لقد تمَّت لرسول الله - ﷺ - معجزتُه التي لم يصارعْه فيها أحد قبله .. لقد رَبَّى رسول الله - ﷺ - نُخبةً من ذوي الأقدار تجمعُ بين عظمةِ الحَسَبِ، وعظمةِ الثروة، وعَظَمة الرأي، وعَظَمة الهمة، وكلٌّ منهم ذو شأنٍ في عظمته تقومُ عليه دولة وتَنهضُ به أُمَّة؛ كما أثبت التاريخُ من سِيَر أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وعلي، وأبي عُبيدة وسعدٍ والزبيرِ وطلحة، وخالدٍ وأسامةَ وابنِ العاص - ﵃ - .. وسائر الصحابة الأوَّلِين ..
أئمَّةٌ شرَّفَ اللهُ الوجودَ بهمْ … سامُوا العلا فسَمَوْا فوقَ العلا رُتَبَا
[ ١ / ١١٩ ]
ربما عَظُم الرجُل في مَزِيَّةٍ من المزايا، فأحاط به الأصدقاءُ والمريدون من النابغين في تلك المزيَّة، كإحاطةِ الحكماءِ بسقراطَ .. بل ربَّما أحاط الصالحون بالنبي العظيم كما أحاط الحواريون بالمسيح - ﵇ -، وكلُّهم من معدِنٍ واحدٍ وبيئة واحدة .. أمَّا عظمةُ العظَمات، فهي تلك التي تجذبُ إليها الأصحابَ النابغين في كلِّ معدنٍ وكلِّ طراز، بل تربِّي الأصحابَ، وتستشفُّ قدراتِ كلِّ منهم، وتؤهله لإبراز هذه المزية .. تربيةً تخرج رجالًا يتفاوتون في مزاياهم مثلَ التفاوتِ الذي بين أبي بكر وعمر، وبين عثمانَ وعلي، وبين خالدٍ ومعاذ، وأسامةَ وابنِ العاص؛ كلُّهم عظيم، وكلُّهم مع ذلك مُخالِفٌ في وَصْفِ العظمةِ لسواه.
تلك هي العظمةُ التي اتَّسعت آفاقها وتعدَّدت نواحيها، حتى أصبحت قُطْبًا جاذِبًا لكلِّ معدِن، وأصبحت تَجمع في تربيتها لأصحابها بين البأس والحِلْم، وحِنْكَة المسِنِّ وحَمِيَّة الشباب.
° ولله درُّ مَن قال:
يبني الرجالَ وغيرُهُ يبني القُرَى … شَتَّانَ بين قُرًى وبين رجالِ
° لقد كان رسول الله - ﷺ - أصفى الناسِ بصيرةً، فاستخرج مكنوناتِ وذخائرَ الصحابة -كلٌّ على قَدْرِه-، صِدْقُ الصدَّيق، وحياءُ عثمان، وصراحةُ الفاروق وهيبته وشِدَّته، وزُهْدُ عليٍّ، وشجاعةُ الزبير، وأمانةُ أبي عبيدة، وسخاءُ طلحة، وتواضُع أبي ذَرٍّ، وحكمةُ أبي الدرداء، وعِلْمُ معاذ، وإيمانُ عمَّار، وعُلُوُّ هِمة سلْمان، وتبتُّل ابنِ مظعون، وصِدْقُ سعدِ ابنِ معاذ، وصلاحُ وجُودُ ابن الزبير .. وكلُّ خصلةٍ من هذه الخصال خيرٌ من الدنيا وما فيها.
[ ١ / ١٢٠ ]
ربَّاهم الرسول - ﷺ - وهو أدرى الناسِ بالرجال، فظهر منهم الجيلُ القرآني الفريد؛ "ما كان حديثًا يُفترى، ولا فُتُونًا يتردَّد، ذلك الحديث الذي رَوى به التاريخُ أنباءَ أعظم ثُلَّةٍ ظَهَرتْ في دنيا العقيدة والإيمان!! فالعظمةُ الباهرةُ لأولئك الرجال الشاهقين من أصحاب رسول الله - ﷺ - ليستْ أساطير، وإن بدَت من فرْطِ إعجازها كالأساطير!!!.
إنها عظمةُ ما غَرَسه رسولُ الله - ﷺ - فيهم لتسموَ وتتألَّق، لا بقَدْرِ ما يريدُ لها الكُتَّابُ والواصفون، بل بقَدْرِ ما أراد لها أصحابُها وذَووها، وبقدْر ما بذَلوا في سبيل التفوق والكمال؛ مِن جَهدٍ خارقٍ مبرور.
ولا يزعم أيُّ إنسان لنفسِهِ القُدرةَ على تقديم هذه العظمةِ كاملةً .. إذ حَسبه أن يُومِئَ إلى علوِّ هِمَّتهم وسماتِ عظمتهم، ويتطلَّعَ إلى سمائها.
لم يشهدِ التاريخُ -ولنْ يشهد- رجالًا مِثلَ صحابة رسول الله - ﷺ -، رباهم نبيُّهم ومعلِّمُهم - ﷺ - على غاياتٍ تنهاتْ في العدالة والسموِّ، وعقدوا على ذلك عزْمَهم ونواياهم، ونَذَروا لها حياتَهم على نسَقٍ تناهى في الجَسارة والتضحية، والبذْل ومكارمِ الأَخلاق.
لقد جاء رسولُ الله - ﷺ - الحياةَ وجاؤوا معه في أوانهم المرْتَقَب، ويومِهم الموعود؛ لقد كان أصحابُ محمدٍ - ﷺ - ذخائرَ الله من خلْقه، وخيرَ قرونِ هذه الأمة.
كيف أنْجَزَ رسولُ الله - ﷺ - بهم ومعهم ما أنجزه في بِضْع سنين؟! كيف دمدموا على العالَم بإمبراطوريَّاتِه وصَوْلَجَانه، وحَوَّلوه إلى كِثيبٍ مهيل؟!.
كيف شادوا بالقرآن -كلماتِ الله- عالَمًا جديدًا، يهتزُّ نَضْرةً ويتألقُّ
[ ١ / ١٢١ ]
عظمةً ويتفوَّقُ اقتدارًا؟!.
وقبل هذا كلِّه، وفوق هذا كلِّه: كيف استطاعوا في مِثْلِ سرعةِ الضوءِ أن يُضيؤوا الضميرَ الإِنسانيَّ بحقيقةِ التوحيد، ويكنِسوا منه إلى الأبد وثنية القرون؟!.
تلك هي معجزةُ نبيِّهم - ﷺ - وكراماتهم الحقَّة.
إن معجزةَ المعجزاتِ تتمثَّل في تلك التربيةِ التي ربَّاهم نبيُّهم - ﷺ - عليها وصاغ بها فضائلَهم، واعتصموا هُمْ بإيمانهم على نحوٍ يَجِلُّ عن النظير!!.
على أن كلَّ معجزاتِهم التي حقَّقوها، لم تكن سِوى انعكاسٍ متواضع للمعجزة الكبرى التي أهلَّتَ على الدنيا يومَ أَذِن الله لقرآنه الكريم أنه يتنزَّل، ولرسوله الأمين - ﷺ - أن يُبلِّغ؛ ولموْكبِ الإِسلام أن يبدأ على طريقِ النور خُطاه!!.
لقد ربَّى الأمينُ -كلُّ الأمينﷺ - أولئك الرجالَ الأبرار، لنستقبلَ فيهم أروعَ نماذجِ البشريةِ الفاضلةِ وأبهاها .. ولِنرى تحتَ الأسمالِ المتواضعةِ أسمى ما عرفتِ الدنيا من عظمةٍ ورُشد .. فللَّه درُّهم من كتائبِ حقٍّ طوْتِ العالَمَ بإيمانها، زاحمةً جوَّ السماء براياتها تُعلِنُ للكونِ كلِّه: كمْ كانت همَّةَ مَن ربَّاهم - ﷺ - عاليةً .. وكم كانت شمائلُه غاليةً .. وكمْ كانت حياتُه ساميةً .. وكم كانت أمانته زاهية!!.
بأبي هوْ وأُمي!! كم علَتْ همَّته في البَذْل الذي بَذَل، والهَولِ الذي احتمل؛ لتحرير البشرية من وثنية الشركِ والضمير، وضياع المصير .. فجزاه الله خيرَ ما جزى نبيًّا عن أُمته .. وجَعَله أعلى النبيين درجة، وأَقربَهم منه وسيلةَ، وأعظمَهم عنده جاهًا، وتوفَّانا على ملَّته، وعرَّفَنا
[ ١ / ١٢٢ ]
وَجْهَه في رِضوانه والجنة، وحشَرَنا معه غيرَ خزايا ولا نادمين، ولا شاكِّين ولا مبدِّلين ولا مرتابين".