* قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
* وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٠ - ١٨].
أنوارٌ تَشعُّ من المجال العُلويِّ الذي تقعُ فيه الأحداثُ النُّورانيَّةُ والمَشَاهدُ الربَّانية .. نَعيشُ لحظاتٍ من ذلك الأفق الوضيءِ المرفرفِ الذي عاش فيه قلبُ رسولنا العظيم - ﷺ -، ونَرِفُّ بأجنحةِ النور المنطلقةِ إلى ذلك الملأ الأعلى .. نَعيشُ لحظاتٍ مع قلبِ نبيِّنا محمدٍ - ﷺ - مكشوفةٍ عنه
_________________
(١) "مدارج السالكين" (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤).
[ ١ / ٦٧ ]
الحجب، مُزاحةٍ عنه الأستار، يتلقى من الملأ الأعلى، يَسمعُ ويرى، ويَحفظُ ما وَعَى، وهي لحظاتٌ خُصَّ بها ذلك القلبُ المصفَّى.
هي عِيانٌ مشهود، ورؤيةٌ محقَّقه، ويَقينٌ جازم، واتِّصالٌ مباشر، وقُربٌ من عَرشِ الرحمن فوقَ طاقتِنا أن نُدرِكَ كيفيتَه، ومعرفةٌ مؤكدة عُلْوِيَّة، وصحبةٌ محسوسة، ورِحْلةٌ واقعيةٌ بالرُّوح والجَسَد.
قصة الإسراء والمعراج هي من خصائصِ نبينا محمدٍ - ﷺ -، هذا النَّجمُ الإنسانيُّ العظيمُ، والنورُ لهداية العالَم في حَيْرَة ظُلماته النفسيَّة.
وقد حار المفسِّرون في حِكمةِ ذِكر "الليل" في آية "الإسراء" من قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية، فإن السُّرَى في لغة العرب لا يكون إلاَّ ليلًا!.
والحكمةُ هي الإشارةُ إلى أنَّ القصةَ قصَّةُ "النَّجمِ" الإنسانيِّ العظيمِ الذي جَمَع بين إنسانيته ورَفرفةِ قلبِه النُّورانيةِ في هذه المعجزة، ويُتمِّمُ هذه العجيبةِ أن آياتِ "المعراج" لم تجيء إلاَّ في سورة "النجم"!.
وعلى تأويل أن ذِكرَ "الليل" إشارةٌ إلى قصة النجم، تكونُ الآيةُ برهانَ نفسِها، وتكونُ في نَسَقِها قد جاءت معجزةً من المعجزات البيانيَّة.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فإنها بهذه العبارة نصٌّ على إشراف النبي - ﷺ - فوقَ الزمانِ والمكان يرى بغير حِجاب الحواسِّ مما مَرْجِعُه إلى قُدرة الله لا قُدرةِ نفسِه، بخلافِ ما لو كانت العبارةُ "ليرى من آياتنا"؛ فإن هذا يجعلُه لنفسه في حدودِ قوَّتها وحواسِّها وزمانها ومكانها، فيضطربُ الكلام، ويتطرَّقُ إليه الاعتراضُ، ولا تكون ثَمَّ معجزةٌ.
[ ١ / ٦٨ ]
وتحويلُ فعل "الرؤية" من صيغةٍ إلى صيغة، معجزةٌ أخرى.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دون "بَعَث بعبده" و"أرسل به"، فقوله تعالى يُفيد مصاحبَتَه له في مَسراه؛ فإن "الباء" هنا للمصاحَبة.
فجاز السماءَ السَّبع في بعض ليلةٍ … ولكن بعدَ السَّبعْ أين يَصيرُ؟
فلاحَ له من رفرفِ النورِ لائحٌ … مِن النور للهادي البشيرِ بشيرُ
وشاهَدَ تحت العرشِ كلَّ عجيبةٍ … وما ثَمَّ إلاَّ زائرٌ ومزورُ
حبيبٌ تملَّى بالحبيب فخصَّه … وشرَّفه بالقربِ وهو جديرُ
والقصةُ بعد ذلك تُثبت أن هذا الوجودَ يَرقُّ وينكشفُ ويستضيءُ كلما سما الإنسانُ برُوحه، وهي من ناحيةِ النبي - ﷺ - قصةٌ تصفُه بخصائصِه في عظمتِه كما رأى ذاتَه في ملكوت الله .. ومن ناحيةِ كلِّ مسلمٍ مِن أتباعه هي كالدرس في أن يكونَ لقلبِ المؤمن مِعراجٌ سماويٌّ فوقَ هذه الدنيا، ليشهدَ ببصيرته أنوارَ الحقِّ وجمالَ الخير، فيكونَ بتدبُّره القصةَ كأنما يَصعَدُ إلى السماء وينزل.
* ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾:
أقسم سبحانه بالكتاب وآلتِه، وهو القلم الذي هو أحدى آياتِه وأولُ مخلوقاتِه الذي جرى به قَدَرُه وشَرْعُه وكُتِبَ به الوحي، وقُيِّد به الدِّين، وأُثبتت به الشريعة، وحُفِظت به العلوم .. وأقام في الناس أبلغَ خطيبٍ وأفصَحَه، وأنفعَه لهم وأنصحَه، وواعظًا تَشفي مواعظُه القلوبَ من السَّقَم، وطبيبًا يُبرِئُ بإذنه من أنواع الألم، يَكسر العساكرَ العظيمةَ على أنه الضعيفُ الوحيد، ويَخاف سطوتَه وبأسَه ذو البأس الشديد .. وبالقلم تُدَبَّرُ
[ ١ / ٦٩ ]
الأقاليمُ وتُسَاسُ الممالكُ .. والقلمُ لسانُ الضمير، يُناجيه بما استتر عن الأسماع، فيَنسُجُ حُلَلَ المعاني على القِرطاس، فتعودُ أحسنَ مِنَ الوَشْي المرقوم، وُيودِعُها حِكمهً فتصير بوادرَ الفهوم .. والأقلامُ نظيرٌ للأفهام، وكما أن اللسانَ بريدُ القلب، فالقلمُ بريد اللسان، وتولُّدُ الحروفِ المسموعة عن اللسان كتولُّد الحروفِ المكتوبة عن القلم، والقلمُ بريدُ القلب ورسولُه وترجمانُه ولسانُه الصامت.
والمقسَمُ عليه بالقلم والكتابةِ في هذه السورة تنزيهُ نبيِّه ورسولِه - ﷺ - عمَّا يقولُ فيه أعداؤه، وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، وأنت إذا طابقْتَ بين هذا القَسَم والمقسَمِ به وجدتَهَ دَالاًّ علَيه أظهرَ دلالةٍ وأبْيَنها، فإنَّ ما سَطَّر الكاتبُ بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقَّاها البشرُ بعضُهم عن بعضٍ لا تصدرُ عن مجنون، ولا تصدرُ إلاَّ من عقلٍ وافرٍ، فكيف يَصدرُ ما جاء به الرسولُ - ﷺ - مِن هذا الكتابِ- الذي هو في أعلى درجات العلوم-؟ بل العلوم التي تَضمَّنها ليس في قوى البشر الإِتيانُ بها، ولا سيَّما مِن أُمِّيٍّ لا يقرأُ كتابًا ولا يَخُطُّه بيمينه، مع كونه في أعلى الفصاحة، سليمًا من الاختلاف، بَرِيًّا من التناقض، يَستحيلُ من العقلاء كلِّهم لو اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ أن يأتوا بمثله، ولو كانوا في عقل رَجُلٍ واحدٍ منهم، فكيف يتأتَّى ذلك من مجنونٍ لا عقلَ له يُميِّزُ به ما عَسى كثيرٌ من الحيوانِ أن يُميِّزه، وهل هذا إلاَّ مِن أقبحِ البُهتانِ وأظهرِ الإِفك؟!.
فتأمَّلْ شهادةَ هذا المقسَمِ به للمقسَم عليه ودلالتَه عليه أتمَّ دلالة، ولو أنَّ رجلًا أنشأ رسالةً واحدةً بديعةً منتظمةَ الأول والآخر، متساويةَ الأجزاءِ يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، أو قال قصيدةً كذلك، أوْ صَنَّف كتابًا كذلك، لشهد
[ ١ / ٧٠ ]
له العقلاءُ بالعقل، ولما استجاز أحدٌ رَمْيَه بالجنون مع إمكان -بل وقوع- معارضتها ومشاكلتها والإتيانِ بمثلها أو أحسنِ منها، فكيف يرمَى بالجنون مَن أَتَى بما عَجَزتِ العقلاءُ كلُّهم قاطبةً عن معارضته ومماثلته، وعرَّفهمِ من الحق ما لا تهتدي عقولُهم إليه، بحيث أذعنت له عقولُ العقلاء، وخَضعت له ألبابُ الأولياء، وتلاشت في جَنب ما جاء به بحيث لم يَسَعْها إلاَّ التسليم له والانقيادُ والإذعان، طائعةً مختارةً، وهي ترى عقولَها أشدَّ فقرًا وحاجةً إلى ما جاء به، ولا كمالَ لها إلاَّ بما جاء به؟ فهو الذي كمَّل عقولَها كما يَكمُلُ الطفل برَضاع الثدي، ولهذا فإنَّ أتباعَه أعقلُ الخلق على الإطلاق، وهذه مؤلَّفاتهم وكُتبُهم في الفنون، إذا وازَنْتَ بينها وبين مؤلفاتِ مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها، ويكفي في عقولهم أنهم عَمَّروا الدنيا بالعلم والعدل، والقلوبَ بالإيمان والتقوى، فكيف يكونُ مَتْبوعُهم مجنونًا وهذا حالُ كتابِه وهَديه وسِيرته وحالُ أتباعه؟!! وهذا إنما حَصَل له ولأتباعه بنعمةِ الله عليه وعليهم، فنفى عنه الجنونَ بنعمته عليه.
إن هذه الصفةَ المفتراةَ لا تجتمع مع نعمةِ الله على عبدٍ نَسَبه الله إليه وقرَّبه واصطفاه.
إن العَجَبَ ليأخذ كلَّ دارسٍ لسيرةِ الرسول - ﷺ - في قومه من مَقولتهم هذه عنه، وهم الذين عَلِموا منه رَجاحةَ العقل حتى حَكَّموه بينهم في رَفع الحَجَرِ الأسود قبل النبوَّة بأعوامٍ كثيرة، وهم الذين لقَّبوه بالأمين.
إن الإِنسانَ ليأخذُه العَجَبُ أن يَبلغَ الغيظُ بالناس إلى الحدِّ الذي يَدفعُ مشركي قريش إلى أن يقولوا هذه القَوْلةَ وغيرَها عن هذا النبي الرفيع الكريم - ﷺ -، المشهورِ بينهم برجاحةِ العقل وبالخُلُق القويم، ولكنَّ الحقدَ يُعمي
[ ١ / ٧١ ]
ويُصِمُّ، والغرضُ يَقذف بالفرْية دون تحرُّج! وقائلُها يعرفُ قبل كلِّ أحد أنه كذاب أثيم!.
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .. هكذا في عطفٍ وفي إيناسٍ وفي تكريم، رَدًّا على ذلك الحقدِ الكافر، وهذا الافتراءِ الذميم.
* ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، لستَ مجنونًا كما قال أعداؤك، لكن عندك دَواءُ المجنون، فالمجنونُ الطائشُ والسفيهُ التافهُ مَن خالَفَك وعصاك وحارَبَك وجفاك.
* ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، وكيف يكونُ ذلك وأنت أكمَلُهم عقلًا، وأتمُّهم رُشْدًا وأسدُّهم رأيًّا، وأعظمُهم حِكمةً، وأجلُّهم بصيرةً!.
كيف تكون مجنونًا وأنتَ أَتيْتَ بوحيٍ يكشف الزَّيغَ، ويزيل الضلال، وَينسِفُ الباطل، ويمحو الجهلَ، ويَهدي العقل، ويُنير الطريق!.
لستَ مجنونًا لأنك على هُدًى من الله، وعلى نورٍ من ربِّك، وعلى ثقةٍ من منهجك، وعلى بيِّنةٍ من دينك، وعَلَى رُشدٍ من دعوتك، صانك اللهُ من المجنون، بل عندك كلُّ العقل، وأكمل الرُّشد، وأتمُّ الرأي، وأحسنُ البصيرة، فأنت الذي يَهتدِي بك العقلاء، ويَستضيءُ بحكمتك الحكماء، ويَقتدي بك الراشدُون المهديُّون.
كَذَب وافترى مَن وَصَفك بالجنون، وقد ملأت الأرضَ حِكمةً، والدنيا رَشَدًا، والعالَمَ عَدْلًا، فأين يُوجد الرَّشَدُ إلاَّ عندك؟ وأين تكونُ الحكمةُ إلاَّ لديْك؟ وأين تحِلُّ البَرَكة إلا معك؟ أنت أعقلُ العقلاء، وأفضلُ النُّبلاء، وأجلُّ الحكماء.
كيف يكونُ محمدٌ مجنونًا، وقد قدَّم للبشرية أحسنَ تراثٍ على وجهِ
[ ١ / ٧٢ ]
الأرض، وأهدَى للعالَم أجلَّ تَرِكةٍ عَرَفها الناس، وأعطى الكونَ أبركَ رسالةٍ عرفها العقلاء؟! ..
أخوك عيسى دَعَا مَيْتًا فقامَ لهُ … وأنتَ أحْيَيْت أجيالًا مِن الرِّمَم (^١)
* ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣]:
إن لك لأجرًا دائمًا موصولًا، لا ينقطع ولا ينتهي، أجرًا عند ربك الذي أنعم عليك بالنبوة ومقامها الكريم.
هذا الأجر العظيم لا ينقطع ما تردَّد نَفَسٌ في جَنْبِ مسلم يعيشُ في دار الدنيا، والداعي إلى الخير له مِثلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبعه، فكيف ينقطعُ أجرُ رسول الله - ﷺ - وله مِثلُ أجورِ ثُلُثَيْ أهل الجنة؟! فـ "أهلُ الجنَّة مئةٌ وعشرون صفًّا، أمتي منهم ثمانون صفًّا" (^٢)، كما قال - ﷺ -.
فأيُّ إيناسٍ وتَسريةٍ وتعويضٍ فائضٍ غامرٍ عن كلِّ حرمانٍ وعن كلِّ جَفْوةٍ وعن كلِّ بُهتانٍ يَرميه به المشركون!! وماذا فَقَد مَن يقول له ربُّه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾؟ في عطفٍ وفي مَوَدَّةٍ وفي تكريم.
* ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]:
° قال ابن عباس ومجاهد: "لَعلَى دينٍ عظيم، لا دينَ أحبُّ إليَّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإِسلام".
° وقال الحسن: "هو آدابُ القرآن".
° وقال قتادة: "هو ما كان يأمرُ به من أمر الله، وينهى عنه مِن
_________________
(١) "محمد - ﷺ - كأنك تراه" (ص ٦٨ - ٦٩).
(٢) صحيح: رواه أحمد والحاكم والطبراني وأبو يعلى والبزار .. وصححه الألباني وشعيب الأرنؤوط.
[ ١ / ٧٣ ]
نَهيِ الله، والمعنى: إنك لعلى الخُلُق الذي آثرك اللهُ به في القرآن" (^١).
• وفي "الصحيحين" أن هشامَ بنَ حكيم سأل عائشة - ﵂ - عن خُلُق رسول الله - ﷺ -، فقالت: "كان خُلُقه القرآن" .. فقال: "لقد هَمَمْتُ أن أقومَ ولا أسألَ شيئًا" (^٢).
وهذه من أعظمِ آياتِ نبوَّته ورسالتِهِ، لمن مَنَحه اللهُ فهمًا، فقد كانت أخلاقُ النبي - ﷺوهي أزكى الأخلاقِ وأشرفُها وأفضلُها-، مقتبَسةً من مِشكاةِ القرآن.
فترجمت أمُّ المؤمنين عائشة - ﵂لكمالِ معرفتها بالقرآن وبالرسول - ﷺ -، وحُسنِ تعبيرها- عن هذا كلِّهَ بقولها: "كان خلقُه القرآن"، وفَهِم هذا السائلُ لها عن هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى.
فإذا كانت أخلاقُ العباد، وعلومُهم، وإراداتُهم، وأعمالُهم مستفادةً من القلم وما يَسطُرون، وكان في خَلْق القلم والكتابة إنعامٌ عليهم وإحسانٌ إليهم، إذْ وَصَلوا به إلى ذلك، فكيف يُنكِرون إنعامَه وإحسانَه على عبده ورسوله - ﷺ - الذي أعطاه أعلى الأخلاق، وأفضلَ العلوم والأعمالِ والإِراداتِ التي لا تهتدي العقولُ إلى تفاصِيلها من غيرِ قلم ولا كتابة؟! فهل هذا إلاَّ مِن أعظمِ آيات نُبُوَّته وشواهدِ صدق رسالته؟!.
* ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]:
تجيءُ الشهادةُ الكبرى والتكريمُ العظيم، وتتجاوبُ أرجاءُ الوجود بهذا
_________________
(١) "التبيان في أقسام القرآن" لابن قيم الجوزية (٢٠٦ - ٢٠٩).
(٢) رواه مسلم (٢/ ٣٩٦) في صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل والوتر .. وكذا أبو داود (١/ ٢٤٩) في الصلاة، باب: في صلاة الليل.
[ ١ / ٧٤ ]
الثناء الفريد على النبي الكريم - ﷺ -، ويَثْبُتُ هذا الثناءُ العُلويُّ في صميم الوجود! وَيعجزُ كلُّ قلم، ويعجِزُ كلُّ تصوَّرٍ عن وصفِ قيمة هذه الكلمة العظيمة من ربِّ الوجود، وهي شهادةٌ من الله، في ميزان الله، لعبد الله، يقولُ له فيها: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ومدلولُ هذا الخُلق العظيم هو ما عند الله مما لا يبلغُ إلى إدراك مَداه أحدٌ من العالمين!.
ودلالةُ هذه الكلمةِ العظيمةِ على عظمةِ النبيِّ محمد - ﷺ - تَبْرُزُ مِن نواحٍ شتَّى:
° تَبرزُ من كونها كلمةً من الله الكبير المتعال، يُسجِّلُها في ضميرِ الكون، وتَثبُتُ في كِيانه، وتتردَّد في الملأ الأعلى ما شاء الله.
° وتبرزُ من جانبٍ آخَرَ في إطاقةِ محمد - ﷺ - لتلقِّيها، وهو يعلمُ من ربُّه هذا، قائلُ هذه الكلمة، ما هو؟ ما عظمتُه؟ ما دلالةُ كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلمُ مَنْ هو إلى جانبِ هذه العظمةِ المطلقةِ التي يُدرِكُ هو منها ما لا يُدرِكُه أحدٌ من العالمين.
إنَّ إطاقةَ محمدٍ - ﷺ - لِتَلَقِّي هذه الكلمةِ من ربِّه العظيم، وهو ثابتٌ لا يَنسحقُ تحت ضغطِها الهائل -ولو أنها ثناءٌ-، ولا تتأرجحُ شخصيته تحتَ وقعها وتضطرب .. تَلقِّيه لها في طُمأنينة، وفي تماسُك، وفي توازن .. هو ذاتُه دليلٌ على عظمةِ شخصيته فوقَ كلِّ دليل.
ولقد رُويت عن عَظَمةِ خُلُقه في السيرة، وعلى لسانِ أصحابِه رواياتٌ مُنَوَّعةٌ كثيرة، وكان واقعُ سيرته أعظمَ شهادةٍ مِن كُلِّ ما رُوِي عنه، ولكنَّ هذه الكلمةَ أعظمُ بدلالتها من كلِّ شيءٍ آخر، أعظمُ بصدورها عن العليِّ الكبير، وأعظمُ بتلقِّي محمدٍ لها وهو يَعلمُ مَنْ هو العليُّ الكبير، وبقائه
[ ١ / ٧٥ ]
بعدها ثابتًا راسخًا مطمئنًا، لا يتكبَّر على العباد، ولا ينتفخُ، ولا يتعاظم، وهو الذي سَمع ما سَمع من العليِّ الكبير!.
واللهُ أعلم حيث يجعلُ رسالته، وما كان إلاَّ محمد - ﷺبعظمةِ نفسِه هذه- مَن يَحملُ هذه الرسالةَ الأخيرةَ بكلِّ عظمتها الكونيةِ الكبرى، فيكون كُفئًا لها، كما يكونُ صورةً حيَّةً منها.
إن هذه الرسالةَ من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدقِ والحقِّ، بحيث لا يَحملُها إلاَّ الرجلُ الذي يُثني عليه اللهُ هذا الثناء، فتُطيقُ شخصيتُه كذلك تلقِّي هذا الثناء، في تماسُكٍ وفي توازن، وفي طمأنينة؛ طمأنينةِ القلبِ الكبير الذي يَسَعُ حقيقةَ تلك الرسالةِ وحقيقةَ هذا الثناء العظيم.
إنَّ حقيقةَ هذه النفسِ من حقيقةِ هذه الرسالة، وإنَّ عَظَمة هذه النَّفُس من عظمة هذه الرسالة، وإن قَدْر رسول الله - ﷺ - كقَدْر الإسلام لأَبعدُ من مَدَى أيِّ مِجهر يملكه بَشَر، وقُصارى ما يَملكُه راصدٌ لعظمة هذه النفسِ أن يراها ولا يُحدِّد مداها، وأن يشيرَ إلى مسارها دونَ أن يستطيعَ أن يحدد هذا المسار!.
ومرةً أخرى يَجدُ المرء نفسَه مشدودًا للوقوفِ إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقِّي رسول الله - ﷺ - لهذه الكلمةِ من ربِّه، وهو ثابتٌ راسخٌ متوازنٌ مطمئنُّ الكيان .. لقد كان - ﷺوهو بَشَر- يثني على أحد أصحابه، فيهتز كيانُ صاحِبه هذا وأصحابِه مِن وَقْعِ هذا الثناءِ العظيم .. وهو بَشرٌ وصاحبه يَعلَم أنه بشر، وأَصحابه يدرِكون أنه بَشر، إنه نبيٌّ نعم، ولكن في الدائرة المعلومة الحدود، دائرةِ البشرية ذاتِ الحدود .. فأمَّا هو فيتلقَّى هذه
[ ١ / ٧٦ ]
الكلمةَ من الله، هو بخاصةٍ يعلمُ مَن هو الله! هو يعلمُ منه ما لا يعلمُه سواه، ثم يصطبر ويتماسَكُ ويتلقَّى ويَسير .. إنه أمرٌ فوقَ كلِّ تصوُّر وفوقَ كل تقدير!!! إنه محمد - ﷺوحدَه- هو الذي يَرقَى إلى هذا الأُفق من العظمة .. إنه محمدٌ نبي الله - ﷺوحده- هو الذي يَبلغُ قمَّة الكمالِ الإنسانيِّ، إنه سيّدُ البشر محمد - ﷺوحده- هو الذي يُكافئُ هذه الرسالةَ الكونيةَ العالميةَ الإنسانية، حتى لتتمثل في شخصية حيَّة تمشي على الأرض في إهابِ إنسان .. إنه محمد - ﷺوحده- الذي علم الله منه أنه أهلٌ لهذا المقام، واللهُ أعلم حيث يجعلُ رسالته، وأعلن في هذه أنه على خُلُق عظيم، وأعلن في الأخرى أنه -جلَّ شأنُه وتقدَّست ذاته وصفاته- يُصلِّي عليه هو وملائكتُه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهو -جل شأنُه- وحده القادرُ على أن يَهَبَ عبدًا من عبادِه ذلك الفضلَ العظيم.
* ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو الكسائي: (بِظَنين) بالظاء .. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة (بِضَنين) بالضاد.
والمقصود هنا رسول الله - ﷺ -.
لقد نَزَّه اللهُ رَسُولَيْه: المَلَكيَّ جبريلَ، والبشريَّ رسولَ الله - ﷺ - عَمَّا يُضَادُّ مقصودَ الرسالة من الكتمان الذي هو الضنَّة والبُخل، والتبديلُ، والتغييرُ الذي يُوجبُ التهمة، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، فإنَّ الرسالةَ لا يتمُّ مقصودُها إلاَّ بأَمْرَين: أدائها من غير كتمان، وأدائها على
[ ١ / ٧٧ ]
وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصان.
والقراءتان كالآيتيْن، فتضمَّنت إحداهما -وهي قراءة الضاد- تنزيهَه عن البخل، فإن "الضَّنين" هو البخيل، يُقال: "ضَنِنتُ به، أضنُّ"، بوزن "بخِلت به أبخل" ومعناه.
° قال ابن عباس - ﵄ -: "ليس بخيلًا بما أنزل الله".
° وقال مجاهد: "لا يضنُّ عليهم بما يعلم".
وأجمع المُفَسِّرون على أن "الغيَب" ها هنا: القرآن والوحي.
° وقال الفَرَّاء: "يقول تعالى: يأتيه غيَبُ السماء وهو منفوسٌ فيه، فلا يَضِنُّ به عليكم .. وهذا معنًى حسنٌ جدًّا، فإن عادةَ النفوسِ الشُّحُّ بالشيءِ النفيس، ولا سيما عمن لا يَعرفُ قَدْره، ويذمُّه ويذمُّ مَن هو عنده، ومع هذا فالرسولُ لا يبخلُ عليكم بالوحي الذي هو أنفسُ شيءٍ وأَجَلُّه".
° وقال أبو علي الفارسي: "المعنى: يأتيه الغيبُ فيُبيِّنه ويُخبرُ به وُيظهِرُه، ولا يَكتمُهُ كما يكتمُ الكاهنُ ما عنده، ويُخفيه حتى يأخذَ عليه حُلوانًا.
° وفيه معنًى آخر، وهو: أنه على ثقةٍ من الغيب الذي يُخبِرُ به، فلا يخافُ أن يَنتقضَ، ويظهرَ الأمر بخلافِ ما أخبر به، كما يَقعُ للكُهَّان وغيرهم مِمَّنْ يُخبر بالغيب، فإنَّ كَذِبَهم أضعافُ صِدقِهم، وإذا أَخْبَرَ أحدُهم بخبرٍ لم يكن على ثقةٍ منه، بل هو خائفٌ من ظهور كَذِبه، فإقدامُ هذا الرسول على الإخبار بهذا الغَيب العظيم واثِقًا به، مُقيمًا عليه، مُبْدِيًا له في كلِّ مَجْمع، ومُعِيدًا مُناديًا به عَلى صِدْقه، مُجْلِبًا به على أعدائه: مِن
[ ١ / ٧٨ ]
أعظم الأدِلة عَلى صِدْقه.
° وأمَّا قراءةُ من قرأ (بظنين) بالظاء، فمعناه: المُتَّهَم، يُقال: "ظننت زيدًا" بمعنى: اتَّهَمْتُه، وليس من الظنِّ الذي هو الشعورُ والإدراك، فإن ذاك يتعَدَّى إلى مَفْعُولَيْن.
والمعنى: وما هذا الرسولُ على القرآن بمُتَّهم، بل هو أمينٌ لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُص؛ وهذا يدل على أن الضميرَ يرجعُ إلى محمد - ﷺ -؛ لأنه قد تقدم وَصفُ الرسولِ المَلَكي بالأمانة، ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، أي: وما صاحبكم بمُتَّهم، ولا بخيل.
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنييْن:
أحدهما: أن الكُفار لم يُبَخِّلوُه، وإنما اتَّهموه، فنفيُ التُّهمةِ أَوْلَى مِن نَفْي البُخل.
الثاني: أنه قال: ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾، ولو كان المراد البخلُ لقال: "بالغيب"؛ لأنه يُقال: فلان ضنين "بكذا"، وقلَّما يُقال: "على كذا".
° قلتُ: وُيرجِّحه أنه وَصَفه بما وَصَف به رسولَه المَلَكِي من الأمانة، فنَفَى عنه التُّهْمةَ كما وَصَف جبريلَ بأنه أمين.
وُيرجِّحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسامَ الكَذِب كلَّها عمَّا جاء به من الغيب، فإن ذلك لو كان كذِبًا، فإمَّا أن يكونَ منه، أوْ ممَّن عَلَّمه، وإن كان منه، فإمَّا أن يكون تعمَّده أو لمْ يتعمَّدْه، فإن كان من مُعَلِّمِه، فليس هو بشيطان رَجيم، وإن كان منه مع التَّعَمُّد فهو المُتَّهم ضدُّ الأمين، وإن كان عن غير تعمُّد فهو المجنون .. فنفى سبحانه عن رسوله - ﷺ - ذلك كله، وزكَّى
[ ١ / ٧٩ ]
سَنَد القرآن أعظمَ تزكية، فلهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]، ليس تعليمَ الشيطان، ولا يَقدِرُ عليه، ولا يحسُنُ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، فنفى فِعْلَه وابتغاءَه منهم، وقدرَتهم عليه.
وكلّ مَن له أدْنى خِبرةٍ بأحوالِ الشياطين والمجانين والمُتَّهَمِين، وأحوالِ الرُّسل يَعلمُ عِلْمًا لا يُمارِي فيه ولا يشك -بل عِلْمًا ضَرُورِيًّا كسائر الضرورِيَّات- منافاةَ أحدِهما للآخَر، ومضادَّته له، كمنافاةِ أحدِ الضدَّيْن لصاحبه، بل ظهورُ المنافاة بَيْن الأمْرَين للعقل، أَبْيَنُ من ظهورِ المنافاة بين النور والظلمة للبَصَر، ولهذا وَبَّخ سبحانه مَن كَفَر بعد ظهور هذا الفَرْقِ المُبين بين دعوة الرّسل ودعوة الشياطين، فقال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]، قال أبو إسحاق: فأيَّ طريق تسلكون أَبْيَنَ من هذه الطريق التي بَيَّنت لكم؟، وقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]، وقال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].
فالأمر منحصرٌ في الحق والباطل، والهدى والضلال (^١) .. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
* * *
_________________
(١) انظر "التبيان في أقسام القرآن" لابن القيم (١١٤ - ١٣٠).
[ ١ / ٨٠ ]