"فِي الذب عَنْ رسُولِ الله - ﷺورَدْعِ البقَرِ الدَنِمَاركِيِّ الحلُوب":
إِلَى قَيْءِ الحَضَارَةِ، بَلْ سَقْطِ السَّفَالَةِ، وأَدْعِيَاءِ التَقَدُّم، ولُصُوصِ التَمَدُّنِ، أُولَئِكَ الّذِينَ سَفِهُوا، وَأوْحَلُوا، فَعَابُوا أَطْهَرَ الخَلْقِ، وأَشْرَفَ الرسل، فَعَلا وسَفِلُوا، وطَهُرَ ودَنِسُوا، وخَلُدَ وذَهبوا إِلَى مَزَابِل التَّارِيخ.
إِلَيْهِمْ وإلَى أَذَنَابِهِمْ، أُولئِكَ الذين أَعْمَاهُمْ بَرِيقُ الغَرْبِ الخَادعُ، فَرَاحُوا يَتَهَافتونَ عَلَيْهِ تَهافُتَ الفَرَاشِ عَلى النَّارِ، بَلْ رَاحُوا يَتدافعون عليْهِ تَدَافُعَ الحُمُرِ عَلَى المُسْتَنْقَع الآسِنِ، إليهمْ -وليْتهُمْ يعقلُون- ..
حِمَمٌ تَثُورُ وأَنْفُسٌ تَتَفَطرُ … وأَزِيزُ أَفْئِدَة تَكَادُ تَبَخَّرُ
ومَدَامِعٌ بِدُمُوعِهَا ثَمِلَ (^٢) الثَّرَى … وتَدَفقَتْ بِدِمَائِهِنَّ الأبْحُرُ
تَرْنُو إِلَيْكَ شَوَاخِصًا مَشْدُوهَةً (^٣) … قَرْحَى فمَا تَغُفُو ولَا هِيَ تبصِرُ
وجَوانِحٌ كَالنارِ تَحْطِمُ نَفْسَهَا … وتَكَادُ مِنْ غَيْظ بِهَا تَتَنَاثَرُ
وجِبَالُ غَيْمٍ تَسْتَحِيلُ مجامِرًا … وتَكَادُ تَقْذِفُ بِالجِمَارِ وتهْمُرُ (^٤)
واليَمُّ مَوَّارُ الجَوَانِحِ هَائِجٌ … يَنْهَى جُمُوعَ العَالَمِينَ وينذِرُ
يَسْتَأذِنُ الجَبَّارَ يُغْرِقُ جَمْعَهُمْ … فَلَطَالَمَا نَقَضُوا العُهُودَ وأَخْفَرُوا
وِإخَالُ هَذِي الشمْسَ تَسالُ رَبَّهَا … أَنْ تَحْرِقَ الكَوْنَ الأَثِيمَ وتَصْهَرُ!
_________________
(١) قصيدة: "أين الأزهرُ!! " لشقيقي الشاعر عبد الله حسين عبد الله العفاني.
(٢) ثمل: سَكِر.
(٣) مشدوهة: متحيِّرة. شَده: شُغِل وتحيَّر.
(٤) تهمُر: همر: صبَّ.
[ ١ / ٢١٠ ]
وتَخِرُّ تَحْتَ العَرْشِ تَرْجُو رحْمةً: … إِنْ أَمْهَلَ البَاغِينَ ألاَّ تُسْفِرُ
والأرْضُ مِنْ حَنَقٍ تَمُورُ زَلازِلًا … وتَوَدُّ لَوْ تَئِدُ العُصَاةَ وتَقْبُرُ
حَتَّى النَّسِيمُ العَذْبُ يُعْلِنُ ثَوْرَةً … ويَثُورُ إِعْصَارًا يُبِيدُ .. يُدَمِّرُ
ضَجَّ الوُجُودُ بِنَا وثَارَ جَمَادُهُ … أَنْ يُسْتَضَامَ بِهِ النَّبِيُّ الأنْوَرُ
* * *
أَعِصَابَةَ "البَقَرِ الحَلُوبِ" رُوَيْدَكُمْ … فَسَوَائِمُ (^١) الأبْقَارِ منكُمْ أحْضرُ (^٢)!
مَا كُنْتُ أَهْوَى أَنْ أَسُومَ قَطِيعَكُمْ … بِنِصَالِ قَافِيَةٍ تَفُلُّ (^٣) و"تَنْحَرُ"
مَا كنتُ أهْوَى لَا لِرِفعَةِ قَدْرِكِمْ … فَلأَنْتُمُ أَدْنَى لَدَيَّ وأحْقَر
لكِنْ لأسْمُوَ فَوْقَ وَهْدَةِ وَحلِكُمْ … حَيْثُ الجِنَانُ ومِسْكُهُنَّ الأذْفَرُ
لكِنَّكُمْ تَأبَوْنِ غَيْرَ قَصِيدَة … تبدِي سُعَارَ "جُنُونِكُمْ" وتُحذِّرُ
وكذلك الأبْقَارُ يُعْضِلُها (^٤) الحِجا (^٥) … ويسُوسُهَا السَّوْطُ الرفيعَ ويزْجرُ!
فَلتُفْسَحُوا لِي ضيِّقَاتِ صُدُورِكُمْ … أَجْلُوا غِشاوَةَ قَلبِهَا واطَهِّرُ
* * *
أَيْنَ الحَضَارَةُ يَا رَجِيعَ (^٦) حَضَارَةٍ … رَعْنَاءَ مِنْ وَحْلِ البَذَاءَةِ تَسْكَرُ!
_________________
(١) سوائم: جمْع سائمة: الإبل التي تُتْرَك ترعى حيث شاءت.
(٢) أحْضر: أكثر تحضُّرًا.
(٣) تَفُلُّ: فَل السيف: ثَلَمَه وكسر حدّه.
(٤) يُعضِلُها: أعْضَلَه الأمر: غَلَبه، والمقصود: أنها لا تعقل.
(٥) الحِجا: العَقْل.
(٦) رجيع: عَذْرة: غائط.
[ ١ / ٢١١ ]
أمِنَ الحَضَارَةِ أنْ أسُبَّ جَهَالَةً … مَنْ لَسْتُ أَدْرِي سَمْتَهُ بَلْ أَسْبُرُ (^١)
أتَرَوْنَ خَيْرَ الخَلقِ صَبًّا وَالِهًا … فَمُنَاهُ مِنْ خَلفِ النِّسَاءِ تَقَصَّرُ؟!
أوَمَا خَبَرْتُمْ كَمْ تَزَوَّجَ ثيبا (^٢)؟! … والزَّهْرُ بَعْدَ قِطَافِهِ مَا يَسْحَرُ!
ما رَامَ أَبكَارًا هُنَالِكَ خُرَّدًا (^٣) … يَنْدَى لَهُن الحُسْنُ بَلْ يَتَخَدَّرُ
بَلْ للأرَامِلِ كَيْ يَصُونَ عَفَافَهَا … فَتَقَر حَاضِنَةٌ وَيَحْلُمُ قُصَّرُ
وَيَلُمُّ شَعْثَ قَبَائِلٍ حَوْلَ الهُدَى … فَيَضُمُّ أقْطَارًا (^٤) لها ويُصَاهِرُ
وَلِحِكْمَة لَسْنَا نَرَاحُ (^٥) طُيُوبَهَ … ولَئِنْ تَفَانَى فِي سَنَاها النَّاظِرُ
هُوَ إِنما بالوَحْي عَاشَ حَيَاتَه … بالوَحْى ما يبدِي وُيخْفِي الخَاطِرُ
مَا إِنْ يُجَاوِزُ امْرَهُ وسَبيلَهُ … لله إِذ يَرْسُو وإِذْ هُوَ يبحِرُ
أُحُثَالَةَ الشُّذاذِ أنْتُم مَن هَجَى … مِنَّا الرسولَ وراحَ فيه يُغَامِرُ؟!
أتَرَوْنَ تَعْدَادَ الحَلائِلِ (^٦) سُبَّةً … وجَريمةً نَكْرَاءَ مَا إِنْ تُغْفَرُ؟!
فَقَطيعُكُم أبَدًا يُدِنْدِنُ حَوْلَها … ويَحُومُ حَول رَبِيعِها وَيُخَوِّرُ (^٧)
لَكِن تَعْدَادَ الخَلائِلِ رِفْعَةً … عَليَاءَ مَا يَرْقَى لها مُتَأخِّرُ!!
_________________
(١) أسبر: سبر الشيء: خَبَرَه.
(٢) ثَيَبَا: الثيِّب: المرأة التي سبق لها الزواج.
(٣) خُرَدَّا: جمع خريدة: وهي البكر التي لم تُمَسّ قط، الحَييَّة، الطويلة السكوت من حياء لا من ذُلِّ، الخافضة الصوت، الخفرة المُستترة.
(٤) أقطارًا: جوانبًا.
(٥) نراحُ: راح الشيء يريحه: وجد رائحته.
(٦) الحلائل: جمع الحليلة: الزوجة.
(٧) الخُوار: صوت الثور وما اشتد من صوت البقرة والعِجْل.
[ ١ / ٢١٢ ]
أمَّا مُضَاجَعَةُ الرِّجَالِ فَمتعَةٌ … وحضارَةٌ تَسْبِي القُلُوبَ وتَأسِرُ!!
بَلْ إِنَّ تَعْدَادَ المَحَارِم فِيكُمُ … شَرَفٌ ومَجْدُ حضارة تَتَفَاخَرُ!!
فَلِمَجْدِكُمْ مَجْدُ "الحَمِيرِ" بِحيَنّا … تَلهُو بقَارِعَةِ الطريقِ وتَفْجُرُ
وإذا الحَيَاءُ تَجَاهَلَتْكَ طُيُوبُه … فعجائِبُ الأقذارِ فيكَ تَكَاثَرُ!!
وَلَكُمْ يَسُودُ المُترَفين زَنِيمُهُم (^١) … ويُطاوِلُ الأشرافَ قَزْمٌ عاهِرُ!!
"أبْقَار" أورُبَّا أما بِرُؤُوسِكُمْ … مِثْقَالُ ذَرٍّ مِنْ نُهًى تَتَفَكَّرُ؟!
فَزَعَمْتُمُ المَعْصُومَ أَسَّسَ أُمَّةً … بِبَوَاتِرٍ تُحْنِي الرؤوُس وتقْهَرُ!!
أوَمَا دَرَيْتُمْ كَيْفَ رَدَّ جِبَالَهَا؟! … فَعَسَى يَفِي وَلَدٌ ويُسْلِمُ كَافِرُ
أتَرَوْنَ لَوْ قَهَرَ الجُسُومَ بِسَيْفِهِ … كَانَتْ تَهِيمُ بِهِ القُلُوبُ وتَنْصُرُ
أفَهَلْ دَرَيْتُمْ أُمَّةً بِسُيُوفِهَا … تَزْكُو وتَرْشُفُ مِنْ جناهَا الأعْصُرُ؟!
فَلتَسْألوا عَنْهَا بُغَاةَ "رُعَاتِكُمْ" … هَلْ قَرَّ فِي أرْضِ الفراتِ مَجَامِرُ؟!
بَلْ كيْفَ تَكْثُرُ والمَعَامِعُ جَمَّةٌ … وقَدِ ارْتَخَتْ يَدهُا وفُلَّ البَاتِرُ؟!
أَمْ هَلْ خَبَرْتُمْ أمَّةً بِحِرَابِهَا … لَمَّا تَزَلْ فِي كُلِّ صِقع تُزْهرُ؟!
ولْتَنْظُرُوا لَمَّا يَزَلْ ببلَادكُمْ … يَنْمُو لَنَا الدَّوح الوَرِيفُ ويثمِرُ!
ولْتَسْأَلُوا عَنَّا "الهُنُودَ" وَسَلمَهِمْ … لِمَلائِكٍ يِهُدى الشَّرِيعَةِ تَاجَرُوا!
لَمَّا تَزَلْ أمَمُ العِدَا إِذْ أَسْلَمَتْ … تَزْدَانُ -مِن نَسبٍ إِلَيه- وتَفْخَرُ
وِإذَا الجَوَارِحُ (^٢) لَمُ تُرَوِّضْهَا النُّهى … بَالَتْ مَدَامِعُهَا وغَاطَ (^٣) المِشْفَرُ!
_________________
(١) زنيمهم: الزنيم: ولد الزِّنى الملصق بالقوم وليس منهم.
(٢) الجَوَارحُ: أعْضَاءُ الإنسانِ.
(٣) غاط: قضى حاجتهُ.
[ ١ / ٢١٣ ]
عُذْرًا رَسُولَ الله دُونَ خِطَابِكُمْ … تَعْنُوا فَلاسِفَةُ البَيَانِ وتَعْقُرُ (^١)
مَا زِلْتُ دُونَ حَدِيثكُمْ مُتَحيِّرًا … لَهْفَانَ أُقْدِمُ تَارةً وأُأَخَرُ!!!
مَا زِلْتُ خَلفَ اللَّفْظِ أَلهَثُ جَاهِدًا … ومَشَاعِرِي بِمَشَاعِرِي تَتَعَثَّرُ!!
كيْفَ الحَدِيثُ وذِي شمَائِلُ ثَرَة … وعَبِيرُ جَنَّاب يَفُوحُ وعَنْبَرُ؟!
ونَدًى لِطِيبِ رُضابِه ثَمِل النَّدَى … واشْتَاقَ وَرْدٌ واسْتَهَامَ صُنُوبَرُ!
وإخَالُ أشجارَ الوُجُودِ وَقْد ذَوَتْ (^٢) … فَإِذَا ذُكِرْتَ خِيَالَها تَخْضَوْضَرُ
بَلْ سَبَحَ الضَخْرُ الجَمَادُ بِكَفكُمْ … بَكَتِ الجِمالُ .. هَفَا إِليكَ المِنْبَرُ
مَاذَا أقولُ أنا وتِلكَ سمَاتُكُم … بَيْضَاءَ تَعْشَى مِن سَنَاها الأسْطُرُ؟!
فَليَكْفِنِي شَرَفًا أُنَافِحُ (^٣) عَنكُمُ … فَلَذَاكَ عِزُّ الدَّهْرِ بَلْ هُوَ اكبَرُ
* * *
أيْ أمَّةَ الإِسلام أَخْيَرَ أُمَّةٍ … ثُورُوا لِعْرضِ نَبِيكُّمْ وَلْتَثأرُوا
ثُورُوا ولَكِنْ ثَوْرَةً فَوْقَ النُّهَى … تُوْدي فَما يُجْدِي الهُتَافُ الثَّائِرُ؟
فَلتَطرُدُوهُمْ واقْطَعُوا أذْنَابَهُم … قَطَعًا تَذِلُّ له الرُّؤُوسُ وتَصْغُرُ
بل قاطِعُوهم هم عَبِيدُ دَرَاهِمٍ … وجِراحُ عَبْدِ المال ما تَتَخَثَّرُ (^٤)
وأَرُوا العَوالِمَ مِن مَحَاسِنِ دِينِكُمْ … ما لَيْسَ يُنْكِرُهُ الكَفُورُ الأَكْفَرُ
وَلْتَقْتَفُوا أَثَرَ النَّبِيِّ فطَالَما … سَكَنَ الشَّرِيدُ لهُ وحَنَّ النَّافِرُ
_________________
(١) تعقرُ: تعقم: لا تلدُ.
(٢) ذَوَت: يبست.
(٣) أنافحُ: أدُافعُ.
(٤) تتخَثَّر: تلتئم.
[ ١ / ٢١٤ ]