° قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية": "عمارةُ بنُ الوليد بن المغيرة هو أحدُ السّبَعةِ الذين دعا عليهم رسولُ الله - ﷺ - حين تضاحَكوا يوم وَضْع سَلا الجزورِ على ظَهره - ﷺ - وهو ساجد عند الكعبة، والمقصودُ أنهما
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٢٢١، ٣٥٩، ١٠/ ٤٤، ٤٥، ٤٦)، ومسلم (١٧/ ١٣٨)، والترمذي (٤/ ١٤٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد (٥/ ١١١)، والطيالسي (٢/ ٢١)، وابن سعد (٣/ ١١٦)، وابن جرير (١٦/ ١٢١).
(٢) صحيح: أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٢٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وذكره مقبل الوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص ١٢٩).
[ ١ / ٢٨١ ]
حين خرجا (^١) من مكةَ كانت زوجة عمرو معه، وعمارةُ كان شابًّا حَسَنًا، فاصطحبا في السَّفينة، وكان عمارةُ طَمِعَ في امرأةِ عمرِو بنِ العاص، فألقى عَمْرًا في البحر ليُهلِكَه، فسَبَح حتى رجَع إليها. فقال له عمارةُ: لو أعلمُ أنك تُحسِنُ السباحةَ لَمَا ألقيتُك، فحَقَد عمرٌو عليه، فلمَّا لم يُقضَ لهما حاجةٌ في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارةُ قد توصَّل إلى بعضِ أهل النجاشي فوَشَى به عمرو، فأمر به النجاشي، فسُحر حتى ذهب عقلُه وساح في البرِّيَّة مع الوحوش.
وقد ذكر الأمويُّ قصةً مطوَّلةً جدًّا، وأنه عاش إلى زمنِ إمارةِ عمرَ بنِ الخطاب، وأنه تقصَّده بعضُ الصحابة وأمسكه، فجعل يقول: أرسِلْني وإلاَّ مت. فلمَّا لم يُرسِلْه مات من ساعته؛ فالله أعلم" (^٢).
° وقبلها ذَكَر ابن كثير أن عمرًا قال للنجاشي: "إنك إذا خرجتَ خَلَفَك عمارةُ في أهلك، فدعا النجاشيُّ بعمارة، فنَفَخ في إحليلِه فطار مع الوحش" (^٣).
* الأخنسُ بنُ شَريق:
مَرَّ بنا قصَّتُه هو وأبي جهل وأبي سفيانَ واستماعهم لقراءةِ النبي - ﷺ - ليلًا ثلاثة أيامٍ، وعِلمُه بصِدقِ النبيِّ - ﷺ -، ثم بعد هذا إصرارُه على الكفر
_________________
(١) أي: عمارة وعمرو بن العاص إلى الحبشة لردّ الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة إلى مكة ليفتنوهم عن دينهم.
(٢) "البداية والنهاية" (٥/ ٧٤).
(٣) "البداية والنهاية" (٥/ ٦٨)، وذكرها أبو نعيم في "الدلائل"، والحافظ البيهقي في "الدلائل".
[ ١ / ٢٨٢ ]
حتى أنزل الله فيه قرآنًا يتلى، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٠ - ١٦] ".
° قال ابنُ جرير االطبري: " ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾: ولا تُطع يا محمدُ كلَّ ذِي إكثارٍ للحَلِفِ بالباطل، ﴿مَّهِينٍ﴾، وهو الضعيف.
° قال ابن عباس - ﷺ -: والمهين: الكذاب.
إذا وُصِف بالمهانة، فإنه إنما وُصِف بها لمهانة نفسِه عليه، وكذلك صِفةُ الكذوب، إنما يكذبُ لمهانةِ نفسِه.
﴿هَمَّازٍ﴾: مغتابٍ للناس يأكلُ لحومهم.
﴿مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: مشَّاءٍ بحديثِ الناسِ بعضِهم في بعضٍ، ينقلُ حديثَ بعضِهم إلى بعضٍ، كما قال قتادة.
وقال ابن عباس - ﷺ -: يَمشي بالكذب.
﴿مَنَّاعٍ للْخَيْرِ﴾: بَخيلٍ بالمال، ضَنينٍ به عن الحقوق.
﴿مُعْتَدٍ﴾: مُعْتدٍ على الناس، ﴿أَثِيه﴾ أثيم بربِّه .. كما قال قتادة.
﴿عُتُل﴾: العُتُلُّ: الجافي الشديد في كفره.
° قال ابن عباس: "العاتل: الشديدُ المنافق".
° وقال مجاهد: "شديد الأَشَر" (^١).
_________________
(١) الأشر: المرح والبطر.
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيِم﴾.
° قال الحسن وقتادة: "هو الفاحشُ اللئيم الضريبة".
° وقال عكرمة: "الكافر اللئيم".
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: معنى "بَعْدَ": مع.
﴿زَنِيمٍ﴾: والزنيم في كلام العرب: الملْصَق بالقوم وليس منهم ..
زنيم ليس يُعرف من أبوهُ … بَغيُّ الأمِّ ذو حَسَبٍ لئيم
° قال ابن عباس: "الزنيم: الدَّعِيُّ"، وهو قول عكرمة.
° يُقال: "هو الأخنسُ بن شَريق الثقفي حليف بني زُهرة".
° وقال سعيد بن المسيَّب: "المُلْصَق بالقوم ليس منهم".
° وقال سعيدُ بن جبير: "الزنيم: الذي يُعرَف بالشَّرِّ، كما تُعرَف الشاةُ بزَنَمَتِها، المُلْصَق".
° وقال ابن عباس: "المُريب الذي يُعرَفُ بالشر".
° وقال أيضًا: "كانت له زَنَمةٌ في عُنُقِه يُعرَف بها".
° وقال شهرُ بن حَوشب: "هو الجِلْف الجافي، الأكولُ الشَّروب من الحرام".
° وقال عكرمة: "الذي يُعرَف باللؤم، كما تعرَف الشاة بزَنَمَتِها".
وهذه خاتمةُ الصفات الذَّميمة الكريهة المتجمِّعة في عدوًّ من أعداء الإِسلام شديد الكيد لرسول الله - ﷺ -، كثيرِ الصَّدِّ عن سبيل الله، والوقوفِ في وجه الدعوة.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وما يُعادِى الإسلامَ، ويُصِرُّ على عدواته إلاَّ أُناسٌ من هذا الطراز اللئيم الذميم. وإطلاقُ هذه الصفاتِ تَدعُ هذا الكافرَ مهينًا في قومِه وهو المختالُ الفخور.
﴿أَن كَانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ﴾ قرأ ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وأبو جعفر المَدَني وحمزةُ: ﴿أَأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ بالاستفهام بهمزتين .. وفيها تقريعٌ لهذا الحَلاَّف المَهين .. أَلَئنْ كان هذا الحلاَّفُ المهين ذا مالٍ وبنين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾؟!.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والكِسائي وخَلَف بهمزة واحدة -على وجه الخَبَر بغير استفهام -، ومعناه: ولا تُطع كل حلاَّفٍ مَهين، أن كان ذا مالٍ وبنين، كأنه نهاه أن يُطيعَه مِن أجل أنه ذو مال وبنين.
﴿إِذَا تتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أَسَاطير الأَوَّلِينَ﴾: إذا تُقرأ عليه آياتُ كتابنا قال: هذا مِمَّا كَتَبه الأوَّلون، استهزاء به، وإنكارًا منه أن يكون ذلك من عند الله.
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾:
° قال بعضُهم: "سنَخْطِمُه بالسيف، فنجعلُ ذلك علامةً باقيةً وسِمة ثابتةً فيه ما عاش".
° قال ابن عباس - ﵁ -: "قاتَل يوم بدر، فخُطِم بالسيف في القتال".
° وقال آخرون: "سنُشينه شيْنًا باقيًا".
° قال قتادة: "شينٌ لا يُفارقه آخِرَ ما عليه".
° وقال أيضًا: "سنُسِيم على أنفه".
[ ١ / ٢٨٥ ]
° قال ابن جرير: "وأولى القوليْن بالصواب في تأويل ذلك عندي: قولُ مَن قال: معنى ذلك: سنبينُ أمرَه بيانًا واضحًا، فلا يخفَى عليهم، كما لا تخفى السِّمَةُ على الخرطوم، وقد يَحْتَمِل أيضًا أن يكون خُطِم بالسيف، فجُمع له مع بيانِ عيوبه للناس الخَطْمُ بالسيف" (^١).
° وقال الفَرَّاء: "سَنَسمُه سمةَ أهل النار. أي: سنُسَوِّدُ وجهَه" (^٢).
° "يجيءُ التهديدُ من الجبَّار القهَّار، يلمسُ في نفسه موضعَ الاختيال والفخرِ بالمال والبنين؛ كما لمس وَصْفُه من قبل موضعَ الاختيال بمكانته ونَسَبِه، وَيسمعُ وَعْدَ الله القاطعَ ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾.
والتهيد بوسْمِهِ على الخرطوم يَحوِي نوعيْن من الإِذلال والتحقير.
الأوَّلُ: الوسم، كما يوسَمُ العبد.
والثاني: جَعْلُ أنفِه خرطومًا، كخرطوم الخنزير.
إنها القاصمةُ التي يستأهلُها عدوُّ الإِسلام، وعدوُّ الرسول الكريم صاحبِ الخُلقِ العظيم".
° قال الفخر الرازي: " ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ إن في الآية احتمالًا آخَرَ عندي، وهو أن ذلك الكافرَ إنما بالغ في عداوة الرسول، وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنَفَةِ والحَمِيَّة، فلما كان مَنشأُ هذا الإِنكارِ هو الأنَفَةُ والحميَّةُ، كان مَنْشَأُ عذابِ الآخرة هو هذه الأَنَفَةُ والحميَّة، فعبَّر عن هذا الاختصاص بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر "تفسير الطبري" (٢٣/ ١٥٧ - ١٧١) مختصرًا.
(٢) "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٧٤).
(٣) "مفاتيح الغيب" للفخر الرازي (١٥/ ٦٥٤).
[ ١ / ٢٨٦ ]
° قال البِقاعي: "لما كان هذا المذكرو قد أغرَقَ في الشر، فتوقَّع السامعُ جزاءَه، قال مُعلِمًا أنه يجعلُ له من الخِزْيَ والفضائح، ما يَصيرُ به شُهرةً بين الخلائق في الدنيا والآخرة: ﴿سَنَسِمُهُ﴾، أي: نجعل ما يَلحق به من العار في الدارين، كالوَسْم الذي لا يَنمحي أثرُه؛ تقول العرب: "وَسَمَه مَيْسَمَ سُوء"، ولما كان الوَسْمُ مُنكِئًا، وكان جَعْلُه في مُوجعٍ لا يُستر أنكأَ، وكان الوجُه أشرفَ ما في الإنسان، وكان أظهرَ ما فيه، وأكرمَهُ الأنف، ولذلك جعلوه مكانَ العزَّ والحميَّة، واشتقُّوا منه الأنَفَة.
﴿عَلَى الْخرْطومِ﴾، أي: الأنف الطويل جميعِه، وما قاربه من الحَنَكين، وَسْمًا مستعليًا عليه بوضوحٍ جدًّا؛ ليكونَ هَتْكه بين الناس، وفضيحةً لقومه، وذلاًّ وعارًا، وكذا كان لَعَمْري له بهذا الذِّكر الشنيع، والذنبِ القبيح من الكفر، وما معه، وسيكونُ له يومَ الجمع الأعظم ما هو أشنعُ من هذا، على أنه حَقَّق في الدنيا هذا الخَطْمَ حِسًّا، بأنه ضُرب يومَ بدر ضربةً خَطمت أنفه" (^١).
وهكذا جَمَع اللهُ له ذُلَّ الدنيا ومهانتَها وذُلَّ الآخرة .. ولَعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأبقى.