رجلُ السماء في الأرض، وهِبَة السماء للأرض، كان - ﷺوهو في حدودِ نفسه وضِيق مكانه- يتسع في الزمن من حيثُ لا يَرى ذلك أحدٌ ولا يعلمه، وكأنما كانت شمسُ اليوم الذي سينتصر فيه -قبل أن يُشرقَ على الدنيا- مشرقة في قلبه.
أراد اللهُ تعالى أن يبدأ هذا الجليلُ العظيم من أَسْمى خِلالِ الجلال والعظمةِ، ليكونَ أولُ أمره شهادةً بكماله، فكانت الحسنةُ فيه بشهادةِ السيئة من قومه، فحِلْمه بشهادة رُعونتهم، وأَناتُه وحِلْمه بدليل طيشهم، وحِكمته ببرهانِ سفاهتهم.
نَثَروا الترابَ على رأسه .. إنَّ هذا الترابَ هو شذوذُ الحياةِ الأرضيَّةِ الدنيئةِ في مقابلة إنسانها المتفرِّد، هذه القبضة من التراب قبضةٌ سفيهة تحاول رَدَّ الممالكِ الإسلاميةِ أن تنشأَ نشأتَها وتعملَ في التاريخ عملها.
وكان قطف العنب من "عَدَّاس" في رحلة الطائف رمزًا لهذا العنقود الإسلامي العظيم الذي امتلأ حَبًّا، كُلُّ حَبَّةٍ فيه مملكة.
[ ١ / ٤١ ]
° بأبي وأمي رسولُ الله - ﷺ - .. والذي نفسي بيده هو أوْلى الناس بقول القائل:
زَمَانُكَ بُستانٌ وَعصْرُكَ أخضَرُ … وذكراكَ عصفور مِنَ القَلبِ يَنْقُرُ
دَخَلتَ على تاريخنَا ذاتَ لَيْلَة … فَرَائحَةُ التَّاريخ مِسْكٌ وعَنْبَرُ
وَكنْتَ فكانَتْ في اَلحقولِ سَنَابِلٌ … وكاَنَتْ عَصَافيرٌ وكَانَ صُنُوبَرُ
لَمَسْتَ أمَانِينَا فَصَارَتْ جَدَاوِلًا … وَأمْطَرْتَنا حُبًّا ولا زِلْتَ تُمْطرُ
تُعَاودُنِي ذِكْراكَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ (^١) … وَيُورِقُ فِكْرِي حين فيك أفَكِّرُ
وتَأبى جِرَاحي أنْ تَضُمَ شِفَاههَا … كَأنَ جِرَاحَ الحُبِّ لا تَتَخَثَّرُ
أَتَسْأَلُ عن أعْمارِنا أنْتَ عُمْرُنا … وأنت لنا التاريخُ أَنْتَ المُطَهَّرُ (^٢)
° ونبضُ فؤادِنا ووَجيبُ قلوبنا قاصِر على حُبِّ رسول الله - ﷺ - بعد حب الله -﷿-:
قصَرْتُ عَلَيْكَ العُمْرَ وهو قَصيرُ … وغَالَبتُ فيك الشَّوْقَ هو قَدِيرُ
وأَنْشَأتُ في صدري لِحُسْنِكَ دَولَةً … لها الحُبُّ جندٌ والولاءُ سَفِيرُ
فؤادي لها عَرْشٌ وأنتَ مَلِيكُهُ … ودُونَك من تلك الضُّلُوع سُتُورُ
وما انَتَقَضَتْ يومًا عليكَ جَوانِحِي … وَلَا حَلَّ في قلبي سواكَ أمِيرُ
حبيبٌ (^٣) إذا غَنَّى اليَرَاعُ بمَدحه … سَرَتْ بالمَعَالي هزةٌ وسُرورُ
فَدِينُكَ مَحْرُوس ورَبُّك حَافِظٌ … وأنت على مُلكِ القلوبِ أميرُ
* * *
_________________
(١) في الأصل: تعاودني ذكراك كل عشِيَّة.
(٢) في الأصل: وأنت لنا الآمالُ أنت المُحَرر.
(٣) في الأصل: مَليكٌ.
[ ١ / ٤٢ ]
* ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾:
لَمسة من حَنان، ونسمةٌ من رحمة، وطائف من وُد، ويدٌ حانيةٌ تمسحُ على الآلام والمواجع، وتَنَسَّمُ بالرَّوْح والرضى والأمل، وتسكبُ البَرْدَ والطمأنينةَ واليقين .. كلُّها خالصةٌ للنبي - ﷺ -، كلُّها نجاءٌ له من ربِّه، وتَسْرِيةٌ وتَسليةٌ وترويحٌ وتطمين، كلُّها أنسامٌ من الرحمة، وأنداءٌ من الوُدِّ، وألطافٌ من القربى، هَدْهَدةٌ للروحِ والخاطِر والقلب.
يُقسِمُ اللهُ ﷾ بهذيْن الآنيْنِ الرائقيْنِ الموحيَيْن .. الضحى الرائق الصافي، والليلِ الساجي الذي يَرق ويسكنُ ويصفو، وتغشاه سحَابةٌ رقيقةٌ من الشجَى الشفيف، والتأمُّلِ الوديع .. أَشَفُّ آنَيْنِ تسري فيهما التأملات، وتتصل الرُّوحُ بالوجود، وخالقِ الوجود، وتُحِسُّ بعبادةِ الكون كلِّه لمبدِعِه، وتوجِّهُه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاءِ، ويعيشُ القلبُ في أُنسٍ من هذا الوجود الجميل الحيِّ.
ما تَرَكَكَ ربُّك مِن قبلُ أبدًا، وما قَلاك من قبلُ قطُّ، وما أخلاك مِن رحمته ورعايته وإيوائه .. ما انقطع عنك بِرُّه وما ينقطع أبدًا .. ألَا تجدُ مِصداقَ هذا في حياتك؟ ألا تُحِسُّ مسَّ هذا في قلبك؟ ألا ترى أثَرَ هذا في قلبك؟.
رحمته عليك سابغة، ورضاه يغمُرك .. هو رَاعيكَ وكافلُك، ما غاضَ مَعينُ فضلهِ وفيضُ بِرِّه.
* ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾:
إن لك عنده في الآخرة من الحُسْنى خيرًا مما يُعطيك منها في الدنيا.
[ ١ / ٤٣ ]
* ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾:
° قال بعض العلماء: "يعطيه في الدنيا مِن إتمام الدين وإعلاء كلمةِ الله، والنصر على الأعداء" (^١).
° "إنه ليدَّخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك، وإزاحةِ العقبات من طريقك، وغلبةِ منهجك، وظهور حقك" (^٢).
وليس بعد الرِّضى مطلب .. لَمَّا بيَّن أن الآخرةَ خير له - ﷺ - من الأولى، ولكنه لم يُبيِّن أن ذلك التفاوتَ إلى أيِّ حدٍّ يكون، فبيَّن بهذه الآية مقدارَ ذلك التفاوت، وهو أن ينتهي إلى غايةِ ما يتمناه الرسولُ ويرتضيه - ﷺ -.
والجمهور أنه في الآخرة، وقد فَصَّله في بعض المواضع، وأعظمها ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهو المقامُ الذي يَغبطه عليه الأوَّلون والآخِرون كما في حديث الشفاعة العظمى، حين يتخلى كلُّ نبيٍّ ويقول: "نفسي نفسي"، حتى يَصِلوا إلى النبي - ﷺ - فيقول: "أنا لها أنا لها"، ومنها الحوضُ المورود، والكوثر، ومنها الوسيلة، وهي منزلةٌ رفيعةٌ عاليةٌ لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ واحد، وإذا كانت لعبدٍ واحدٍ فمن يستقدم عليها، وإذا رجا ربَّه أن تكون له، طَلَب من الأمة طَلَبَها له، فهو مما يؤكِّدُ أنها له، وإلاَّ لَمَا طَلَبها ولا ترجَّاها ولا أمر بطلبها له، وهو بلا شك أحقُّ بها من جميع الخلق، إذ الخلقُ أفضلُهم الرسل، وهو - ﷺ - مقدَّمٌ عليهم في الدنيا (^٣).
_________________
(١) "تتمة أضواء البيان" للشيخ عطية محمد سالم (ص ٢٨٠) - مكتبة ابن تيمية.
(٢) "الظلال" (٦/ ٣٩٢٧).
(٣) انظر "تتمة أضواء البيان" (ص ٢٨٠ - ٢٨١).
[ ١ / ٤٤ ]
° عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه - ﵁ - قال: "عُرِض على رسول الله - ﷺ - ما هو مفتوحٌ على أمته كَنزًا كَنزًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، فأعطاه في الجنة ألفَ ألفِ قصرٍ، في كلِّ قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم".
° قال الحافظُ ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٥٢٢): "رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا لا يُقال إلا عن توقيف" (^١).
° قال الفخر الرازي: "أمَّا لو حَمَلنا هذا الوعدَ على أحوالِ الدنيا، فهو إشارةٌ إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر، ويومَ فتح مكة، ودخولِ الناس في الدين أفواجًا، والغَلَبةِ على قُريظة والنضير
_________________
(١) قال الشيخ مقبل الوداعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص ١٧٤): "الحديث رواه ابن جرير -كما قال الحافظ ابن كثير- (٣٠/ ٢٣٢) من طريقين عن الأوزاعي في أحدهما "عمرو بن هاشم البيروتي" الراوي عن الأوزاعي، وهو ضعيف، وفي الأخرى "روّاد بن الجراح" مختلف فيه، وهو مخلط، فأظن من وَثقه لصدقه وديانته، ومن جرحه فلأنه اختلط. وأخرجه الحاكم وصححه (٢/ ٥٢٦) وتعقبه الذهبي قائلًا: "تفرد به عصام بن روّاد عن أبيه وقد ضُعِّف"، وأخرجه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، قال الهيثمي: "ورواية "الأوسط" قال رسول الله - ﷺ -: "عُرِض عليَّ ما هو مفتوح لأمتي من بعدي، فسرني، فأنزل الله ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ "، فذكر نحوه، وفيه "معاوية بن أبي العباس" ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات وإسناد "الكبير" حسن"، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢١٢) عن الطبراني، وفيه عمرو بن هاشم البيروتي، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث علي بن عبد الله بن العباس لم يروه عنه إلا إسماعيل، ورواه سفيان الثوري عن الأوزاعي، عن إسماعيل مثله.
[ ١ / ٤٥ ]
وإجلائهم، وبَثِّ عساكرِه وسراياه في بلاد العرب، وما فُتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وهَدَم بأيديهم من ممالكِ الجبابرة، وأنهبهم مِن كنوزِ الأكاسرة، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيُّبِ الإِسلام وفشوِّ الدعوة.
واعلم أن الأوْلى حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة" (^١) اهـ.
° "فهذه آية جامعة لوجود الكرامة، وأنواع السعادة وشتات الإِنعام في الدارين والزيادة" (^٢).
* ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
مناجاة حُلوة، وحديث وَدود.
° ألم نشرحْ صَدْرَك لهذه الدعوة؟ ونيسِّر لك أمرها؟ ونجعلْها حَبيبةً لقلبك، ونَشْرع لك طريقَها؟ ونُنِرْ لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة؟!.
فَتِّش في صدرك، ألا تجدُ فيه الرَّوْحَ والانشراح والإِشراقَ والنور؟ واسْتَعِدْ في حَسِّك مَذاقَ هذا العطاء، ألَا تجدُ معه المتاعَ مع كلِّ مشقةٍ، والراحةَ مع كلِّ تعب، واليُسْرَ مع كلِّ عسر، والرضى مع كلِّ حرمان؟.
أَمَا شرحنا لك صدرَك فصار وسيعًا فسيحًا لا ضيقَ فيه، ولا حَرَجَ، ولا هَمَّ، ولا غمَّ، ولا حَزَن، بل ملأناه لك نورًا وسرورًا وحبورًا؟!.
أما شرحنا لك صَدْرَك وملأناه حِكمة ورحمةً وإيمانًا وبِرًّا وإحسانًا؟.
° شرحنا لك صدرك، فوَسِعْتَ أخلاقَ الناس، وعَفْوتَ عن
_________________
(١) التفسير الكبير "مفاتيح الغيب" للفخر الرازي.
(٢) "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" للقاضي عياض.
[ ١ / ٤٦ ]
تقصيرهم، وصَفَحْتَ عن أخطائهم، وسَترتَ عيوبَهم، وحَلُمْتَ على سَفيههم، وأعرضتَ عن جاهلهم، ورَحِمْتَ ضعيفَهم.
° شرحنا لك صدرك، فكنُتَ كالغيث جُودًا، وكالبحر كَرَمًا، وكالنسيم لُطفًا، تُعطي السائل، وتَمنحُ الراغب، وتُكْرِمُ القاصد، وتجودُ على المؤمِّل.
° شرحنا لك صدرك، فصار بردًا وسلامًا يُطفئُ الكلمةَ الجافية، ويُبَرِّدُ العبارةَ الجارحة، فإذا العفوُ والحلمُ والصَّفحُ والغفران.
° شَرَحْنا لك صَدْرَك، فصبرتَ على جفاء الأعراب، ونَيْل السفهاء، وعَجْرفةِ الجبابرة، وتطاوُلِ التافهين، وإعراضِ المتكبِّرين، ومَقْتِ الحَسَدةِ، وسِهام الشامتين، وتجهُّم القرابة.
° شرحنا لك صدرك، فكنتَ بسَّامًا في الأزمات، ضحَّاكًا في المُلمَّات، مسرورًا وأنت في عَين العاصفة، مطمئِنًّا وأنت في جَفنِ الرَّدَى، تُداهمُك المصَائبُ وأنت ساكن، وتلتفُّ بك الحوادثُ وأنت ثابت؛ لأنك مشروحُ الصدر، عامرُ الفؤاد، حيُّ النفس.
° شرحنا لك صدرَك، فلم تكن فظًّا قاسيًا غليظًا جافيًا، بل كنتَ رحمة وسلامًا وبرًّا وحنانًا ولُطْفًا، فالحِلمُ يُطلبُ منك، والجُود يُتَعلَّمُ من سيرتك، والعفو يُؤخذ من ديوانك.
* ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
° في البخاري عن ابن عباس - ﵄ -: "شرح الله صدرَه للإسلام".
° وعن ابن كثير: "نوَّرْناه وجَعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا، كقوله:
[ ١ / ٤٧ ]
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ".
والذي يشهدُ له القرآن أنَّ الشَّرْح هو الانشراحُ والارتياحُ، وهذه حالةُ نتيجةِ استقرارِ الإيمانِ والمعرفةِ والنورِ والحكمة، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، بيان لشرح الصدر للإِسلام.
كما أنَّ ضِيقَ الصدر دليلٌ على الضلال، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
° وفي حاشية الشيخ "زادة" على "البيضاوي" قال: "لم يُشرحْ صَدْرُ أحدٍ من العالمين، كما شُرح صدره - ﵇ -، حتى وَسع علومَ الأوَّلين والآخرين، فقال: "أوتيتُ جوامعَ الكَلِم" .. " اهـ.
ومرادُه بعلوم الأوَّلين والآخرين، ما جاء في القرآن من أخبارِ الأمم الماضية مع رُسلهم وأخبارِ المعاد، وما بينه وبين ذلك ممَّا علَّمه الله تعالى.
° "والذي يظهرُ -والله تعالى أعلم-: أن شرح الصدر المُمْتَنَّ به عليه - ﷺ -، أوسعُ وأعمُّ من ذلك، حتى إنه لَيشملُ صَبْره وصَفْحَه وعَفْوَه عن أعدائه، ومقابلتَه الإساءةَ بالإِحسان، حتى إنه ليَسَعُ العدوَّ، كما يسعُ الصديق، كقصه عودته من "ثقيف": إذْ آذوه سفهاؤهم، حتى ضاق مَلَكُ الجبال بفِعلهم، وقال له جبريل - ﵇ -: "إن مَلَكَ الجبال معي، إن أردت أن يُطبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ فَعَل"، فينشرحُ صدره إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكأنهم لم يُسيؤوا إليه، فيقول - ﷺ -: "اللهم اهْد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله
[ ١ / ٤٨ ]
محمد رسول الله" - ﷺ -" (^١).
* ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
° "نَمْلأْه إيمانًا وحِكمَةً ورأفةً وعِلمًا ورحمةً، فانفسح جدًّا حتى وَسعَ مناجاةَ الحقِّ ودعوةَ الخلق، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه، ومع الخلق بفيضِ أنوارِه وشعاعِه" (^٢).
° قال ابنُ القيم: "شَرَح الله صَدْرَ رسولِه أتمَّ الشرح، ووضع عنه وِزرَه كلَّ الوضع، ورَفَعِ ذِكرَه كلَّ الرفع".
* ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (^٣):
° قال أبو حيان: "هو كنايةٌ عن عِصمته - ﷺ - من الذنوب وتطهيرِه من الأرجاس".
° وقال ابن جرير: "وغَفَرْنا لك ما سَلَف من ذنوبك، وحَطَطْنا عنك ثُقْل أيام الجاهلية التي كنتَ فيها".
° وقال ابن كثير: "هو بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ".
° قال ابن القيم: "وأمَّا وَضعُ وِزرِه: فكيف لا يُوضَع عنه ومَن في
_________________
(١) "تتمة أضواء البيان" (٩/ ٣٠٨ - ٣١٠).
(٢) "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" للبقاعي (٢/ ١١٦) - دار الكتاب الإسلامي - القاهرة.
(٣) سنذكر مبحث "العصمة" بالتفصيل في كتابنا التالي "الكوكب الدُّرِّي في خصائص النبي - ﷺ -".
[ ١ / ٤٩ ]
السماوات والأرض ودوابُّ البَرِّ والبحرِ يستغفرون له؟!! ".
* ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
° لله درُّ حسانِ بنِ ثابت وهو يقول:
أغَرُّ عَلَيْه للنُّبُوَّة خاتَمٌ … مِنَ الله مَشْهودٌ يَلوحُ ويُشْهَدُ
وضَمَّ الإلهُ اسْمَ النبيِّ إلى اسمه … إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ "أَشْهَدُ"
وَشَقَّ لهُ من اسمه لِيُجِلَّهُ … فَذُوا العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ (^١)
رفعناه في الملأ الأعلى، ورفعناه في الأرض، ورفعناه في هذا الوجود
جميعًا .. رفعناه فجعلنا اسمَه مقرونًا باسم الله كُلَّمَا تحرَّكَتْ به الشِّفاه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله - ﷺ -"، وليس بعد هذا رفع، وليس وراءَ هذا منزلة، وهو المَقامُ الذي تفرَّد به - ﷺ - دون سائر العالمين.
° ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ، حين قَدَّر اللهُ أن تمرَّ القرون، وتَكِرَّ الأجيال، وملايينُ الشِّفاهِ في كلِّ مكان تهتفُ بهذا الاسم الكريم مع الله والتسليم، والحبِّ العميق العظيم.
° ورفعنا لك ذكرك، وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهيِّ الرفيع، وكان مُجردُ الاختيارِ لهذا الأمر رفعةَ ذكرٍ لم يَنَلْها أحد من قبلُ ولا من بعدُ في هذا الوجود.
° ورفعنا لك ذِكرَك: هو حِسِّي في الأذان والإقامة، وفي الخُطب على المنابر، وافتتاحياتِ الكلام في الأمور الهامة.
° ومِن رَفْع الذكرِ معنًى -أَيْ من الرفعة-: ذِكرُه - ﷺ - في كتب الأنبياء
_________________
(١) "ديوان حسان بن ثابت" (ص ١٣٤).
[ ١ / ٥٠ ]
قبله، حتى عُرِف للأمم الماضية قبل مجيئه.
° وجعل اللهُ الوحيَ ذِكرًا له ولقومه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤]، ومعلوم أنَ ذِكرَ قومه ذِكر له.
° ومِن رفع ذِكرِه توجيهُ الخطاب إليه بالنبوة والرسالة: "يا أيها الرسول"، "يا أيها النبي" والتصريح به في مقام الرسالة "محمد رسول الله".
° قال الشافعي عن مجاهد في تفسير: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
"لا أُذْكَر إلاَّ ذُكِرْتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".
قال الشافعي يعني: "ذِكرَه - ﷺ - عند الإِيمان بالله تعالى والأذان، ويُحتمل ذِكرُه عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية.
فالفاعلُ للطاعة أو الكافُّ عن المعصية امتثالًا لأمر الله تعالى به ذاكِرٌ للنبي - ﷺ - بقلبه؛ لأنه المُبلِّغُ لنا عن الله تعالى، وهذا أعمُّ من الذِّكر باللسان، فإنه قاصر على الإسلام والأذان والتشهُّد والخطبة ونحوها.
قال الشافعي: فلم تُمْسِ بنا نعمة ظَهرت ولا بَطَنَتْ نِلْنا بها حظًّا في دين أو دنيا، أو دُفع عنا بها مكروهٌ فيهما، أو في واحدٍ منهما، إلاَّ ومحمدٌ - ﷺ - سببُها".
* ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
* ذُكِرْتَ في الكتب المُتقدِّمة، وجُعِل ذِكرك في القرآن مقرونًا بذكره
[ ١ / ٥١ ]
وهذا منتهى قمة الثناء .. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقُرِن ذكرُك بذِكرِ ربِّك في الأذان والصلاةِ والخطب، فهل تريد شرفًا فوق هذا؟!.
* جَعَل الله طاعتك طاعته، وبيعتك بيعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
° مُلِئ العالَمُ من أتباعك، كلُّهم يُثنون عليك، ويُصَلُّون عليك، ويَحفظون سُنَّتك، بل ما من فريضةٍ من فرائضِ الصلاة إلاَّ ومعها سُنَّة، فهم يَمتثِلون في الفريضة أمرَ الله، وفي السُّنَّة أمرَك.
لا تأنفِ السلاطينُ من اتِّباعك، والقُرَّاءُ يَحفَظون ألفاظَ منشورك، والمُفسِّرون يُفسِّرون معاني فُرقانِك، والوُعَّاظُ يُبلِّغون وَعْظَك، بل العلماءُ والسلاطين يَشْرَفون بخدمتك.
يَذكُرُك كلُّ مُصَل وكُلُّ مُسبح وكلُّ حاجٍّ وكلُّ خطيب، فهل تطلبُ مجدًا أعلَى مِن هذا؟ أنت مذكورٌ في التوراة والإِنجيل، ومُنَوَّهٌ باسمك في الصُّحُف الأُولى، والدواوينِ السابقة، اسمُك يُشادُ به في النوادي، وُيذكَر في الحواضِرِ والبوادي، ويُمدَح في الحافِل، ويُكرَّرُ في المجامع.
° رفعنا لك ذكرك، فسار في الأرض مَسِيرَ الشمس، وعَبَر القَّارات عُبور الريح، وسافر في الدنيا سَفَرَ الضوء، فكلُّ مدينةٍ تَدرِي بك، وكلُّ بلدٍ يَسمعُ بك، وكلُّ قرية تَسألُ عنك.
° رفعنا لك ذِكرَك، فصِرْتَ حديثَ الرَّكْب، وقِصَّةَ السَّمَر، وخَبَرَ
[ ١ / ٥٢ ]
المجالس، وقضيةَ القضايا، والنبأَ العظيمَ في الحياة.
° رفعنا لك ذكرَك، فما نُسي مع الأيام، ومَا محِيَ مع الأعوام، وما شُطب من قائمةِ الخُلود، وما نُسِخ من ديوانِ التاريخ، وما أُغفِل من دفتر الوجود، نُسِي الناسُ إلاَّ أنت، وسَقَطت الأسماء إلاَّ اسمَك، وأُغفِل العظماءُ إلاَّ ذاتَك، فمَن ارتَفَع ذِكره من العُبَّاد عندنا، فبسبب اتِّباعك، ومَن حُفظ اسمه فبسبب الاقتداءِ بك .. ذهبت آثارُ الدول وبَقِيَتْ آثارك، ومُحِيت مآثرُ السلاطين وبَقيَتْ مآثرُك، وزالتْ أمجادُ الملوك وخُلِّد مجدُك، فليس في البشر أشرحُ منك صَدْرًا، ولا أرفع منك ذِكرًا، ولا أعظمُ مِنك قَدْرًا، ولا أحسنُ منك أَثَرًا، ولا أجملُ منك سَيْرًا.
إذا تشهَّد مُتشهِّدٌ ذَكَرك مع الله، وإذا تهجَّد متهجِّدٌ سمَّاك مع الله، وإذا خَطب خطيبٌ نوَّه بك مع الله.
* ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، رِفعة تتلاشى عندها رفعةُ غيرك من الخَلْق كلِّهم.
رفعنا لك ذِكرَك عند جميع العالَمين العقلاء بالصِّدق والأمانة والحِلم والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارةِ الشيم وانتفاءِ شوائبِ النقصِ، حتى ما كانت شُهرتُك عند قومك قبلَ النبوَّة إلا "الأمين"، وكانوا يضربون المَثَلَ بشمائِلك الطاهرة، وأوصافِك الزاهرة الباهرة.
ولك الفضائلُ والمناقبُ والشمائلُ التي لا تُضبَطُ بالوصف، ولا يُحصيها وَصفٌ أو حَصر.
[ ١ / ٥٣ ]
* ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾:
• عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقد أنزلتْ عليَّ آيةٌ هي أحبُّ إليَّ مِنَ الدُّنيا جميعًا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ " (^١).
• وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقدْ أُنزلت عليَّ الليلةَ سُورةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ " (^٢).
° قال أنس - ﵁ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: "الحديبية".
° وعن البراء قال: "تَعُدُّون أنتم الفتْحَ: فتْحَ مكة، وقد كان فتْحُ مكة فَتْحًا، ونحن نَعُدُّ الفتح بَيْعة الرِّضوان يومَ الحُدَيْبية، كُنَّا مع رسول الله - ﷺ - خَمْسَ عشرة مِئةً .. والحُديبيةُ بئرٌ" (^٣).
• وفي حديث سهل بن حُنيف: "فنزل القرآنُ على رسول الله - ﷺ -، فأرسل إلى عمرَ، فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أوَ فتحٌ هو؟! قال: "نعم" .. فطابتْ نفسُه" (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه أحمد، والبخاري، والترمذي.
(٣) أخرجه أحمد (٣٠/ ٥٣٢، ٥٣٣، ٦١٣) (١٨٥٦٣، ١٨٥٦٤، ١٨٦٧١)، والبخاري (٤١٥٠)، وابن حبان (٤٨٠١) والبغوي في "شرح السنة" (٣٨٠١)، والبيهقي (٩/ ٢٢٣).
(٤) أخرجه أحمد (٢٥/ ٣٤٨، ٣٤٩) (١٥٩٧٥)، والبخاري (٤٨٤٤)، ومسلم (١٧٨٥) والنسائي في "الكبرى" (١١٥٠٤)، والبيهقي (٩/ ٢٢٢، ٢٢٣)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٤٣٨، ٤٣٩)، (١٥/ ٣١٧ - ٣١٩)، والطبراني (٥٦٠٤) (٦/ ١٠٩).
[ ١ / ٥٤ ]
° قال الشعبيُّ: "نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يُصِبْ في غزوة؛ أصاب أن بُويع بيعةَ الرَّضوان، وغُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، وظَهَرت الرُّومُ على فارس، وبَلَغ الهَدْيُ مَحِلَّه، وأُطعِموا نخلَ خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبي - ﷺ - وبظهورِ الروم على فارس" (^١).
° وقال الزهريُّ عن صُلح الحديبية: "فما فُتح في الإسلام فتحٌ قبلَه كان أعظمَ منه، إنما كان القتالُ، حيث التقى الناسُ، فلما كانت الهُدنة، ووُضِعت الحرب، وأمِنَ الناسُ بعضُهم بعضًا، والتَقَوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يُكلَّمْ أحدٌ في الإسلام يَعقل شيئًا إلاَّ دخل فيه، ولقد دَخَل في تَيْنِكَ السَّنتين (^٢) مِثلُ مَن كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر".
° قال ابن هشام: "والدليلُ على قول الزهريِّ: أن رسول الله - ﷺ - خَرَج إلى الحديبية في ألفٍ وأربعِمِئةٍ في قولِ جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتينِ في عشرة آلاف".
فَرح قلبُ رسول الله - ﷺ - الكبيرُ فرحًا كبيرًا بهذه السورة، فرح قلبُه بالفتح، الذي كان فتحًا في الأرض، وفتحًا في الدعوة، وفتحًا في النُّفوس والقلوب، تُصوِّرُه بيعةُ الرضوان وشفافيةُ المُبايِعِين ووضاءتُهم وتكريمُ اللهِ لهم ورضاه عنهم.
_________________
(١) "تفسير الطبري" (٢١/ ٢٤٤)، و"تفسير عبد الرزاق" (٢/ ٢٢٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٦٨).
(٢) "بين صلح الحديبية وفتح مكة".
[ ١ / ٥٥ ]
فَرح بالفتح المبين، وفَرح بالمغفرة الشاملة، وفَرح بالنعمة التامة، وفَرح بالهداية إلى صراط الله المستقيم، وفَرح بالنصر العزيز الكريم، وفَرح برضى الله عن المؤمنين ووَصْفِهم ذلك الوصفَ الجميل.
* والفتوحات على رسول الله - ﷺ - كثيرة:
فُتحت لك القلوب فغَرَسْتَ فيها الإيمان، فُتِحت لك الضمائر فبَنَيْتَ فيها الفضيلة، فُتحت لك الصُّدور فرفَعْتَ فيها الحقَّ، فتحت لك البلدانُ فنشرت بها الهُدى، وفتحنا لك كنزَ المعرفة، وديوانَ العِلم، ومستودعَ التوفيق، وفتحنا بدعوتك القلوبَ الغلْفَ، والعيونَ العُمْيَ، والآذانَ الصمَّ.
فتحنا لك، فتدَّفقَ العلمُ النافعُ من لسانك، وفاض الهُدَى المبارَكُ من قلبك، وسَحَّ الجُودُ من يمينك.
وفتحنا لك، فحزْت الغنائمَ وقَسَمْتَها، وجَمَعْتَ الأرزاق ووزَّعْتَها، وحَصُلْتَ على الأموال وأنفقتَها.
وفتحنا لك بابَ العلم -وأنت الأُمِّيُّ الذي ما قرأ وكَتَب-، فصار العلماء يَنْهَلون من بحارِ عِلمك ..
قَطَفَ الرجالُ القولَ قبل نباتِه … وقطفتَ أنت القول لَمَّا نوَّرَا
وفتحنا عليك الخيرَ، فوَصَلْتَ القريبَ، وأعطيتَ البعيد، وأشبعتَ الجائع، وكَسَوْتَ العاري، وواسيْتَ المسكين، وأغنيْتَ الفقيرَ برِزقِ مولاك.
فُتِحت له القِلاعُ والمُدن والقرى، فهَيْمَنَ دينه، وارتفعت رايتُه، وانتَصرت دولتُه، فهو مفتوح عليه في كلِّ خيرٍ وبرٍّ وإحسانٍ ونصرٍ وتوفيق.
فُتِحت له فتوحُ العبارة، وأُعطي جوامعَ الكَلِم، وفتوحَ الحلاوة في
[ ١ / ٥٦ ]
الباطن، فهو الذي يَبيتُ عند ربه يُطعمُه ويَسقيه .. وفُتحت له أقطارُ السماوات، فتجاوز طِباقَها طَبَقًا بعد طبق إلى سِدْرَةِ المنتهى، فُتحت له أبوابُ الجِنانِ فرأى ما فيها ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].