كانت عصماءُ بنتُ مروانَ من بني أُمَيَّة بن زيد، وكانت عند يزيدَ بن زيد بن حِصْنِ الخَطْمِي، وكانت تَعيبُ الإسلام وتُؤذِي النبي - ﷺ -، وتقولُ الشِّعْر (^١). فقالت تَعيبُ الإسلامَ وأهْلَه:
بإسْتِ بَنِي مالكٍ والنَّبِيبِ وعَوْفٍ وَبِاسْتِ بني الخزْرجَ
أًطَعْتُمْ أَتَاوِيَّ (^٢) مِنْ غَيْرِكمُ فلا من مِرُادٍ ولا مَذْحِجِ (^٣)
ترَجُّونَه بَعْدَ قتْلِ الرؤُوسِ (^٤) كما يُرْتَجَى مَرَقُ المُنْضِجِ
أَلَا أَنِفُ (^٥) يبتغي غِرَّةً (^٦) فيقطَعَ مِن أَمَل المُرتَجِى!
فقال رسول الله - ﷺ - حينَ بلغه ذلك: "ألآ آخِذٌ لي من ابنة مَرْوان؟ ".
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" (٢/ ٢٧).
(٢) الأتاوي: الغريب.
(٣) مراد ومذحج: قبيلتان من قبائل اليمن.
(٤) الرؤوس: أشراف القوم.
(٥) الأَنِف: الذي يترفَع عن الشيء ويُكبِرُ نفسَه عنه.
(٦) الغرة: الغفلة وروي أيضًا "ألا أنِف يبتغي عِزَّة".
[ ١ / ٣٥٨ ]
وكان ذلك لخمسِ ليالٍ بَقِينَ من رمضان على رأسِ تسعةَ عشَرَ شهرًا من هجرة النبي - ﷺأي: في السنة الثانية الهجريَّة-، فسَمع ذلك من قول رسول الله - ﷺ - عُمَيرُ بنُ عَدِيٍّ الخَطْمِيُّ الأَوسيُّ وهو عنده، فلَّما أمسى من تلك الليلة سَرَى عليها في بيتها، فقتلها.
وأصبح عميرٌ مع رسول الله - ﷺ -، فقال: "يا رسول الله! إني قد قتلتُها"، فقال: "نصرتَ اللهَ ورسولَه يا عُمَيْر"، فقال: "هل عليَّ مِن شأنها يا رسول الله؟ ". فقال: "لا يَنتطحُ فيها عَنْزَان" (^١).
ورَجَع عميرٌ إلى قومه، وبنو خَطْمةَ يومئذ مَوْجُهُم (^٢) كثيرٌ في شأنِ بنت مروان، ولها يومئذٍ بنون -خمسةُ رجال-، فلما جاءهم عميرٌ من عند رسول الله - ﷺ - قال: "يا بني خطمة! أنا قتلتُ ابنةَ مروان، فكِيدوني جميعًا ثم لا تنظرون" .. فذلك اليوم أولَ ما عزَّ الإسلام في دار بني خَطمْة، وكان يَستخفي بإسلامه فيهم مَن أسلم، وأسلمَ يوم قُتِلت ابنةُ مروان رجالٌ من بني خَطمة، لِمَا رأوه مِن عزِّ الإسلام (^٣).
ويبدو أن سكوت أبناءِ عصماء وإخوتها عن أخذِ الثأر منَ عمير؛ لأن عُمَيرًا كان من أشرافهم، ولأنَّ الإسلامَ فشا فيهم، ولأنهم خافوا المسلمين الذين أصبحوا قوةً ضاربةً بعد انتصارهم في غزوة بدر.
_________________
(١) يريد أن شأن قتلها هين لا يكون فيها طلب ثأر.
(٢) موجهم كثير: أراد به اختلاط كلامهم.
(٣) "سيرة ابن هشام" (٤/ ٣١٣ - ٣١٥)، و"طبقات ابن سعد" (٢/ ٢٧، ٢٨)، و"مغازي الواقدي" (١/ ١٧٢ - ١٧٤).
[ ١ / ٣٥٩ ]
وفي عصماءَ -لعنها الله- قال حسَّانُ بن ثابت:
بنو وائل وبنو واقفٍ وخَطمَةَ دونَ بني الخزرجِ
متى ما دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَها بَعَوْلَتِها والمنايا تَجِي (^١)
فَهَزَّت فتًى مَاجِدًا عِرْقُه كَريمَ المداخِل والمَخْرَجِ
فَضَرَّجها من نَجيع الدِّمَا ء بعدو الهدو فلم يَحْرَجِ (^٢)
فأورَدَك اللهُ بَرْدَ الجِنان جَذْلَانَ في نعمة المَوْلَجِ
° فلله درُّ عميرٍ من غيورٍ على رسوله - ﷺ - .. وقد رُوي أنه قتل أخته؛ لأنها شتمت رسولَ الله - ﷺ - (^٣).
* * *
_________________
(١) العَوْلة: المَرَّة من العويل؛ وهو: البكاء مع ارتفاع الصوت. تجي: تجيء.
(٢) ضرّجها: لطَّخها. النجيع هنا: الكثير .. بعد الهدو: بعد ساعة من الليل. لم يحرج: هو من الحرج وهو الإثم. وفي "مغازي الواقدي" (١/ ١٧٤). فضرّجها من نجيع الدماء قُبيل الصباح ولم يحرج وذكر الواقدى أن حسان بن ثابت قال هذه القصيدة يمدح عمير بن عدي لقتله عصماء.
(٣) "الاستيعاب" (٣/ ١٢١٧).
[ ١ / ٣٦٠ ]