … إلى الفُصولِ وما عن ذاكَ مُنصرَفُ
عادوا يقولونَ: ما أشقاهُ من رَجُلٍ … لا يرتضِي القولَ إلا حينَ ينحرِفُ
ثم انثَنَوا ينطقون الزورَ فانقلبوا … بالمالِ يَصدِفُ عنه المعشرُ الأُنُفُ (^٣)
بئسَ العطاءُ وبِئسَ القومُ أمرُهُم … وأمرُ سيدهم في الغَي مُؤتلِفُ
هُمُ اليهودُ، لَو أنَّ المالَ لاح لهم … في عَيْنِ مُوسى كليم اللهِ ما صَدَفوا
_________________
(١) الأستار.
(٢) جاءه أحبار اليهود، ليأخذوا صِلَتهم على عادتهم، فقال لهم: ما عندكم من أمر هذا الرجل "النبي"؟! قالوا: هو الذى كنا ننتظره، ما أنكرنا من نعوته شيئًا!!. قال: قد حُرِمْتُمْ كثيرًا من الخير، ارجعوا إلى أهليكم، فإن الحقوق في مالي كثير!!. فرجعوا عنه خائبين، ثم رجعوا إليه وقالوا: إنا عجلنا فيما أخبرناك به، وليس هو المنتظر!!. فرضي عنهم، ووصلهم، وجعل لكل من تابعهم من الأحبار شيئًا من ماله. وَمَتَحَ الْمَاءَ وامْتَاحَهُ: نَزَعهُ.
(٣) جمع أُنوف، وهو: الشديد الأنفة.
[ ١ / ٣٠٧ ]
هبَّ ابنُ مسلمة للحق يَنصرُه … وللرسولِ يُريه كيفَ يَزدهِفُ (^١)
فقال: دُونكَ سعدًا إن هممتَ بها … شَاوِرْهُ فيها فِنِعمَ الحاذقُ الثقِفُ (^٢)
قَضى ثلاثةَ أيامٍ على سَغَبٍ … وللمُجَرِّبِ ذي التدبيرِ ما يَصِفُ
وجاءَ في صَحْبهِ يستأذنون على … تَقْوَى من الله ما مالوا ولا جَنَفُوا
قال الرسولُ لكمُ في القولِ مأرِبُكم … ماذا على الدار مما يُوهِمُ الصدَفُ
هيَ القلوبُ فإن طابتْ سَرائرُها … فما بأفواهِكم عَيْبٌ ولا نَطَفُ (^٣)
* * *
مَضوا فقالوا لكعبٍ: أنت مَوئلنا … أنت الحِمى المُرتجى في الأزْل والكَنَفُ (^٤)
أما ترانا جِياعًا لا طعامَ لنا … حتى لقد كادَ يَغْشَى أهلَنا التلَفُ
لم يُبقِ صاحِبُنا شيئًا نَعيشُ بهِ … فالزادُ مَنتَهبٌ والمالُ مُجتَرَفُ (^٥)
إن أنتَ أسلفتَنا ما نَستعيدُ به … رُوحَ الحياةِ فَغَيْثٌ ودْقُهُ يَكِفُ (^٦)
قال: الحلائلُ رَهْنٌ لا طعامَ لكم … إلا بهن فقالوا: مطلبٌ قُذُفُ (^٧)
_________________
(١) ازْدَهَفَ الأمرَ: تقحم فيه، وَالْحِمْلَ: احتمله، والشيءَ: ذهب به وأهله، وللكلمة معانٍ أخرى.
(٢) الحاذقُ والثَّقِفُ بمعنى.
(٣) النطف: العيب والشر والفساد.
(٤) الأزل -بسكون الزاي-: الشدة والضيق.
(٥) اجترف: ذهب به كله أو معظمه.
(٦) الودق: المطر. ووكف: سأل قليلًا قليلًا.
(٧) القذف من الأمكنة والمواضع: ما يُزلُّ عنه ويُهْوَى، والشيء يبعد ويتقاذف.
[ ١ / ٣٠٨ ]
تأبَى علينا سَجايانا ويمنعُنا … هذا الجَمالُ أُوتيتَ والترَفُ
قال: البنونَ فقالوا: لا تَكُنْ عَسِرًا … البؤسُ أهونُ مما رُمْتَ والشظَفُ
خُذِ السلاحَ وإن كلفتنا شَططًا … إن الشدائدَ فيها تَسْهُلُ الكُلَفُ (^١)
لم يَدْرِ مأربَهم إذ يسخرونَ بهِ … وإذ يُريدونَها دَهماءَ تُلتَحَفُ (^٢)
قال: ارتضيتُ فقالوأ: غُمةٌ ذَهبت … عنا غياهِبُها وَانْجَابت السدُفُ (^٣)
وَأَرْجَؤُو إلى إبانِ مَوْردِه … يَعُبُ من سُمِّهِ المُردِي ويَرتشِفُ (^٤)
جاؤوه بالليلِ مَسرورًا بغرفته … وليس يُنْجِي الفتى من حَتفِه الغُرَفُ
وَرَنَّ صَوتُ أخيهِ عندَ مضجعهِ: … اخْرج إلينا أما تَنْفَكُّ تَعْتَكِفُ؟
فَهبَّ يركضُ، وَارْتاعتْ حَلِيلَتُه: … مَهْلًا فإن فؤادِي خائِفٌ يَجِفُ (^٥)
أنت امرؤٌ ذُؤ حروبٍ لا يُلائِمُه … أن يستجيبَ ذَوِي الأضغانِ إن دَلفوا
إني لأسمعُ صَوْتًا لستُ آمَنهُ … كأنه الدمُ يَجرِي أو هُوَ الجَدَفُ (^٦)
قال: اسكنِي ودَعِيني إنه لأخي … يَخْشَى عليَّ فَيرعانِي وينعطِفُ
وراحَ يلقاهُ والإسلامُ مُبتسِمٌ … والشركُ مُتسِمٌ بالحزنِ مُرتجِفُ
_________________
(١) جمع الكلفة: المشقة.
(٢) الدهماء: الداهية.
(٣) السدف: الظُلم، جمع سدفة.
(٤) يعبُّ: يشرب بلا تنفس. والمُردِي: المُهلِك.
(٥) وجف القلب: خفق.
(٦) الجدف: القبر.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَافَاهُ في صَحْبَهِ يُدنِي الخُطَى عَبِقًا … كأنه ذاتُ دَلٍّ زَانها هَيَفُ (^١)
قالوا أتمشِي إلى شِعبِ العجوزِ ففي … هذا الخلاء جنًى للنفس يُخْتَرفُ (^٢)
وَانْظُرْ إلى القمرِ الزاهِي وبَهجتِه … وَاعْجَبْ له بعد هذا كيفَ يَنكسِفُ
* * *
ساروا إلى الشِّعبِ والأقدارُ تَتبعُهم … على هُدى اللهِ ما زَاغْت ولا اعْتَسَفوا
حتى إذا قعدوا ظَلتْ بموقِفها … وَأَقْبَلَ الموتُ عن أيمانِها يَقِفُ
وتِلكَ كفُّ أخيهِ فَوْقَ مَفْرقِه … كأنها من جَنيِّ الزهرِ تَقتَطِفُ
يَشُمها ويقولُ القولَ يَخدَعُه … في الطيبِ وَهْوَ له من خلفهِ هَدَفُ
ظَلتْ سيوفُ رسولِ اللهِ تأخذُهُ … تَشُقُّ ما ضربت منه وتَنْتَقِفُ (^٣)
يا حُسنَها صَيحةً مِن فيه يُرسِلُها … كادتْ تَخِرُّ لها من دارهِ السقُفُ
لم تستطع عُرْسُه صَبْرًا فجاوَبها … صَوْتٌ يُجِلجِلُ أودَى السيدُ اللقِفُ (^٤)
بَنِي قَريظةَ هُبُّوا من مَضَاجِعكم … بني النضيرِ انْفِرُوا للثأرِ وَازْدَلِفُوا
عَدا الرجالُ على كعبٍ فوالهفا … أين الحُماةُ وماذا يَصنع اللهَفُ
تَبكِي عليه وماذا بعدَ مصرعِه … إلا البكاءُ وإلا الأدمعُ الذُّرُفُ
إن الذي كان يَثْنِي عِطفَهُ صَلَفًا … أمسى صَرِيعًا فلا كبْرٌ ولا صَلَفُ
_________________
(١) العَبِق: الذى تفوح منه رائحة الطيب. والدلُّ: الدلال، والهَيف: ضمور البطن ورقَّة الخَصرْ.
(٢) اخترف الثمر: جناه.
(٣) نَقَفَ الشيءَ أو انْتَقَفَهُ، بمعنى: شقه، وكان محمد بن مسلمة ابن أخيه من هذه الناحية.
(٤) العرس: امرأة الرجل. واللقف: الحاذق.
[ ١ / ٣١٠ ]
عادوا بهامتِه تُلقَى مُذْممةً … عندَ الرسولِ ومنه الصَّدُّ والنكَفُ (^١)
طار اليهودُ على آثارهم فأبَتْ … أنَ يُدركوا همَمٌ تَرْمِي بهم عُصُفُ
الله أكبرُ والحمدُ الجزيلُ له … نَصرٌ جديدٌ وفضلٌ منهُ مؤتَنَفُ (^٢)
رِيعَتْ يهودُ فجاءَتْ تَبتغِي حِلفًا … عُودِي يَهودُ فنعمَ العهدُ والحَلِفُ (^٣)
هَيهاتَ مالكِ من عهدٍ ولو حَمَلَتْ … مِلءَ البسيطةِ من أيْمانِكِ الصحفُ
عَبَّادُ قُلْ إن في الأشعارِ تذكرةً … وإن أحسنها ما أورثَ السلَفُ (^٤)
غَنِّ الرفاقَ بِوَحي الحق تُنشِدُه … مَضَى النعيبُ وأودَى الشاعِرُ الخَرِفُ (^٥)