° عن أبي ذرٍّ - ﵁ - قال: "نَزَلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، في سِتةٍ من قريش: عليٍّ وحمزةَ وعُبيدةَ بن الحارث، وشَيبةَ بنِ ربيعة وعتبة بنِ ربيعة والوليد بن عتبة" (^٣).
* وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
° قال مجاهد: "عتبة بنُ ربيعة من مكة، وابن عَبد ياليلَ الثقفي من
_________________
(١) هما عقبة والنضر.
(٢) "البداية والنهاية" (٥/ ١٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٨/ ٢٩٨)، وفي "التفسير" (١٠/ ٥٩)، ومسلم (١٨/ ١٦٦)، وابن ماجه رقم (٢٨٣٥)، والطالسي (٢/ ٢١)، وابن سعد (٢/ ١٠)، وابن جرير (١٧/ ١٣١). وليس في الحديث اضطراب انظر مقدمة "الفتح" (٢/ ١٣٢)، و"فتح البارى" (١٠/ ٥٩،٦٠) وهذا الحديث مما انتقده الدارقطني على البخاري وذهب إلى اضطراب الحديث؛ لأن أبا مجلز تارة يُحدِّث به عن أبي ذر، وتارة يحدِّث به من قوله. قال النووي (١٨/ ١٦٦): "لا يلزم من هذا ضعف الحديث واضطرابه؛ لأن قَيسًا سمعه من أبي ذر كما رواه مسلم هنا فرواه عنه وسمع من عليَّ بعضه وأضاف إليه قيس ما سمعه من أبي ذر، وأفتى به أبو مجلز تارة، ولم يقل: إنه من كلام نفسه ورأيه، وقد عملت الصحابة رضوان الله عليهم ومَن بعدهم بمثل هذا فيفتي الإنسان منهم بمعنى الحديث عند الحاجة إلى الفتوى دون الرواية ولا يرفعه، فإذا كان وقت آخر وقصد الرواية رفعه، وذكر لفظه، وليس في هذا اضطراب. والله أعلم اهـ.
[ ١ / ٢٧٤ ]
الطائف" (^١).
° وروى الإمام عبدُ بن حُميد في "مسنده" عن جابر بن عبد الله قال: "اجتمعت قريشٌ يومًا، فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسِّحر والكهانة والشِّعر، فليأتِ هذا الرجلَ الذي فرَّق جماعتَنا، وشتَّت أمرَنا، وعاب دينَنا، فليُكَلِّمْه، ولْينظرْ ماذا يردُّ عليه؟ فقالوا: ما نعلمُ أحدًا غيرَ عتبةَ بنِ ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبةُ فقال: يا محمدُ، أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فسكت رسولُ الله - ﷺ -. قال: فإنْ كنتَ تزعمُ أنَّ هؤلاء خير مِنك، فقد عَبَدوا الآلهةَ التي عِبتَ، وإن كنتَ تزعمُ أنك خيرٌ منهم فتكلَّم حتى يُسمعَ قولك، إنا واللهِ ما رأينا سَخلةً (^٢) قطُّ أشأمَ على قومه منك، فرَّقت جماعتَنا، وشَتَّت أمرَنا، وعبتَ دينَنا، وفضحتَنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهِنًا، واللهِ ما ننتظرُ إلاَّ مِثلَ صيحةِ الحُبلى أن يقومَ بعضُنا إلى بعضٍ بالسيوف حتى نتفانَى .. أيها الرجل، إِن كان إنما بك الحاجةُ جَمَعْنا لك حتى تكونَ أغنى قريشٍ رجلًا، وإن كان إنما بك الباهُ (^٣) فاختر أيَّ نساءِ قريشٍ شئتَ فَلنُزَوِّجك عَشْرًا، فقال رسول اللهﷺ -: "فرغتَ؟ ". قال: نعم! فقال رسول الله - ﷺ -: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١ - ١٣]. فقال عتبة: حسبُك، ما عندك غيرُ هذا؟ قال: "لا". فرجع إلى قريش ٍ، فقالوا: ما وراءك؟ قال. ما تركت شيئًا أرى أنكم
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢٠/ ٥٨١)، و"تفسير مجاهد" (٥٩٣).
(٢) سخلة: الولد المُحَبَّبُ إلى والِدَيْه.
(٣) الباه: الرغبة في الزواج.
[ ١ / ٢٧٥ ]
تكلِّمونه إلاَّ كلَّمتُه. قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم!. ثم قال: لا والذي نَصَبَها بِنْيةً ما فهمتُ شيئًا ممَّا قال غير أنه أنذركم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود. قالوا: ويلك! يكلِّمك الرجلُ بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا واللهِ ما فهمت شيئًا مما قال غير ذِكر الصاعقة".
° وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم، وزاد: "وإن كنت إنما بك الرياسةُ عَقَدْنا ألويتَنا لك، فكنت رأسًا ما بقيت".
° وعنده أنه لما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ﴾ أمسَك عقبةُ على فِيه وناشده الرحم أَنْ يكفَّ عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: "والله يا معشرَ قريشٍ ما نرى عتبةَ إلاَّ صبأ إلى محمدٍ وأعجبه طعامُه، وما ذاك إلاَّ من حاجةٍ أصابَتْه، انطلِقوا بنا فأتُوه .. فقال أبو جهل: "واللهِ يا عتبة ما جِئنا إلاَّ أنك صَبَوْت إلى محمدٍ وأعجبك أمره، فإنْ كان بك حاجة جَمَعنا لك مِن أموالنا ما يُغنيك عن طعامٍ محمد، فغَضِبَ وأقسم باللهِ لا يُكلِّمُ محمدًا أبدًا. وقال: لقد عَلِمتم أني من أكثرِ قريشٍ مالًا، ولكني أتيته -وقصَّ عليهم القصة-، فأجابني بشيءٍ واللهِ ما هو بسِحر ولا بشِعر ولا كِهانة، قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣]. فأمسكتُ بفِيهِ، وناشدتُه الرحم أن يَكُفًّ، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يَكذِب، فخِفتُ أن ينزل بكم العذاب" (^١).
_________________
(١) "البداية والنهاية" (٦/ ٦٠ - ٦١).
[ ١ / ٢٧٦ ]
° وكان عتبةُ وولدُه الوليد، وشيبةُ أخوه ألدَّ أعداءِ النبي - ﷺ -، وقد دعا عليهم النبيُّ - ﷺ - بأسمائهم لما آذَوْه، فكان لهم خِزيُ الدنيا والآخرة، وكان ثَلاثتهم أولَ مَن قُتِل مبارزةً في غزوة "بدر"، وسُحبوا إلى قليب بدرٍ وأُمِّهمُ الهاوية.
° وفي أولِ الموقعة أراد عُتبة بنُ ربيعة أن يُظهرَ شجاعتَه، فبَرَز بين أخيه شَيبةَ وابنِه الوليد، فلمَّا توسَّطوا بين الطرفيْن، دَعَوْا إلى البِراز، فخرج إليهم فتيةٌ من الأنصار ثلاثة، وهم عَوْف ومُعَوِّذ ابن الحارث -وأمهما عفرَاء-، والثالث عبد الله بن رواحة، فقالوا: مَن أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم من حاجة. وفي رواية: فقالوا: أَكْفَاءٌ كرام، ولكن أخرِجوا إلينا بني عَمِّنا، ونادى مناديهم: يا محمد، أخرجْ إلينا أكْفاءنا من قومنا. فقال النبيﷺ -: "قم يا عُببدة بن الحارث، قم يا حمزة، وقم يا علي". فبارز عُبيدةُ -وكان أسنَّ القوم- عتبةَ، وبارز حمزةُ شيبةَ، وبارز عليٌّ الوليدَ ابن عتبة. فأما حمزة فلم يُمهل شيبة أنْ قَتَله، وأمَّا علي، فلم يُمهِل الوليد أن قتله، واختلف عُبيدة وعُتبة بينهما ضَرْبتيْن، وكَرَّ حمزةُ وعليٌّ بأَسيافهما على عتبة، فذفَّفا (^١) عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه - ﵃ - (^٢).
فكُبَّ أبو جهلٍ صريعًا لوجهه … وعتبةُ قد غادرتْه وهو عاثِرُ
وشيبة والتْيميَّ غادرت في الوغى … وما منهما إلا بذي العرش كافرُ
فأمسَوا وقودَ النار في مستقرِّها … وكلُّ كفورٍ في جهنمَ صائرُ
_________________
(١) ذَفَّف على الجريح: أجهز عليه.
(٢) "البداية والنهاية" (٥/ ٩٥، ٩٦).
[ ١ / ٢٧٧ ]
° ولله درُّ حسَّان وهو يقول:
قتلنا أبا جهل وعتبةَ قبله … وشيبةُ يكبو لليدْين وللنَّحْرِ
° وقال حسّان أيضًا:
قتَلنا ابنيْ ربيعةَ يوم سارَا … إلينا في مضاعَفةِ الحديد
° ولله در القائل:
ستبلغُ عنَّا أهل مكة وقعةٌ … يَهُبُّ لها من كان عن ذاك نائيا
بعتبةَ إذْ ولَّى وشيبهْ بَعدَه … وما كان فيها بِكرُ (^١) عتبة راضيا
لقيناهم كالأُسْد تخطِرُ بالقنا … نُقاتل في الرحمن مَن كان عاصيا
فما بَرِحتْ أقدامُنا من مَقَامِنا … ثَلاثتنا حتى أُزِيروا (^٢) المنائيا