° قال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل"، بسند صحيح، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن أبا مُعَيط (^٤) كان يَجلِسُ مع النبيﷺ - بمكةَ لا يُؤذيه (^٥)، وكان رجلًا حليمًا،
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" (٢/ ٨٦).
(٢) "تفسير عبد الرزاق" (١/ ١٣)، و"المصنف" لعبد الرزاق (٥/ ٢٩٠، ٢٩١)، وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٦٥).
(٣) "البداية والنهاية" (٥/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
(٤) هو عقبة بن أبي معيط.
(٥) هذا في بداية أمره.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكان بقيَّةُ قريشٍ إذا جَلَسوا آذَوْه، وكان لأبي مُعيطٍ خليلٌ غائبٌ عنه بالشام، فقالت قريشٌ: صَبَأَ أبو مُعَيط. وقدِم خليلُه من الشام ليلًا، فقال لامرأتِه: ما فَعَل محمدٌ مما كان عليه؟ فقالت: أشدُّ مما كان أمرًا. فقال،: ما فَعَل خليلي أبو مُعَيط؟ فقالت: صبَأ. فبات بليلةِ سَوءٍ، فلما أصبَح أتاه أبو مُعَيط فحَيَّاه، فلم يرُدَّ عليه التحيةَ، فقال: ما لكَ لا تَرُدُّ علي تحيتي؟ فقال: كيف أَرُدُّ عليك تحيتَك وقد صَبَوتَ؟ قال: أَوَ قَدْ فَعَلَتْها قريش؟ قال؟ نعم. قال: فما يُبرئُ صُدورَهم إِنْ أنا فعلتُ؟ قال: تأتيه في مَجلِسِه فتبزُقُ في وجهه، وتشتُمُه بأخبثِ ما تعلمُ من الشَّتْم. ففعل، فلم يَزد النبيُّ - ﷺ - على أن مَسَح وجهه من البُزاق، ثم التفت إليه فقال: "إنْ وَجَدْتُك خارجًا من جبال مكة أضرب عُنُقَك صبْرًا". فلمَّا كان يومُ بدرٍ وخَرَج أصحابُه، أبى أن يخرجَ، فقال له أصحابه: اخرجْ معنا. قال: قد وَعَدَني هذا الرجل إن وَجَدَني خارجًا من جبال مكةَ أن يضربَ عُنُقي صبرًا (^١). فقالوا: لك جَمَلٌ أحمرُ لا يُدرَك، فلو كانتِ الهزيمةُ طِرْتَ عليه، فخرج معهم، فلما هَزَم اللهُ المشركين، وَحَل (^٢) به جَمَلُه في جَدَدٍ (^٣) من الأرض، فأخذه رسولُ الله - ﷺ - أسيرًا في سبعينَ مِن قُرَيْش، وقدِم إليه أبو مُعَيط، فقال: أتقتلُني مِن بين هؤلاء؟ قال: "نعم، بما بزَقْتَ في وَجْهي"، فأنزل الله في أبي مُعَيْط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، هو، إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ
_________________
(١) كُل مَن قُتِل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا. "النهاية" (٣/ ٨).
(٢) الوحل: الطين الرقيق، ووحل الوجل: أي وقع في الوحل.
(٣) الجَدد: ما استوى من الأرض. "النهاية" (٥/ ١٦٢).
[ ١ / ٢٦٩ ]
خَذولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩] " (^١).
° انظر إلى هذا الشقيِّ الذي آذى رسولَ الله - ﷺ - وانفرَدَ بما لم يفعْله أحدٌ، ووضع رِجلَه على عُنق أطهرِ الخلقِ رسول الله - ﷺ -، فقُطعت عنقُه جزاءً وفاقًا:
• عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "بينا النبي - ﷺ - ساجد وحولَه ناسٌ من قريشٍ جاء عقبةُ بنُ أبي مُعَيْط بِسَلَى جزورٍ، فقَذَفه على ظَهرِ النبي - ﷺ -، فلم يَرَفعْ رأسَه، فجاءت فاطمةُ ﵍، فأخذَتْه عن ظهره، ودَعَتْ على من صَنع، فقال النبي - ﷺ -: "اللهمَّ عليك الملأَ مِن قريش: أبا جهل بن هشام، وعُتبةَ بنِ ربيعة، وشَيبةَ بن ربيعة، وأميةَ بنِ خَلف -أوْ أبي بن خلف-" -شعبةُ الشاكُّ-، فرأيتُهم قُتِلوا يوم بدر، فألُقوا في بئرٍ، غيرَ أميَّةَ بنِ خَلَف أو أبيٍّ، تَقطَّعت أوصالُه فلم يُلقَ في البئر" (^٢).
• وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "بينما رسولُ الله - ﷺ - قائم يصلي عند الكعبة، وجَمْعٌ من قريشٍ في مجالسهم إذْ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُكُم يقومُ إلى جَزور آلِ فلان، فيَعْمِدَ إلى فَرْثها ودَمِها وسلاها، فيجيءَ به، ثم يُمهِلَه حتى إذا سَجد وضعه بين كتفيْه؟! فانبعث أشقاهم (^٣)، فلما سجد رسولُ الله - ﷺ - وَضَعه بين كتفيه، وثَبَت النبيُّ - ﷺ - ساجدًا، فضَحِكوا حتى مال بعضهم إلى بعضٍ من الضحك.
_________________
(١) "الدر المنثور" للسيوطي (١١/ ١٦٣ - ١٦٤) - دار هجر.
(٢) رواه البخاري- كتاب مناقب الأنصار - باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابُه من المشركين بمكة حديث (٣٨٥٤).
(٣) هو عقبة لعنه الله.
[ ١ / ٢٧٠ ]
فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵍وهي جُوَيْرية- فأقبلت تسعى، وثَبَت النبيﷺ - حتى ألقته عنه، وأقبلَتْ عليهم تَسُبُّهم. فلما قَضَى رسولُ الله - ﷺ - الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش". ثم سمَّى: "اللهم عليك بعمرِو بن هشام وعتبةَ بنِ ربيعة وشيبةَ ابنِ ربيعة والوليد بنِ عتبة وأميةَ بنِ خَلَف وعَقبةَ بنِ أبي مُعيط وعُمارةَ بنِ الوليد"، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: فواللهِ لقد رأيتُهم صَرعَى يومَ بدر، ثم سُحبوا إلى القليب (^١) -قليب بدرٍ- ثم قال رسول الله - ﷺ -: "وأُتبع أصحابُ القليب لعنة" (^٢).
وقد بيَّنَتِ الروياتُ الصحيحةُ الأخرى أن الذي رَمى الفَرْثَ عليه هو عقبةُ بنُ أبي مُعَيط، وأن الذي حَرَّضه هو أبو جهل (^٣).
• وعن عروةَ بن الزبير قال: "سألتُ ابنَ عمرِو بنِ العاص (^٤):
"أخبرْني بأشدِّ شيء صَنَعه المشركون بالنبي - ﷺ -. قال: بينا النبيﷺ - يصلِّي في حِجْر الكَعبة، إذْ أقبل عُقبةُ بنُ أبي مُعيطٍ، فوَضَع ثوبه في عنقِه، فخنقَه خنْقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بِمَنكِبِه ودَفَعه عن النبي - ﷺ -، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] " (^٥).
_________________
(١) القليب: البئر المفتوحة.
(٢) رواه البخارى "فتح الباري" (١/ ٥٩٤) ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١٤١٨ - ١٤٢٠).
(٣) صحيح البخاري "فتح الباري" (٦/ ٢٨٣، ٧/ ١٦٥)، و"صحيح مسلم" (٣/ ١٤٢٠).
(٤) أي: عبد الله بن عمرو.
(٥) أخرجه البخاري (٣٨٥٦)، وأحمد، والبزار، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، وأبو يعلى وابن حبان.
[ ١ / ٢٧١ ]
• ولفظُ ابن حِبَّان: عن محمد بن عمرو عن أبي سَلمة: حَدَّثَني عمرُو ابنُ العاص: "ما رأيتُ قريشًا أرادوا قتلَ رسول الله - ﷺ - إلاَّ يومًا أغرَوا به -وَهم في ظِلِّ الكعبة جلوس، وهو يُصلِّي عند المقام-، فقام إليه عقبةُ، فجعل رِداءَه في عُنقه، ثم جَذَبه حتى وَجَب (^١) لركبتَيْهِ، وتصايَحَ الناسُ، وظنُّوا أنه مقتول، وأقبل أبو بكرٍ يشتدُّ حتى أخذ بضَبغ (^٢) رسولِ الله - ﷺ - منَ ورائه وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾؟ ثم انصرفوا عنه، فلما قضى صلاته مرَّ بهم فقال: "والذي نفسي بيده ما أُرسلتُ إليكم إلاَّ بالذَّبح"، فقال له أبو جهل: يا محمدُ، ما كنتَ جهولًا، فقال: "أنَتَ منهم" (^٣).
° قال ابنُ إسحاق (^٤) في أسرى بدر، وعن عقبةَ بن أبي معيط، وكيف قُتل صبرًا: "قال عقبةُ -حين أَمر رسول الله - ﷺ - بقتله-: فمَن للصِّبيةِ يا محمد؟ قال: "النار"، وكان الذي قَتَله عاصمُ بنُ ثابت بن أبي الأقلح"، وكذا قال موسى بنُ عقبة في "مغازيه" (^٥).
° ولما أَقبل إليه عاصمُ بنُ ثابت، قال: "يا معشرَ قريش، علامَ أُقتل مِنْ بين مَنْ هنا؟ قالوا: على عداوتِك للهِ ورسوله".
_________________
(١) وَجَب: سقط.
(٢) الضبع: وسط العَضُد .. ما بين المِرفق والكف ِّ.
(٣) حسن: رواه ابن حبان في "صحيحه" (الإحسان ٨/ ١٨٨) (٦٥٣٥)، وابن أبي شيبة في المصنف" (٧/ ٣٣١) حديث رقم (٣٦٥٦١)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٩): "رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وحديثه حسن، وبقية رجال الطبرانى رجال الصحيح". ورواه النسائي في "تفسيره" (٤٧٧).
(٤) "سيرة ابن هشام" (١/ ٦٤٤)، و"البداية والنهاية" (٥/ ١٨٨).
(٥) "دلائل النبوة" للبيهقي (٣/ ١١٧)، و"البداية والنهاية" (٥/ ١٨٨).
[ ١ / ٢٧٢ ]
• وقال حَمَّادُ بنُ سَلمة (^١)، عن عطاءِ بنِ السائب، عن الشعبيِّ قال: "لما أَمَر النبيُّ - ﷺ - بقتل عُقبةَ قال: أتقتلُني يا محمد، من بين قريشٍ؟ قال: "نعم، أتدرون ما صَنَع هذا بي، جاء وأنا ساجدٌ خَلفَ القام، فوضع رِجلَه على عُنقي وغَمَزها، فما رفعها حتى ظننتُ أن عينيَّ ستندرانِ، وجاء مرةً أخرى بسَلا شاةٍ، فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمةُ فغسلته عن رأسي".
° قال ابنُ هشام (^٢): "ويُقالُ: بل قَتل عقبةَ عليُّ بنُ أبي طالب، فيما ذكره الزهريُّ وغيرُه من أهل العلم" (^٣).
وكان قَتلُ هذا الشقيِّ اللعين بعِرْقِ الظُّبية (^٤).
وذهب عقبةُ إلى مَزبلةِ التاريخ، وأُطيح بعُنقه جزاءَ كفرِه وعنادِه وحَسَدِه للإِسلام ورسوله - ﷺ -.